من أسرار التراكيب اللغوية المتشابهة في القرآن الكريم (7):
ورود الفعل {تبِعَ) بالتخفيف في سورة البقرة، في قوله - تعالى-: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة - 38)
وبالتشديد {اتَّبَعَ) في سورة طه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} (طه - 123)
إن قيل لماذا وردَ {تَبِعَ} بالتخفيف في سورة البقرة، ولم يقل: {اتَّبَعَ} بالتشديد كما فعل في سورة طه؟
أُجِيبَ بأن في وضع كل فعل من هذين الفعلين في موضعه أسرار وأسرار، منها:
* أن الفعل (تَبِعَ) تردد في سورة البقرة أكثر من أية سورة آخرى في القرآن الكريم، فوضعه في مكانه الذي هو أليق به.
* أن التخفيف الذي يفيد التلطف بالعباد جاء مع إسناد القول إلى نفسه في سورة البقرة "قلنا"، وأن التشديد جاء مع إسناد القول إلى الغائب في سورة طه "قال"، وقد ذكرنا أن الله سبحانه يظهر نفسه في موقف التلطف والتكريم، فوضعَ كلَّ فِعْلٍ في موضعه الذي هو أليق به.
* أن آية (طه) تتضمن أمرين: مجاهدة الضلال في الدنيا والفوز في الآخرة، وآية البقرة تتضمن الفوز في الآخرة.
والحالة الأولى تتطلب عملًا أكثر وأشق؛ فجاء الفعل الدال على المبالغة والتكلف للأمر الشاق، وجاء بالفعل الخفيف للعمل الخفيف.
وقد تقول: أفلا يتطلب الفوز في الآخرة مجاهدة الضلال في الدنيا؟
فأقول: إنَّ الفوز في الآخرة على مراتب بعضها أعلى من بعض. وليس كل الناجين في الآخرة ممن كانوا يجاهدون الضلال في الدنيا أم لم يضلوا في أمر من الأمور، فمجاهدة الضلال والتحري لعدم الوقوع فيه مرتبة عالية تتطلب جهدًا كبيرًا ومشقة في العمل، فوضع كل فعل في المكان الذي يقتضيه تمامًا.
______
أسرار البيان في التعبير القرآني - فاضل صالح السامرائي