ما زالَ الكلامُ مُسترسِلاً في الرّدّ على من ادّعى أنّ الكَلامَ يقومُ بالاحتياج المعنويّ
و أنْ لا دَخْلَ لقواعد اللغةِ في إقامته وبنائه وتنسيقِه
فالمُجادلُ يتصورُ عبارَاتِ اللغةِ ألفاظاً ومراتبَ فيها تقديم وتأخير وكَفى وأنّ المتكلّمَ
كلّما أراد أن يُقدّمَ قدّمَ وكلّما أراد أن يؤخّرَ أخّرَ، بحسبِ ما يعنّ له من غير دَخلٍ لقواعد
اللغة، ولكنّه ينسى أو يتناسى أن الإسنادَ بنية عَميقةٌ تشدّ أركان العبارات. ولولا
الإسْنادُ والتركيبُ لانهار بنيان العبارَة ولَمَا ساغَ تقديمٌ ولا تأخيرٌ ولا حذفٌ ولا ذكْرٌ :
فالنظمُ والتّركيبُ والإسنادُ أولاً، ثمّ يأتي التفاضُل بين العبارات بالتقديم والتأخير
والذكرِ والحذف ...
والحَقيقَةُ أنّ الرّجمَ بعَصا "الاحتياج المَعنويّ" ليسَ طريقةً سديدةً في الاستدلالِ
العلميّ والحِجاجِ العقليّ ؛ فكلّما اعترَضَ معترضٌ كررَ المُجادلُ الكلمةَ نفسَها ، وهذا
ما يُدْعى بالدَّوْر المُغْلَق أي الكَلام الذي يَدورُ حولَ نفسِه دَوراً مُغلَقاً .
هذا، وإذا سلّمْنا بأنّ اللغةَ أداةٌ للتواصُل والتعبيرِ عن الأفكارِ والأحاسيسِ والحاجاتِ
اليوميّة ، فإنّ اللّجوءَ إليْها ليسَ خبْطَ عَشْواءَ وليسَ اعتسافاً للطّريقِ وإنّما هو إعمالُ
فكرٍ في طريقةِ التعبيرِ ؛ لأنّ للتعبيرِ طرُقاً ومَسالكَ لولاها لَما عَبَرَ المتكلّمُ تلكَ المَسالكَ،
ولَما عبَّرَ عَمّا في نفْسِه ، وهذا أوضَحُ من أن يُستدلَّ عليْه. وبه يُرَدّ على حكايَةِ
"الحاجةِ المعنويّة" المُهلهلةِ التي لا يحكمُها ضابطٌ.