والكتاب على هذا النحو يعتبر إضافة قيمة لأمهات كتب التراث العلمي الإسلامي، وكان لظهوره فضل كبير في إلقاء مزيد من الضوء على سيرة الحسن بن أحمد الهمداني والتعرف عليه عالماً موسوعياً، ملك ناصية العلم والتقنية مثلما كان مؤرخاً ولغوياً ورجل فكر وسياسة وأدب.
الكتاب منشوراً بتحقيق حمد الجاسر
كتبت عن كتاب الجوهرتين في سلسلة مقالات بمجلة الأزهر الغراء عن (أمهات الكتب العلمية في التراث الإسلامي)، وذكرت أن حمد الجاسر كان أول من وصف مخطوطة الهمداني عن (الجوهرتين العتيقتين)، وذلك في مجلة المجمع العلمي العربي –سابقاً- الصفحة 86/ المجلد 26 الجزء الرابع بتاريخ تشرين الأول 1951 الموافق المحرم 1371هـ. كما أشرت إلى النسخة المنشورة بتحقيق وترجمة كريستوفر تول عام 1968م، وإلى ظهور الطبعة الأولى للكتاب بعد ذلك من إعداد وتحقيق محمد محمد الشعيبي الذي قدم لها عام 1983م، ولم تحدد سنة أو جهة النشر.
وجاءتني رسالة كريمة من الشيخ حمد الجاسر بعد اطلاعه على الجزء الأول من مقالنا عن كتاب (الجوهرتين) في عدد ربيع الأولى 1420هـ - يوليو 1999م من مجلة الأزهر، هذا نصها:
الأستاذ الكريم الدكتور أحمد فؤاد باشا رعاه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد، فقط اطلعت على مقالكم عن كتاب (الجوهرتين) ورأيتكم -وفقكم الله- أشرتم إلى وصفي للمخطوطة وقيام (كريستوفر تل) بنشرها وهي مخطوطة (أبسالا) التي وصفتها، وأشرتم إلى مطبوعة لا قيمة لها نشرت في اليمن وفاتكم الإشارة إلى أمرين:
أولهما: أنني نقدت طبعة (تل) في (مجلة المجمع العلمي العربي) بدمشق سنة 1371 المجلد الـ (26) ص 533/544.
الأمر الثاني: أنني حققت الكتاب ونشرته مضيفاً إليه بحثاً عن التعدين والمعادن في جزيرة العرب، وقد رغبت من أخي الدكتور عائض الردادي أن يتفضل بإرسال نسخة منه إليكم لعدم معرفة عنوانكم، حيث أرسلت هذا الكتاب إلى مجلة (الأزهر) ولا أدري هل يصل أم لا؟
مع أطيب تحياتي.. إمضاء أخوكم: حمد الجاسر
وقد تسلمت - بكل الشكر والتقدير - رسالته الكريمة والنسخة التي تفضل مشكوراً بإرسالها الكتاب في طبعته الأولى (1408هـ - 1987م) بتحقيقه، مضيفاً إليه دراسة ضافية عن التعدين والمعادن في جزيرة العرب، وموضحاً الكثير من غوامضه، استناداً إلى ما وصل إليه من مخطوطات، وهي:
1 - مصورة مخطوطة مكتبة جامعة أوبسالا في السويد، وهي موجودة في دار الكتب المصرية، وتاريخ كتابة هذه النسخة سنة 898هـ ، ويبدو أن هذا هو تاريخ النسخ.
2 - مصورة مخطوطة خزانة جامعة توبتجن في ألمانيا، وتاريخ كتابة هذه النسخة سنة 966هـ، وهي منقولة عن المخطوطة السويدية.
3 - نسخة مكتبة الأمبروزيانا في مدينة ميلان في إيطاليا، وهي في الواقع قطعة من الكتاب، وتاريخ النسخ سنة 1314هـ.
4 - مطبوعتا كريستوفر تول.
5 - مخطوطة القاضي محمد بن علي الأكوع، والتي نسخها عن مطبوعة (تول) وزينها بحواشٍ مفيدة.
ولقد اطلعت على هذه المطبوعة القيمة بتحقيق الشيخ حمد الجاسر، وأفدت كثيراً مما جاء فيها من شروح وتعليقات تشهد على ثقافته الواسعة وعلمه الغزير، وتمكنه الواثق من فن التحقيق، والاعتناء به دراسة وتحليلاً وتقديماً وتعليقاً ومقابلة وضبط نصوص، بل إن ما يفرده الشيخ حمد ويخصصه للدراسة والتحليل والإثراء المعرفي الواسع في مقدمات تحقيقاته يتفوق على ما سواه، وتجعل تحقيقاته لا تقل أهمية ومنهجية واستيفاء بمتطلباتها العلمية عن تلك الدراسات الأكاديمية التي تقدم لنيل درجات علمية من أعرق الجامعات. ويكفي دليلاً على ذلك أن كتاب (الجوهرتين) الذي حققه الشيخ حمد الجاسر يقع في 493 صفحة من القطع المتوسط، فيها 157 صفحة فقط هي كل المتن و336 صفحة لمقدمة الكتاب والتعليقات والإضافات والشروح والفهارس المفضلة.
منهج الجاسر في التحقيق
1 - معروف عن الشيخ حمد حبه للعلم وإجلاله للعلماء، وبخاصة أولئك الذين سبقوه من علماء الجزيرة العربية لقاء ما تركوه من كنوز معرفية غالية، فهو يثني كثيراً على كتاب (الجوهرتين) ومؤلفه، ويقرر في مقدمة التحقيق أنه ظل ما يقرب من أربعين عاماً منذ اطلع على مصوَّرة مخطوطة هذا الكتاب القيم، حريصاً على نشره، دؤوباً في البحث عن أصل صحيح يمكن الاعتماد عليه عند تحقيقه، فالغاية - فيما يعتقد - من تحقيق أي كتاب إبرازه للقارئ بالصورة التي رسمها المؤلف، أو بأقرب صورة مماثلة لها بقدر الإمكان.
ولهذا فإنه يقول في تقديم الكتاب «... فقد حافظت ما استطعت على نصوص النسخة التي اعتبرتها أصلاً، ورأيتها كاملة، وأضفت إلى الأصل ملحقاً به من الإيضاحات ما رأيت في إضافته فائدة للقارئ، لكي يستعين به على فهم النص، مع استعصاء كلمات كثيرة على فهمي، أوردتها كما هي، كما أوردت في حواشي الأصل الاختلاف بين الأصل وبين ما ورد في مطبوعة الأستاذ كريستوفر تل الثانية، وإن كنت لا أتفق معه على كثير مما خالف فيه الأصل، ولا يمنع هذا من الاعتراف بأنه بذل جهداً ليس باليسير في فك كثير من متعلقات كتابة الأصل، واستطاع تصحيح كثير من أخطائه، واستفاد مما نشرته عن مطبوعته الأولى في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق).
2 - لما كان الاهتمام البالغ بتحديد المواضع وضبط الأسماء من أهم سمات منهج الجاسر في التحقيق منذ أوائل أربعينات القرن الماضي، فلا تكاد تخلو كلمة أو بحث من البحوث التي كتبها من التفاتة إلى تحديد موضع أو تصحيح نطقه أو إزالة لبس يتصل به.. لما كان ذلك كذلك فإنه بعد أن أوشك أن ينتهي من إعداد الكتاب للنشر قام برحلة إلى صنعاء في الثامن من ذي القعدة سنة 1406هـ / (15/6/1986م) يقول عنها: (فلعل من بواعثها أنني توقعت أن أجد بين الإخوة في هذه البلاد من أستعين به في فهم بعض الكلمات اليمنية الواردة في الكتاب مما استغلق على فهمه، ومنها أسماء الموازين الواردة في (باب صحة الوزن ومعرفة التقسيم)، ومع أنه لم يتم لي ما توقعت إلا أنني استفدت كثيراً من الأخوين الكريمين الباحث المحقق الأستاذ عبدالله محمد الحبشي والأستاذ الدكتور يوسف محمد عبدالله».
من ناحية أخرى، وجد الجاسر في كتاب (الجوهرتين) كلمات وأسماء آلات ذات صلة بالتعدين، استقاها الهمداني من أهل عصره من ذوي الصناعة في اليمن، وأغلبهم من الفرس، مما لم يجده فيما اطلع عليه من كتب اللغة، ومن هذه الأسماء أو الكلمات ما وردت في المخطوطات بصور تُقرأ على عدة أوجه لإهمالها من الإعجام. يقول الجاسر: (وقد حاولت إبرازها كما وردت عندما لا أستطيع إدراك الوجه الصحيح منها، وكثير منها غير عربي.. وقد حاولت الاستعانة بأحد الإخوة الذين يحسنون اللغة الفارسية، وهو الأستاذ أحمد الواساني – الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية في بيروت...، وبقيت صورة المخطوطة عنده أياماً، ولكنه بعد أن أرجعها إليه قال لي: إن الكلمات الفارسية الواردة في الكتاب خلاف اللغة الفارسية المستعملة الآن، ولهذا لم يستطع معرفة أكثرها).
3 - جرياً على عادته في الإثراء المعرفي لتحقيقاته، استشعر الجاسر حاجة القارئ إلى إيضاح بعض جمل وردت في كتاب الجوهرتين، فوضع لذلك حواشي موجزة، يقول عنها: «... ولكي لا أثقل بكثرتها رأيت أن ألحقها بآخر الكتاب مرتبة حسب صفحات المخطوطة السويدية، وأن ألحق بالكتاب فهارس مفصلة لأسماء المعادن، وأسماء آلات الصياغة وأدويتها، وذكر الأعلام عامة للأشخاص والجماعات والمواضع وغيرها. وقد أبسط القول في الكلام على المعادن أو ما له صلة بها من الآلات لأن كثيراً من قراء هذا الكتاب قد لا تكون صلتهم بكتب المعادن بالدرجة التي تمكنهم من فهم بعض عباراتها، وإن لم أكن خبيراً بشيء مما له صلة بالموضوع». ثم يقول: «موضوع الكتاب عن التعدين، وعن المعادن في بلاد العرب، وهذا مما لم يستوف الهمداني الكلام فيه، ولهذا ألحقت بالكتاب بياناً يحوي ما عرفت من أسماء المعادن القديمة في بلاد العرب، كما تحدثت في المقدمة عن التعدين حديثاً موجزاً».
وحرصاً من الجاسر على استيفاء كل عناصر التحقيق الجيد فإنه حاول استكمال الرسوم التي أهملها النساخ.
4 - لا يمكن إغفال الجانب الأخلاقي في منهج التحقيق عند الجاسر، فقد وهبه الله صفات ذاتية فريدة أهلته لأن يصل إلى ما وصل إليه من معرفة موسوعية عظيمة، وأحلته المكانة الرفيعة في نفوس الباحثين بخاصة، والقراء بعامة، ويأتي في مقدمة هذه الصفات صبره اللامحدود على البحث, والجلد المتناهي في سبيل الوصول إلى الهدف، والدليل على ذلك ما ذكرناه من مثابرته عشرات السنين على تحقيق كتاب الجوهرتين من نسخة أصلية، أو قريبة من الأصل, وما تحمله من مشاق الترحال للتحقق من دقة المواضع وصحة الأسماء.
وعندما عرضت عليه وزارة الإعلام اليمنية في عام 1980م استعدادها للقيام بطبع كتاب الجوهرتين بعد أن يقوم بتحقيقه، وكان قد علم من مؤرخ اليمن الأستاذ القاضي محمد بن علي الأكوع أنه يُعنى بتحقيقه، كتب إلى وزارة الإعلام اليمنية بذلك، قائلاً في أدب جم: «إن الأستاذ الأكوع أولى وأقدر مني على تحقيق الكتاب، وبخاصة أن فيه عبارات وكلمات وأسماء استقاها المؤلف من بيئته (اليمن)، وإذن فابن هذه البيئة أقدر من غيره على فهم ما ورد في هذا الكتاب».
لكنه لم ير للصديق الكريم الأستاذ القاضي الأكوع – وقد مضى زمن – ما يدل على اتجاه لنشر الكتاب، فعقد العزم على المضي قدماً في إعداد كتابه للنشر، ويقول في تبرير ذلك: «إن التعاون في نشر كتاب من الكتب قد يبرزه بصورة خير من الصورة التي ينفرد بها واحد، وإن كان من الخير توحيد الجهد، واهتمام كل ناشر بما لم يقم به غيره، إلا أنني وقد حرصت منذ اطلعت على هذا الكتاب أن أجمع معلومات هي وإن كانت يسيرة إلا أنني أعتقد أن المعنيين به وبأمثاله قد يستفيدون منها، وهذا ما دفعني إلى إعداده للنشر».
وقابل القاضي الأكوع الذي قدم له مخطوطته التي نسخها بقلمه وأعدها للنشر، وحثه على أن يتولى ذلك.
وأخيراً، يقول علامة الجزيرة بتواضع شديد: «ولا أدعي بأنني سآتي بشيء جديد، حول قيامي بنشر هذا الكتاب، غير أن جهداً صرفته حياله لم أرد أن أحرم القراء من ثمرته على ما هي عليه».
خاتمة
لقد حاولنا إلقاء بعض الضوء على نصيب التراث العلمي من فكر حمد الجاسر وتحقيقاته، ولعله اتخذ من كتاب الجوهرتين للهمداني نموذجاً يدعو من خلاله إلى ضرورة التركيز على إحياء أمهات الكتب العلمية في التراث الإسلامي بلغة العصر وأسلوبه ومصطلحاته، لكي تتاح الفرصة أمام جموع الباحثين للقيام بدراسات تأصيلية توضح ما خفي من تراث المسلمين من نظريات وآراء وأفكار ذات قيمة معرفية أو منهجية في تاريخ العلم والحضارة، وتكشف عن المفاهيم التي تشكل أساساً للكثير من المباحث العلمية الدقيقة التي تعامل اليوم كعلوم تخصصية مستقلة، نظراً لاتساع دائرة البحث في موضوعاتها. إن مثل هذه الدراسات التأصيلية التي ندعو إليها أهل الاختصاص في مختلف العلوم، من شأنها أن تعود بالعلوم التخصصية المعاصرة إلى جذورها في المجتمع الذي كان شاهداً على ميلادها، وتتعرف على طبيعة الظروف التي سمحت للمفاهيم والأفكار الوليدة أن تنمو وتزدهر، وتصبح بعد ذلك فروعاً في شجرة المعرفة، وروافد لا غنى عنها لتغذية الحضارة الإنسانية.
وهنا تتطلب أمانة العرض أن أبدي بعض الملاحظات التي أراها بالغة الأهمية، مع كل التقدير للجهد الكبير الذي بذله علامة الجزيرة العربية في تحقيق كتاب الجوهرتين للهمداني:
أولاً: موضوع كتاب الجوهرتين علمي بالدرجة الأولى، ومن ثم فإن ما به من مصطلحات علمية تحتاج إلى شرح وتدقيق يصعبان على غير المتخصص.
على سبيل المثال: ورد في صفحة 15ب من نسخة (تول) مصطلح (الكواكب المتحيرة) وعدله الجاسر في نسخته إلى (الكواكب المتحيزة). والأول هو الأصح كما عرفه قدماء الفلكيين، فتحير الكواكب: مسيرها ورجوعها وظهورها واستتارها، كالحال في كوكب الزهرة, يكون حيناً كوكب صباح، وحيناً كوكب مساء. والكواكب المتحيرة هي التي تظهر في السماء كأنها تسبق الشمس والقمر مرة، ويسبقها القمر والشمس مرة، وأشهرها الزهرة والمريخ، وأبرزها في رأي العين الزهرة. وكان أمر هذه الكواكب أكثر ما شغل بال فلاسفة الإغريق وعلماء الحضارة العربية والإسلامية.
ثانياً: استعان الشيخ حمد، رحمه الله، في إيضاحه لمعاني بعض الكلمات الواردة في كتاب الجوهرتين بمؤلفات التيفاشي والبيروني وغيرهما لتعريف المعادن، لكني أرى أن الأمر يحتاج إلى بيان الأسماء الحديثة لهذه المعادن.
فالأُسْرُب – مثلاً – هو الرصاص، والفيروزج هو التركواز (فوسفات النحاس والألومونيوم المائية). والزنجفَر هو كبريتوز الزئبق الأحمر، والإِتْمِد هو حجر الكحل (الجالينا أو كبريتيد الأنتيمون)، وهكذا.
ثالثاً: أوضح الجاسر نفسه أنه لم يجد ضالته عند كل من لجأ إليهم لاستيضاح ما استغلق عليه فهمه من كلمات يمنية أو فارسية قديمة. وهو يقول في مقدمة الكتاب الذي حققه بمنتهى الأمانة العلمية: «إنني لواثق الثقة كلها بأنني لم أقدمه على وجهه الصحيح من جميع جهاته لتعسّر فهم كثير من نصوصه علي، ولكن هذا هو غاية جهدي، وعسى أن يجود الزمان بأصل صحيح لهذا الكتاب تكون الاستفادة منه أوفى وأكمل».
والكتاب على هذا النحو لا يزال بحاجة إلى المزيد من القراءة الفاحصة من جانب المتخصصين في مجال العلوم الطبيعية، وقد دفعني هذا إلى إعادة تحقيق كتاب الجوهرتين والتقديم له بدراسة وافية عن الاتجاه العلمي عند الهمداني، وذلك استناداً إلى مطبوعة العلامة حمد الجاسر – رحمه الله – باعتبارها أوفى نسخة متاحة من الكتاب يمكن الاعتماد عليها. وقد سبق أن دعوت في مقالنا بمجلة الأزهر – وأكرر اليوم نفس الدعوة – إلى توسيع دائرة نشر هذه المطبوعة لتكون في متناول أهل الاختصاص من الباحثين المعنيين بالكشف عما في تراثنا الإسلامي من كنوز ثمينة لا تزال تحتفظ بقيمتها إلى اليوم.
*العلامة حمد الجاسر وشيء من المسكوت عنه:
قال الدكتور محمد عبدالرزاق القشعمي:
بعد رحيله إلى العالم الآخر -رحمه الله- والوقوف للتأمل بعد أن انزاحت هموم وفاجعة الموت، فإن الذاكرة تحفظ بعض الذكريات البسيطة التي سبق أن سمعتها منه مشافهة في لقاءاتي المتعددة برفقة بعض الشخصيات الأدبية مثل عبدالله الجشي والسيد علي العوامي أو أبو بكر باقادر وحسين بافقيه وزياراتي المتعددة له مع أمين مكتبة الملك فهد الوطنية الأستاذ علي بن سليمان الصوينع أو حضور لقاءاته الأسبوعية صباح الخميس مرافقاً للأستاذ عبدالكريم الجهيمان.
إذا كان عدد الحضور قليلاً يتباسط معهم في الحديث ويمازحهم بالكلام اللين المرح بما لا يجرح أو يهين، فهذه عادته عفا الله عنه. ومن ضمن أحاديثه المرحة أن سألني عن تاريخ وفاة والدي -عبدالرزاق- وقال: إنه يتذكره بمسجد الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة قبل سفره إلى مكة للالتحاق بالمعهد السعودي. وبعد أن ترحم عليه ودعا له قال كم عد نسائه وقت وفاته فأجبته بأنهن اثنتان إحداهن والدتي ابنت عمه، فتبسم مواصلاً حديثه بأن السفر من الزلفي للرياض يستغرق وقتاً طويلاً ومرهق ومخيف حيث قطاع الطرق وعدم استتباب الأمن، فمن النادر أن يحضر أحد طلبة العلم أهله معه لقلة ذات اليد؛ فنجد الغالبية منهم عزَّاباً يسكنون بيوت الإخوان على شكل (خان) كل مجموعة في غرفة من هذا البيت وينام أغلبهم في المساجد لضيق المكان. وهذا الذي دفع والدك للزواج من أكثر من ثماني زوجات، وعدد لي أسماء من صاهرهم مثل الشيخ الصحابي والشيخ ابن بكر وشقيقة رجل الأعمال ثنيان بن فهد الثنيان وغيرهم. وأنه يهتم بمظهره وملبسه ورائحة الطيب لا تفارقه؛ بل إننا نشمها ونحن في الطريق قبل أن نراه.
مازحه بعد ذلك أبو سهيل وقال له: هل تتذكر عندما كنا أثناء الحرب العالمية الثانية نجلس بالحرم بمكة ونتدارس، وفي إحدى المرات كان معك الطيب الساسي رئيس تحرير جريدة أم القرى، وقد وجه لك سؤالاً هو ما رايك بجريدته؟ وكانت وقتها تصدر بأربع صفحات لشح الورق أثناء الحرب، فأجبته هل تريد جوابي نثراً أم شعراً فقال لك؛ بل أريد شعراً فقلت له:
جريدة صغيرة تحكي جناح اللقلق
كم قد حوت من صور وخبر ملفَّق
فأجابك الساسي بوجه متجهم قائلاً: تسب جريدة الحكومة والله لولا أنني رئيس تحريرها لقلت: صدقت وبالحق نطقت. وضحك الجميع.
سأله أحدهم عن فارق السن بينه والجهيمان، فقال: إنني قد غادرت الرياض عام 1347هـ لألتحق بالمعهد السعودي وكنت حافي القدمين وعاري الرأس (مصلع) بينما أبو سهيل يلبس البشت ويعمل في الشرطة (الهجانة) فهذا أكبر دليل على أنه أكبر مني.
فتدخل أحدهم مستفسراً عن قصة (التيس) أو قال له يا أبا تيس، فضحك من لم يعرف القصة. فسأله أحدهم عنها فقال الشيخ حمد أنه عندما كان طالباً بالمعهد السعودي بمكة المكرمة وترك بقريته (البرود) زوجته حاملاً فوصله خبر مع الحجاج أنه قد رزق ولداً، ففرح وأرسل برقية طالباً بها تسميته (قيس) فما كان من موظف البرقية إلا أن كتب قيس -تيس- فرفض جده هذا الطلب، وقال نسميه باسم أبيه (محمد) وإذا عاد يختار الاسم الذي يرغبه، ولم تكن العودة قبل سنة، ولدى عودته قابله ابنه ماشياً وأمه تناديه بمحمد فامتعض وقال ألم أطلب منكم تسميته قيساً فقالوا: بل الاسم المطلوب هو (تيس) وانتهى الموضوع بضحكة الجميع.
وقد ذكره أبو سهيل (الجهيمان) بقصة زواج والده بأخرى، فقال: نعم كان والدي جمالاً فحصل أن جمع حمولة بعيره من الحطب وذهب ليبيعها ببريدة وبدل أن يحضر بقيمتها أرزاقاً تزوجاً بها وأحضرها للقرية يحملها فوق بعيره. وكانت والدتي وهي ترقصني وتلاعبني وتغني:
مرحباً بك يوم جيتي
والجمل بك يوم سار
نختشر بما عطا الله
والشقا على الحمار