3- أما المعلم الثالث من معالمه اللغوية فيتمثل في كثرة استشهاده بأشعار العرب وأقوالهم، وهذا الملمح ظاهر واضح يعرفه كل من عرف الشيخ، فقل أن يقع موقف اجتماعي من غير أن يفجأك ببيت شعري أو قول يتفق والموقف.بل كان ينظم الشعر مباشرة ويرتجله.
4- واللمح الرابع يبدو من إشادته بالخطباء الفصحاء، وقيامه بالخطابة في مسجد الجامعة. تبدو تلك الإشادة من خطبة ألقاها عن الحجاج، قال لي مرة: حين كنت في الطائف طُلب مني إلقاء محاضرة في النادي الأدبي هناك فبرق في عقلي أن الحجاج البليغ الفصيح من الطائف، فلتكن المحاضرة عن الحجاج، فقصص فصاحته وبلاغته وأعماله العظيمة، هي ميدان واسع، يجول فيه ويصول، فكانت المحاضرة رائعة ماتعة أثنى عليها الحضور كثيراً لاسيما أن موطن ثقيف هو الطائف، فانظر إلى هذا الذكاءوالنباهة.
أما إشادته ببعض الخطباء المحدثين،فتبدو مما ذكره لي مساء يوم الثلاثاء 23/1/1425هـ،ونحن ذاهبون إلى مشفى سليمان فقيه، قال لي: إنه كان مع هيثم الخياط وعدنان السبيعي –والله أعلم- يدرسون الفقه عند الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، وأثنى على هذين الصاحبين كثيرأ قال دخل الدكتور هيثم الخياط الجامعة وعمره 15عاماً لنبوغه وتفوقه، قال: ولا أنساه حين قام خطيباً في مسجد الجامعة يهدر هدراً، مصقعاً بليغا فصيحاً، ومما ذكره الشيخ - رحمه الله وبرد مضجعه - عن هذا الرجل أنه حين كان صغيراً رآه الشيخ مرة وأراد أن يضيفه بقطعة سكاكر فرفض وألح عليه الشيخ بأن يأخذها منه لكنه بقي رافضاً وحين سأله الشيخ عن السبب أجابه أن أباه –وهو الدكتور المشهور حمدي الخياط الذي له فضل كبير في تعريبه الطب في سورية – علمه بأن لايأكل شيئاً أبداً بين الوجبات.
أما قيامه بالخطابة، فقد خطب كثيراً في مسجد الجامعة بدمشق، قال لي في جلسة: كان لقاؤه في مسجد الجامعة يوم الإثنين، وأضاف قائلاً:: لقد استضفت مرة الدكتور عبد الكريم اليافي إلى مسجد الجامعة، وقدمت له بمقدمة شعرية رائعة، وسرد لي منها أكثر من عشرين بيتاً لم أسجلها، وعرفت منه أ نه خطب الجمعة كثيراً، وفي هذا المقام أذكر تلك الحكاية التي تفيد أن خطبه كان يحضرها العلماء، منهم الشيخ ناصر الدين الألباني –يرحمه الله- قال: خطبت الجمعة في مسجد الجامعة لأن الخطيب لم يحضر، وأوردت في الخطبة الحديث المشهور عن حذيفة بن اليمان: لكل حق حقيقة ... وبعد الانتهاء من الخطبة والصلاة اصطحبني الشيخ ناصر وقال: هذا الحديث لم أعثر عليه في الكتب المعنية بذلك، قال الشيخ سعيد: رجعت إلى شروح البخاري فوجدت الحديث الشريف، وأدركت سبب غلط الشيخ ناصر وهو أنه حين كان يبحث عن الحديث كان يبحث عنه في (حارثة) في حين أن الحديث ورد بترخيم اسم حارثة أي ياحارث، قال: لعل هذا كان سبباً في وهم الشيخ، مع أن الشيخ ناصر من أهل الحديث. وأحسب أن نشاط الشيخ في هذا المسجد يلزمه مقالات كثيرة، فذكرياته عنه وفيرة، لقد سمعت منه أنه دُعي مرة إلى حلب فألقى كلمة كان بين الحضور طالب تظهر عليه مخايل الذكاء هو محمد مُلّا غُزَيِّل، قال عرفته من ذلك الوقت، وأضاف قائلاً: حين كنت نشطاً في مسجد الجامعة، كنت أقوم بترتيبات خطبة الجمعة، ومرة كنت مشغولاً بترتيب الخطبة مطمئناً على أن الخطيب هو الأستاذ عصام العطار، ففو جئت بخطيب آخر يصعد المنبر، وراح يخطب ويزمجرويصرخ ويشتم، فعجبت وقلت في نفسي هذا ليس صوت عصام العطارولا أسلوبه، فدخلت إلى المسجد أنظر، فإذابمحمد مُلا غزيِّل هو الذي اعتلى المنبر وراح يزمجر بخطبة كلها حماس، وقيل لي: هو مريض، ثم أثنى الشيخ على شعره وذكائه.
5- يبدو هذا المظهر من اهتمامه بتأصيل الألفاظ اللغوية، ومعرفة أصولها: سرت معه بعد صلاة الظهر 1/1/1421هـ، من مسجد فقيه إلى بيته، وفي الطريق تكلمت معه بشأن كلمة (المصاري) التي نستعملها كثيراً،قلت له: كنت أظنها مأخوذة من (المصاريف)والعامة تحذف الأواخر تخفيفاً، فقال: هي جمع مِصرية نسبة إلى الليرة المصرية المسكوكة في مصر، جعلوها أمام الليرة التركية التي كانت هي المشتهرة، وقال مازحاً: يقولون "المصرية لابركة فيها "أي الليرة المصرية وليست المرأة المصرية
-وفي 15/8/1422هـ،جرى ذكر كلمة (الأوبة) التي تُقال في العامية المعاصرة في سياق (يقطعْ عُمْر ها الأُوبة) ،قال وهو يضحك: كان الرجل إذا عاد من سفره خرج أهله وذووه لاستقباله فلعل هؤلاء كانوا لايرغبون في مجيئه فقالوا "يقطع عمر هالأوبة " أي هذه الأوبة "،أقول وفي المزهر للسيوطي 1/340ما يؤكد هذا التفسير قال: تقول العرب للرجل إذا قدم من سفر أوبة وطوبة أي أُبت إلى عيش طيب ومآب طيب " ومما أذكره الآن أن الشيخ سعيد قال لي مرة: إن الأُسطة المصرية ربما أصلها الأستاذة الفارسية، وكلمة "برْضُه" أصلها باردون الفرنسية،وطنطا أصلها: طندتا، ومرة قلت له: جدك الشيخ عبد القادر الجيلاني - وكان يحبه كثيراً- استخدم كلمة الجامكيتي والروز كاري فقال: الجامكيتي: الأجرة والراتب، والروز كاري: الجنود المستأجرون، وما أكثر الكلمات التي كان يحاول دائماً الوقوف على جذورها وأصولها اللغوية. ولو سجلت كل ما سمعت منه في هذا الجانب لاجتمع عندي جدول كبير ولكن الشواغل شغلتني.
وكنت في جلساتي معه أمدح النحاة كثيراً، فكان يقول لي: أنا لم أتمكن تماماً في النحو، قرأت فيه لكني لم أتعمق فيه كثيراً، وهذا ما أخبرني به الشيخ شعيب الأرناؤوط في الأردن، فقد زرته وبلغته سلاما من الشيخ سعيد وأهديته قطعة من سكاكر "النسكافة" التي كان الشيخ سعيد في أواخر أيامه في مكة يقدمها للضيوف، فسُرَّ كثيراً بتلك الهدية، وسألني عن الشيخ ثم راح يحدثني عن الشيخ سعيد حين كانا معاً في لبنان، فمما قاله: كان الشيخ يغلبني في كل شيء، لكني كنت أغلبه في النحو، قلت له: الشيخ يقرُّ بذلك، فكأن سليقته اللغوية الراقية، أغنته عن التبحر في هذا العلم، أما بقية الفروع اللغوية فهو فيها عالم لايبارى ولا يجارى، ففي العروض كأنه الخليل، والشيخ كان بارعاً في تدريسه، أزعم ذلك لأنه علّم ابني عماد الدين –حفظه الله-العَروض حين كان يسير معه من مسجد فقيه إلى بيته بعد الصلوات، وفي مدة يسيرة، مع أن ابني عماد يميل إلى المواد العلمية كالشيخ، وكان الشيخ يختبره، فينشد أمامه بيتاً ويقول له: ياعماد زِنْه أو من أي بحر هو؟وياويلتاه إن أخطأ الولد، وكان الشيخ حقيقة يفتخر بذلك، ثم علّم أخانا أنس عدي العروض أيضاً مع أن دراسته هي الهندسة، لكن الشيخ له طرق متعددة يصل منها إلى ما يريد، وصرت أشعر الآن أن "أنس عدي " "المهندس" صار له ذائقة لغوية غرسها الشيخ فيه لكثرة ملازمته له.
أما عنايته بدلالات الألفاظ ومعانيها، فحدث عن البحر ولا حرج، إذ قلَّ أن تجد معجماً في مكتبته خلا من تعليقات الشيخ ترجيحاً أو تضعيفاً، وكأني به يحب معجم "مختار الصحاح " كثيراً لأننا كنا نستعين به كثيراً للتأكد من ضبط لفظة أو معرفة معانيها المتعددة - وقد رأيت كثيراً من تعليقات الشيخ في هذا المعجم، وأحسب أن هذه التعليقات تقيم رسالة علمية كاملة، أما تاج العروس فقد أخبرني بأنه جمع منه كل لغات العرب التي ذكرها الزبيدي في معجمه، ومثل هذا نجده في الأغاني والأعلام وعلى العموم لا تكاد تجد كتاباً في مكتبته خلت هوامشه من التعليقات الدقيقة المفيدة، ولو جُمعت لجاءت فيما أحسب في مجلدات.
6- المعلم الأخير تقديسه اللغة العربية، وإشادته بالعلماء الغيورين عليها، ففي شهر المحرم، سنة 1422هـ، زرته فحدثني عن شيخين يحبهما كثيراً، الأول: هو الشيخ رفيق السباعي الطبيب المشهور،الذي لم يمارس مهنة الطب، وبرع في العلوم الشرعية، والثاني: هو صلاح الدين الزعيم الدمشقي المدرس في أزهر لبنان، أما الأول فقد وصفه الشيخ بقوله: كان آية في الفصاحة، وأضاف قائلاً: فكان يعتقد ان اللغة العربية هي لغة مقدسة، وإذا رأى ورقة على الأرض فيها كتابة باللغة العربية فكان يلتقطها ثم يحرقها،وعلبة الكبريت دائماً معه في جيبه،وأما الثاني فكان من المشهورين بالشجاعة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان يحب السياحة، يسيح في قرى دمشق حتى يصل إلى القرى اللبنانية،قال: كنت أخرج معه في تلك السياحات، ومن أخباره أن أحد سائقي عربات البغال له شوارب طويلة وعضلات مفتولة، ضرب بسوطه بغله، ونطق بكلمة الكفر، فزجره الشيخ الطاعن بالسن،فاستهزأ"العربجي"بالشيخ وأعاد لفظة الكفر مرة ثانية نكاية بالشيخ، فضربه الشيخ، ضربة قوية سريعة أدت إلى سقوط "العربجي"على الأرض، من غير أن يشعركيف وصل الشيخ إليه وقام بضربه هذه الضربة الشديدة،ثم تأوه الشيخ سعيد - بل الله رمسه بوابل رحماته - واغرورقت عيناه بالدمع، وأنشد:
ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهم
وبقيتُ في خلْفٍ كجلدالأجرب
خبرني الأخ أنس عدي أن الشيخ كان يتصارع مع الشيخ صلاح الدين الزعيم في حضرة أخيه الشيخ علي رحمهم الله تعالى جميعاً، والظاهر أن الشيخ سعيد تأثر بالشيخ رفيق السباعي في العناية بالعربية العناية الفائقة لذا حين كثرت أوجاعه صار يشتري كرتوناً مليئاً بالبوظة (الآيس كريم) ليقدمها لضيوفه بدلاً من تقديم الشاي أو الفاكهة لتعبه ومرضه ثم تغير الأمر فصار يقدم السكاكر من (النسكافة) يجلبها له الأخ عبد الرحمن الحجار الذي له مكانة متميزة عند الشيخ، والمهم أنني لحظت أنه كان يحتفظ بعلب البوظة الفارغة، ليزيل منها ما كُتب عليها من دعاية أو اسم الشركة أوأي شيء كُتب بحروف عربية ثم بعد ذلك يرميها، ومثل ذلك يفعل بأكياس النايلون إن رأى عليها كتابات بحروف عربية، وحين انتبه إلى أن صورة الصليب مرسومة على غلاف بعض المطهرات، توقف عن شرائها وصار يعتمد على مطهر "السافلون"والويل لمن يراه لابساً قميصاً مكتوباً عليه أحرفاً غير عربيةلاسيما تلك القمصان التي رسم عليها صور أوأسماء اللاعبين الرياضيين خاصة الأجانب، إذ لابد حينئذ من سماع بعض العبارات التي تستخف بهذا الصنيع والتنبيه على خطورته، وكان يوجه اللوم كثيراً لآباء الأولاد الذين يرى ألبسة أولادهم من هذا النوع، كان يحب كثيراً اللباس العربي، ولا يرضى إلا بوضع شيء على الرأس، وكنت أحسر رأسي ولا أضع شيئاً، فما زال يلاحقني ويتابعني حتى اطمأن إلى أنني أضع الطاقية البيضاء على رأسي، فكان يمد يده بأسلوب ظريف سريع إلى رأسي، فإذا لمسها انبسطت أساريره،و إن لم يلمسها، يؤنب ويقول متمثلاً الآية الكريمة (خذوا زينتكم عند كل مسجد)
- ومن المفيد أن أذكر هنا ما حدثني به الأخ أنس عدي في ليلة من ليالي منى سنة 1435هـ،قال لي: أحب الشيخ سعيد (حليب نادك) كثيراً فلا يشتري غيره، ولذلك سرٌّعنده طريف، كان يشتري حليب المراعي، فوجد أنهم يوزعون أحياناً قسائم فيها شبهة اليانصيب، فترك حليب المراعي، وصار يشتري حليب الصافي، فرأى مرة على علبة من علبه صورة لاعب كرة يرتدي ملابس رياضية، تظهر فيها عورته لأنها فوق الركبة، فترك حليب الصافي، وانتقل إلى حليب العزيزية ثم إلى نادك، ومن المفيد أخيراً أنه كان محباً للشيخ سعيد الأفغاني رحمه الله، فكان الشيخ الأفغاني يزوره كثيرامع صهره الدكتورالفاضل فواز الفقير حفظه الله، وذكر لي في جلسة أخرى ان الشيخ الأفغاني تأخر في الزواج لأن له أختاً كان يرعاها فبعد أن تزوجت وأنجبت البنين واطمأن إلى استقرار حياتها، تزوج وأنجب "بشرى" زوج الدكتور فواز _ رحمها الله تعالى - ، وليتني سجلت كل ما سمعت منه عن الشيخ الأفغاني رحم الله الجميع ومما أذكره أنه قال لي: عظمة الأفغاني تتجلى في لفظة الأفغاني أي أنه شيخ العربية في الشام وأصله ليس عربيا، فهو من كشمير الإسلامية، والشيخ الأفغاني أستاذ الشيخ سعيد رحمهما الله تعالى في دمشق، وعتب عليَّ لتأخري في زيارته، ثم تمت الزيارة وقضينا مع الأستاذ الكبير سعيد الأفغاني أجمل الأوقات وأحلى الذكريات، وأذكر أننا بعد أن شيعناه إلى المعلاة، نقلت للشيخ سعيد مراسم الدفن، وحزن عليه حزناً شديداً وأطرق ساكتاً كعادته عند نزول الفواجع بأحبابه ,
أما الشيخ أحمد راتب النفاخ فكان يثني عليه كثيراً قال لي: : زارني منذ مدة بعض الطلاب من جامعة الملك سعود، وسألوني عن الأستاذ محمد راتب النفاخ، هل له شعر، أجبتهم: أعرف له بيتين نظمهما وهو في الصف الثامن الإعدادي، هما:
لغتي الفصحى وقومي عرب
جلّت الفصحى وجلّ العربُ
وسماءُ العزِّ هل تعرفها
إن قومي في علاها الشهبُ
هذه هي أهم المعالم اللغوية التي تستلهم من سيرة الشيخ العلمية، ولم نُرد إيراد تفاصيل عن كل معلم، فلعل قادمات الأيام تسمح بكتابة ونشر كل ما سجلناه عن الشيخ، رحم الله هذا الولي التقي النقي الحسيب النسيب. وأسكنه الفراديس، ولا زال منهلاً على قبره القطر، قطر الرحمة وقطر اللطف وقطر المحبة.