من أسرار التراكيب اللغوية المتشابهة في القرآن الكريم (4):
عطف فعل الأمر (كُلَا) على (اُسْكُنْ) بالواو في البقرة: "وَكُلَا مِنْهَا"، وبالفاء في الأعراف: "فَكُلَا"
ورد فعل الأمر (كُلَا) معطوفًا على (اُسْكُنْ) بالواو في سورة البقرة، في قَوْله - تعالى-:
{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا...} (البقرة - 35)
وبالْفَاء فِي الْأَعْرَاف، في قَوْله - تعالى-:
{وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا...} (الأعراف - 19)
وذلك لأن الفعل {اُسْكُنْ} فِي الْآيَتَيْنِ لَيْسَ أَمْرًا بِالسُّكُونِ الَّذِي هُوَ ضد الْحَرَكَة، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْبَقَرَة من السّكُون الَّذِي مَعْنَاهُ "الْإِقَامَة"، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي زَمَانًا ممتدًا؛ فَلم يصلح إِلَّا بِالْوَاو، لِأَن الْمَعْنى:
اجْمَعْ بَين الْإِقَامَة فِيهَا وَالْأكل من ثمارها.
وَلَو كَانَ الْفَاء مَكَان الْوَاو لوَجَبَ تَأْخِير الْأكل إِلَى الْفَرَاغ من الْإِقَامَة لِأَن الْفَاء للتعقيب وَالتَّرْتِيب
وَالَّذِي فِي الْأَعْرَاف من السُّكْنَى الَّتي مَعْنَاهَا "اتِّخَاذ الْموضع مسكنًا"؛ فَكَانَت الْفَاء أَوْلَى لِأَن اتِّخَاذ الْمسكن لَا يَسْتَدْعِي زَمَانًا ممتدًا، وَلَا يُمكن الْجمع بينَ الاتخاذ وَالْأكل فِيهِ بل يَقع الْأكل عَقِيبه.
وأوضح الفخر الرازي أن كُلَّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَكَانَ الْفِعْلُ بِمَنْزِلَةِ الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عُطِفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِالْفَاءِ دُونَ الْوَاوِ؛ وعليه:
فالأمر في سورة البقرة وَرَدَ بَعْدَ أَنْ كَانَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ اللُّبْثَ وَالِاسْتِقْرَارَ، وَالْأَكْلُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا جَرَمَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْوَاوِ.
وَفِي سورة الأعراف هذا الأَمْرُ إنَّما وَرَدَ قبلَ أنْ يدخُلَ الْجَنَّةَ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَالْأَكْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا جَرَمَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْفَاء.
_______
التفسير الكبير - فخر الدين الرازي
(البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان) - برهان الدين الكرماني