تأثرت كثيراً بتصريح الوزير الفرنسي الذي دعا فيه الموريتانيين إلى ترك العربية والأخذ بالفرنسية لتنهض موريتانيا، وتسير في ركب الحضارة، وسعدت كثيراً بردود العلماء والمثقفين على تصريحات الوزير، وتذكرت وأنا بين هذا القبض وذلك البسط الشيخ سعيد الأفغاني – رحمه الله رحمة واسعة – فكأني به استشرف مستقبل العربية، حين خطت يداه كتابه الرائد “من حاضر اللغة العربية في الشام – الذي لا يعرف قدره الكثير من الناس – لقد ذكرفيه – وهو الثقة الصدوق – قصة مرجليوث المستشرق المعروف، الذي كلفته وزارة المستعمرات الإنكليزية بزيارة دمشق ثم طهران لأهداف خبيثة أيضاً مثل التي صرح بها الوزير الفرنسي الآن، قال الأفغاني دعاني محمد كرد علي رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق لزيارته في بيته لرؤية مرجليوث قال: حضر الرجل في ساعة متأخرة من الليل وهو يترنح من كبر سنه ووهن عظمه فسمع الأفغاني منه عتابه على العرب الذين يرفضون الحروف اللاتينية قائلاً: إن الذي أبطأ البلاد العربية عن تركيا هو لأنهم لم يتخذوا حروف اللاتينية بدلاً من العربية، “وسمع منه ثناءً على أتاتورك ثم أبلغهم أنه سيسافر غداً إلى طهران لمقابلة الشاه بهلوي، ومدارسته في أسباب تأخر الشاه لمبادرة فرض الحروف اللاتينية،قال الأفغاني لقد رد كرد علي، على مرجليوث بأن تركيا خسرت الكثير من ذلك لقد خسرت العالم العربي كله، وأدرك الأفغاني حينئذ خطورة المؤامرات التي تحاك ضد العربية قال: انصرف مرجليوث وقد ترك في نفسي إيماناً لا يتزعزع بأن العربية حقاً مصدر مخيف من مصادر قوتنا، وأن أعداءنا قدروها حق قدرها حين جندوا عليها ما جندوا من علم وقوة ودهاء، وأن علينا أن نتمسك بها تمسك الغريق بحبال النجاة فلا عصام لأمتنا ولا نظام إلا بها: وأضاف قائلاً: وأكبرت في الوقت نفسه عزيمة الغرب وإصراره على تهديم هذه القوة منذ عهد الصليبيين إلى عهد ترومان وتشرشل وديغول، ما ملوا ولا يئسوا ولا تزحزحوا عن دينهم هذا قيد شعرة “وليتك أيها الشيخ حيٌّ لتسمع ما اعتقدته فيهم، وما نبهت إليه، وعلينا أن لانستغرب مثل هذه التصريحات بل يجب أن نكون على اعتقاد تام أنهم لايفتؤون عن الكر والكيد، فالقوم كما قال الله فيهم ولا يزالون يقاتلونكم، ولكن لا خوف على العربية فهي صبور على أعدائها، عصية على كائديها ،واثقة من نصرها وغلبتها، فها هي الآن فرضت هيبتها وقوتها حتى صار لها يوم “عالمي” يُحتفى بها، وها هي الجامعات الأوربية والأمريكية امتلأت بالطلاب الذين يرغبون في دراستها ومعرفتها ، ولعل من أبرز ما يدل على قوتها أن الشيخ سعيد الأفغاني نفسه المنافح عنها والمنبه إلى مؤامراتهم عليها هو ليس عربياً، تذكرت الآن ما ذكره ابن جني، في خصائصه من مدح أبي علي الفارسي لها وهو المتمرس بالفارسية والعربية، مبيناً مدى رقيها وجمالها، أي إن من أهم ما يؤكد انتصار هذه اللغة على أعدائها هو أن غير العرب قدماء ومحدثين نافحوا عنها فلا خوف عليها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، والشكر الجزيل للجمعيات الموريتانية التي أصدرت بيانات الاستنكار، مقررة تمسكها بالعربية والدفاع عنها فالدفاع عنها دفاع عن الدين.