وهكذا ، فاللغةُ لا تقومُ على إرادَة المَعْنى مُطْلَقاً كَما زَعَمَ مُحاوِرُنا ، فهي لا تقومُ
على إرادةِ المَعْنى إلاّ مقيَّدَةً بضابط الكَثْرَة والاطّرادِ؛ و من صفتَي الكثرَة والاطّرادِ
وُضعَت القواعدُ النحويّةُ، فالنحاة لم يفْتَروا قَواعدَ النحو من عندِ أنفسِهم ولكنّهُم
استنبَطوها من سُلوكِ اللغةَ مَسالكَ الاطّرادِ ، أمّا ما شذّ فلا يُهمَلُ ولكنّه يُسمَعُ
ولا يُقاسُ عليْه. وهكذا فإنّ حكايَةَ الحاجَةِ المعنويّة لا مَعْنى لَها إلاّ في ظلّ التَّوافُق
والانسجامِ مَع القَواعد والضّوابِط
وأدعوكَ بالمُناسَبَة إلى أن تَعودَ إلى الجهاتٍ العشرِ التي يأتي الاعتراضُ على المُعرِب
من جهتِها ، كَما بَسَطَها ابنُ هشام الأنصاري في مُغْني اللبيب، لكي تُدْرِكَ بما
لا يَدَعُ مَجالاً للشّكّ أنّ تَحكيمَ المَعْنى وحدَه في الفهمِ وإهمالَ قَواعدِ الصّناعَةِ مَزلقٌ ينحرفُ
بالواقعِ فيه عن فهم المَعْنى المُرادِ نفسِه ، ومن هذه الجهاتِ:
- أن يراعي المعربُ معنى صحيحاً، ولا ينظرَ في صحته في الصناعةِ [أي في الإعرابِ
ومراعاة القَواعد]، ومن ذلِكَ أنّ بعضَ المُعربينَ أعربَ ثَموداً في قوله تَعالى: (وثَموداً
فَما أبْقى) مفعول مقدم، وهذا ممتنع لأن ما النافيةَ لها الصّدر وتمنَعُ أن يعمَلَ ما بَعدَها
في ما قبلَها، وإنما هو معطوفٌ على عاداً أو هو بتقدير: وأهلك ثموداً
- ومن مَزالقِ المُعربينَ أيضاً أن يُخَرِّجَ المُعربُ الكَلامَ على ما لم يَثبُتْ في العربية، وذلكَ
إنما يقع على جهْلٍ أو غفلةٍ
- ومن مَزالقهم أيضاً ألاّ يُراعوا الشروطَ المختلفةَ بسبب الأبواب، فإن العرَبَ يَشترِطونَ
في بابٍ شيئاً ويشترطون في آخرَ نقيضَ ذلكَ الشّيءِ على ما اقتضته حكمةُ لغتِهم
وصحيحُ أقيستهم، فإذا لم يتأمل المعربُ اختلطت عليه الأبوابُ والشرائطُ.
وهناك جهاتٌ أخرى بيَّنَ فيها المُصنّفُ أخطاءَ المُعربينَ في مراعاتِهم الصناعَةَ أو المَعْنى،
من غيرِ جمعٍ بينَهُما