من أسرار التراكيب اللغوية المتشابهة في القرآن الكريم (6):
مجيء الأمر بالهبوط بصيغة الجمع في سورة البقرة، وبصيغة التثنية في سورة طه
في قوله - تعالى-: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} (البقرة - 38)، وقوله - عز وجل-: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} (طه - 123)
إن قيل: كَيْفَ جِيءَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ -تعالى-:{اهْبِطُوا} فِي سورة الْبَقَرَةِ، وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ - عز وجل-: {اهْبِطَا} فِي سورة طه مَعَ أَنَّهُ أَتْبَعَ صِيغَةَ التَّثْنِيَةِ فِي "طه" بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى}؟
فأَظْهَرُ الْأَجْوِبَةِ عَنْ ذَلِكَ:
أَنَّ التَّثْنِيَةَ بِاعْتِبَارِ آدَمَ وَحَوَّاءَ فَقَطْ، وَالْجَمْعَ بِاعْتِبَارِهِمَا مَعَ ذُرِّيَّتِهِمَا.
خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّثْنِيَةَ بِاعْتِبَارِ آدَمَ وَإِبْلِيسَ، وَالْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا مَعَهُمَا،
وَخِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَمْعَ فِي قَوْلِهِ: {اهْبِطُوا} مُرَادٌ بِهِ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَيَّةَ لَيْسَتْ مُرَادَّةً فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ.
وقيل: إنَّ جَمْعَ الضَّمِيرِ مُرَادٌ بِهِ التَّثْنِيَةُ لِكَرَاهِيَةِ تُوَالِي الْمُثَنَّيَاتِ بِالْإِظْهَارِ وَالْإِضْمَارِ مِنْ قَوْلِهِ -تعالى-: {وَكُلا مِنْها رَغَدًا} [الْبَقَرَة: 35]، وَالْعَرَبُ يَسْتَثْقِلُونَ ذَلِكَ...
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهُمْ ** يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ
وَإِنَّمَا لَهُ صَاحِبَانِ لِقَوْلِهِ: «قِفَا نَبْكِ»... إلخ.
_____
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن – محمد الأمين الشنقيطي
(التحرير والتنوير) - ابن عاشور