وأنا أتصفح أحد أعداد مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق وقفت على تعليق للأستاذ صلاح الدين الزعبلاوي حول المولدين والاستشهاد بأشعارهم للاحتجاج أو للتمثيل في مقال مطول له بعنوان "تخطئة الأوائل"(1) .. ولنتأمل :
"وأما المولدون والمحدثون كبشار وأبي نواس، وهم أصحاب الطبقة الرابعة، فقد أخذ الأكثرون بعدم الاعتداد بأشعارهم، [ويعني هنا في باب الاحتجاج فحسب].
قالوا:
إنما استشهد سيبويه والأخفش بشعر بشار اتقاء لهجوه(2).
وقد اتسع جار الله الزمخشري فرأى الاستشهاد بكلام من يوثق بعربيته كأبي تمام، وترخص الرضي الأستراباذي فحذا حذوه واستن بسنته، كما فصله البغدادي في خزانته(1/6-7)ونهج نهجهما أحمد شهاب الدين الخفاجي. بل تسمَّح السيد البطليوسي في (الاقتضاب) فاستشهد على صحة إضافة (آل) إلى الضمير بقول المتنبي:
والله يسعد كل يوم جده ويزيد من أعدائه في آله
وليس استشهاده هذا على أن أبا الطيب ممن يحتج بشعره؛ بل على أن سكوت أكابر النحويين واللغويين عن تفنيد هذا البيت ونقده، وهم قد تعقبوا الشاعر وتسقطوه فعرضوا لأقواله بالنظر والبحث الدقيق؛ ذلك دليل على صحته. قال البطليوسي: " ولا أعلم لأحد منهم اعتراضاً على هذا البيت".
وإن لنا بعلمائنا وأسلافنا لأسوة ومقتدى؛ فمنهجهم في معاملة الرموز المميزة في تراثنا الأدبي والشعري تحديداً منهج واضح؛ فهم يكبرون الكبراء ولكنهم لا يقبلون منهم التجاوز فيما لا يباح !
(1) مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. المجلد الرابع والخمسون. الجزء الثاني. جمادى الأولى 1399هـ.نيسان 1979م. صـ371-372.
(2)كنت قد خامرني في وقت سابق من خلال استقرائي لاستشهاد سيبويه بشعر بشار نتيجة مفادها :
"قد يكون سيبويه قد تحقق من أن البيت موضع الاستشهاد كان مما قاله بشار في فترة الاحتجاج ـ أي قبل سنة 150هـ ـ فيكون البيت واقعاً في فترة مقبولة الحجية ولو كان صاحبه مردوداً في بعض ما قال. فبشار من مخضرمي الاحتجاج والتوليد لأنه توفي سنة 167هـ".
صالح بن إبراهيم العوض.