رحلتَ في رمضان هادئاً مطمئناً كما كنت في الكلية هادئاً مطمئناً، ياصاحب الشمائل الرفيعة والخصال الحميدة، أذكرك فأتمثل جلساتك الأنيسة وأحاديثك اللطيفة، وابتساماتك الجميلة، مع علمك الغزير الوفير، الذي عُرفتَ به، وعشت له، فبرزت فيه علماً من أعلامه، وركنًا من أركانه، لاسيما حين يشتد الخلاف ويقع الجدل بين الأساتذة في مسألة علمية إذ كنتَ تصغي وتسمع ثم تدلي بجواب للخلاف يمنع، وفيه مقنع، تحل مشكلات ابن هشام في أوضحه، وتوضح مراداته في مغنيه، كنتُ على اعتقاد أنك واحد ممن عشق كتب ابن هشام، تجلى ذلك في صنعك لكتاب النحو القرآني، فهو من أوائل الكتب التي أبرزت أثر الشاهد القرآني في القواعد النحوية، بأسلوبك السهل الجزل، طلابك – وما أكثرهم – لايزالون حتى الآن يذكرون طريقة تدريسك لأوضح ابن هشام ،مثنين عليك بما أنت أهله ،متبعين طريقتك التي تعلموها منك في قاعات الدرس، عرفتك حليماً وافر العقل بهيَّ الطلعة، دائم البِشر، متواضعاً، محباً لإخوانك وطلابك، نشيطاً في الأعمال الإدارية التي كنت تقوم بها بلا أجر، فما أكثر خلواتك مع الدكتور الأخ عياد الثبيتي رئيس القسم، لصنع الجدول الدراسي، وما أكثر جلساتك أيضاً مرشداً للطلاب في تسجيل المواد التي تتفق مع مستوياتهم العلمية، ثم ما أكثر جلساتك مع الطلاب لإجراء المعادلات لهم، كنت أسمعك وأنت تقنع الطالب بالمواد التي يجب أن يدرسها، فكأنك أبوه تحنو عليه، وتشعره بأنك حريص كل الحرص على مصلحته العلمية، فما يقوم من مقامه إلا بالدعاء لك أجر ما نصحته وما قدمت له، نعم لقد كنت – بحق – منهلاً علمياً عذباً، ومرجعاً إدارياً ثبتاً فاقهاً الأنظمة وبصيراً باللوائح، ثم رحت وبرحت واسترحت لمرض في القلب، أحبك الله، فأسقمك به لتنال المقام العالي الذي بوأه لك ليكرمك به، فما سمعتُ منك في زيارتين لك مع أحبابك – كالدكتور العزيز صالح بدوي والدكتور الفاضل صالح الغامدي – في بيتك إلا الحمد والشكر، وحبَّ الكلية والتشوق إلى أخبار الأحبة فيها الذين كانوا يبادرون إلى زيارتكم كلما اشتد شوقهم إليكم أو هاجهم ذكركم وآثاركم، لقد عشتَ للقرآن في لغته وفي رحاب دراساته، أما لغته فبدتْ في تخصصك اللغوي وفي صنعك لكتابك النحو القرآني، وأما دراساته فظهرتْ في أحاديثك الإذاعية (نداء الإسلام) وهي لاتزال شاهدة على آفاقك اللغوية العلمية الراقية التي تحلَّيتَ بها، وتألقت فيها، إنك يا أستاذنا ستبقى آية بارزة في تاريخ الحركة العلمية اللغوية السعودية لأنك من الرعيل الأول كالدكتور إبراهيم ركة وفؤاد سندي – رحمهما الله تعالى – وغيرهم كثير ممن شاركوا في هذه الحركة التي أثمرت – ولله الحمد – ثمرات يانعة، تألقت بهم الجامعات السعودية، فما أكثر طلابك الذين ملأوا مدارس المملكة وما أكثر طلابك الذين حصلوا على درجة الدكتوراة وتبوؤا المناصب العلمية والإدارية في جامعات المملكة، ولا شك أن كل واحد منهم داع لك بالمغفرة والرحمة، والفوز بالجنة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولقد أخبرني أخي الكريم المحب الدكتور صالح بدوي ونحن نواري جثمانه الطاهر في مقبرة المعلاة أنه اتصل به هاتفياً قبل رمضان للاطمئنان عليه فأخبره بأنه سيصوم رمضان هذه السنة في مكة المكرمة على غير عادته لأنه كان يصومه في الطائف دائماً، قلنا سبحان الله، إن هذا من نعم الله عليه ومن عطاياه لأحبابه، وأصفيائه، وهي بشرى إن شاء الله تدل على أنه برحمة الله ورضوانه في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فراديس عدنه.