الحلقَةُ الرابعَةُ :
أَ وَ لاَ تَرى أنّ الإنسانَ الذي تحكمُه المَقاماتُ والظّروفُ ومَثاراتُ المَعاني، لا يستطيعُ
أن يُفْصحَ عن مَعانيه وصوره الذّهنيّةِ و دلالاته المُعْرِبَة عن حاجاتِه إلاّ بلُغةٍ ذاتِ قَواعدَ
وضَوابطَ وقُيودٍ، فإذا أخلَّ بتلكَ القَواعد والضّوابِطِ والقُيودِ اختلَّ الكَلامُ واضطرَبَ، والْتَبَسَ
المَعْنى على السامعِ وضاعَ المُرادُ المَقْصودُ من الكَلام. فالإنسانُ لا يقولُ وهو يُفكّرُ
ولا يُفكّرُ وهو يَقولُ إلاّ إذا ثَقِفَ لُغَتَه وعَرَفَ شُروطَ تَركيبِها وأساليبَ السَّلامَةِ من اللّحنِ
والتَّلْبيسِ و الإحالَة .
وهذا الشّرطُ النّحويُّ الصرفيُّ التّركيبيُّ هو الذي يتحكّمُ في طُرُقِ إخْراجٍ المَعاني من
الذّهن، فَلا يُفصِحُ المتكلّمُ عَن مَعانيه غُفْلاً وإنّما يُفصحُ منها على ما قَبِلَ الانتظامَ في
سلكِ التّعبيرِ السَّليمِ الذي ينضبطُ إلى القَواعدِ ويلتزمُ بشُروطِ سَلامةِ القَولِ.
وإذا سألْتَ عن هذه القَواعدِ فإنَّها تكوّنَت في نفْسِه بفعلِ تَكْرارِ الجُملِ السَّليمَةِ والنّصوصِ
الصَّحيحَة، حتّى أصبَحَت كالمَلَكَةِ الرّاسخَةِ في نفسِه، يصدرُ عنها عندَ كلّ تعبيرٍ