السليقة اللغوية ومصادر الاحتجاج *
أ.د رمضان عبد التواب
يرى اللغويون العرب القدماء ، أن " السليقة " مرتبطة بالجنس والوراثة ، أي أنه لا يتصور أن يسيطر على اللغة العربية غير العربي ، كما أنه لا يمكن أن يتقنها إتقان العربي لها ، وهم بذلك كأنما قد تصوروا أن هناك أمراً سحريا ، هو سر السليقة ، ذلك هو الجنس ، فكأن الأمهات يرضعن السليفة في ألبانهم ، وكأن تلك السليقة تتصل اتصالاً وثيقاً ، برمالهم وآثارهم وأطلالهم ودمنهم .
أما " السليقة " في رأي المحدثين ، فهي " لا تعدو أن تكون مرحلة من مراحل إتقان اللغة ، عندها لا يكاد يشعر المتكلم بخصائص كلامه ، من حيث الأصوات ، وأبنية الألفاظ ، وتراكيب الجمل ، فهو يؤدي الكلام بصورة آلية ، دون أن يكون له أي اختيار في هذه النواحي ، بل تصدر منه دون تكلف أو تعمد ، وإنما على حسب ماسمع في صغره ، ممن حوله من الكبار ، وعلى نفس النهج الذي يسلكونه ، فالمرء يبدأ حياته مقلداً للغة أبويه ، وتصادفه عقبات وعثرات في هذا التقليد ويمر بمراحل كثيرة ، قبل أن يصل إلى تلك التي تسمى بمرحلة السليقة. أي أن اكتساب اللغة يبدأ بالتقليد وكثرة المران ، ولا يقال للطفل في أثناء تعلمه لغة أهله، وقبل أن يسيطر عليها : إنه يتكلمها بالسليقة ؛ فلا وراثة في السليقة اللغوية ، وإنما الأمر كله رهن بالاكتساب والتقليد والمران ، وعلى حسب ما تشكله البيئة ، فاللغة ملك من يتعلمها ، لا أثر فيها للوراثة أو الجنس ؛ فالطفل الذي يولد من أبوين مصريين ، ثم ينشأ بعيداً عنهما في بيئة إنجليزية ، يشب وينمو كالإنجليز تماما من حيث اللغة .. وليس في السليقة اللغوية ، لدى المحدثين، شيء غامض أو أمر سحري، كما كان علماء العربية القدماء يظنون ، حيث ربطوا بينها وبين البداوة حينا ، أو الجنس العربي حينا آخر ؛ إذ لم يتصوروا أن الأجنبي عن العربية ، يمكن أن يتقنها كأبناء العرب ، مهما بذل من جهد ، أو صرف من زمن ( 1) .
وقد فطن إلى مثل هذا من القدماء ، العلامة ابن خلدون ، فقال : " اعلم أن اللغات كلها ملكات ، شبيهة بالصناعة ؛ إذ هي ملكات في اللسان ، للعبارة عن المعاني ، وجودتها وقصورها ، بحسب تمام الملكة أو نقصانها .. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال ؛ لأن الفعل يقع أولا ، وتعود منه للذات صفة ، ثم تتكرر فتكون حالا ، ومعنى الحال أنه صفة غير راسخة ، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة ، أي صفة راسخة ( 2) ".
ولأن القدماء قد ذهبوا إلى أن اللغة العربية ، تجري في دماء العرب، فقد أخذوا اللغة عن العرب ، حتى عن الأطفال والمجانين والنساء( 3) ، ولكنهم - والحق يقال - شعروا بوجود مستويات مختلفة في اللغة ، فتحدثوا عن الفصيح والأفصح والأقل فصاحة ، والرديء والمذموم ، والشاذ ، والحوشي والغريب ، والنادر . وكانت المعايير التي استندوا إليها في ذلك غامضة ، فكثيرا ما تقابلنا في المعاجم عبارات مثل : " وهي اللغة العليا " بلا علة واضحة لهذا الحكم ! .
وعندما بدأ قدامى اللغويين العرب ، في تدوين اللغة ، مع غموض معاييرهم ، وجدناهم يقسمون تلك اللغة إلى أقسام : القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، والشعر ، ونثر العرب .
أما القرآن الكريم ؛ فقالوا : إن كل رواياته فصيحة ، حتى الشاذ منها، ولو أنه لا يقاس عليها ، فهذا هو ابن جني يقول : " غرضنا أن نرى وجه قوة ما يسمى الآن شاذا ، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه ، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه ( 4) " . كما يقول البغدادي : " كلامه - عز اسمه- أفصح كلام وأبلغه ، ويجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذه ( 5) " . ويقول الفراء : "والكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر (6 ) " .
وأما الحديث ؛ فيرفضون الأخذ به في الاستشهاد على مسائل النحو ، محتجين بأنه قد سمحت الرواية فيه ، بمعناه لا بلفظه ، كما أن بعض رواته كانوا من المولدين .
وهذه حجة واهية بالطبع ، فإن رواة الأحاديث كانوا يعيشون ، في حيز عصور الاحتجاج . وحتى لو سلمنا جدلاً ، بأنهم رووا الأحاديث بالمعنى، وصاغوها بعباراتهم ، فإنهم ممن يحتج بلغتهم .
ولعل السبب الحقيقي في بعد النحويين الأوائل ، عن الاستشهاد بالحديث ، إيثارهم الابتعاد عن موطن تزل فيه الأقدام ، بعد شيوع الوضع في الحديث ، في العصور الإسلامية الأولى ، وكثرة اتهام بعض الناس لبعض ، بهذا الوضع .
وليس معنى هذا ، أن المؤلفات النحوية الأولى ، تخلو من ذكر الحديث تماما ، فعند سيبويه ( 7) ، والفراء (8 ) ، وأبي علي الفارسي( 9) ، مثلا ، بعض الأحاديث . غير أن أول من أكثر من الاستشهاد ( 10) بالحديث ، كان هو النحوي الأندلسي : ابن خروف ( المتوفى سنة 609هـ) ، وتابعه على ذلك ابن مالك ، صاحب الألفية ( المتوفى سنة 672هـ).
ومن أعلام المانعين من الاستشهاد به : ابن الضائع ( المتوفى سنة 680هـ)، وأبو حيان (المتوفى سنة 754هـ) ( 11) . أما ابن مالك ، فقد أخذ مثلا قول الرسول صلى الله وسلم : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار " شاهداً على لغة : " أكلوني البراغيث " ، وهي اللغة التي تلحق الفعل ضمير تثنية أو جمع ، إذ كان الفاعل مثنى أو مجموعا . وقد عرفت هذه اللغة بذلك الاسم ؛ لأن سيبويه أول من مثل لها في كتابه ، فاختار هذا المثال ، فقال : "في قول من قال : أكلوني البراغيث"( 12) ، كما قال : " ومن قال : أكلوني البراغيث ، قلت على حد قوله : مررت برجل أعورين أبواه " ( 13) ، وإن كان قد ضرب لهذه الظاهرة أمثلة أخرى في كتابه ، فقال : " واعلم أن من العرب من يقول : ضربوني قومك ، وضرباني أخواك ، فشبهوا هذه بالتاء ، التي يظهرونها في : قالت فلانة ، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة ، كما جعلوا للمؤنث ، وهي قليلة " ( 14) .
وقد حكيت هذه اللغة عن قبيلة " بلحارث بن كعب " ، كما حكاها البصريون عن قبيلة طيئ ، وبعض النحويين يحكونها عن قبيلة أزد شنوءة . والأصل في اللغات السامية ، أن يعامل الفعل فيها معاملته في لغة : " أكلوني البراغيث " (15 ) . وقد بقي من هذا الأصل في العربية ، أمثلة في اللهجات المختلفة ، كما توجد منه بعض الأمثلة ، في القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، والأشعار .
فمما جاء منه في القرآن الكريم ، قوله تعالى : " {وأسروا النجوى الذين ظلموا} (16 ) وقوله تعالى : {ثم عَمُوا وصمّوا كثير منهم} ( 17) . ومما جاء في الحديث الشريف ، قوله صلى الله عليه وسلم : " يعتزلن الحُيَّضَ المُصَلّى " وقوله : " ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله " . ومما جاء في الشعر، قول عمرو بن ملقط الطائي الجاهلي :
ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيــــه ( 18)
وقول أحيحة بن الجلاح :
يلومونني في اشتراء النخيل (م) أهلي فكلهم يعـــــــــذل( 19)
وقول مجنون ليلى :
ولو أحدقوا بي الإنس والجن كلهم لكي يمنعوني أن أجيك لجيت( 20)
وقول ابن قيس الرقيات :
تولى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعد وحـــــــميم (21 )
وهذه الظاهرة هي الشائعة في كلامنا ، في اللهجات العربية الحديثة ، كقولنا مثلا : " ظلموني الناس ". وقد جعل الحريري ذلك من لحن العامة ( 22) ، ورد عليه الشهاب الخفاجي ، فقال : " وليس الأمر كما ذكره ؛ فإن هذه لغة قوم من العرب ، يجعلون الألف والواو حرفي علامة للتثنية والجمع ، والاسم الظاهر فاعلا، وتعرف بين النحاة ، بلغة أكلوني البراغيث ؛ لأنه مثالها الذي اشتهر به ، وهي لغة طيئ ، كما قال الزمخشري ، وقد وقع منها في الآيات والأحاديث ، وكلام الفصحاء، ما لا يحصى " ( 23).
وكما عني ابن مالك بالاستشهاد بالحديث ، فقد عني به كذلك الإمام الرضي، وزاد عليه الاحتجاج بكلام أهل البيت ، رضي الله عنهم ( 24) .
ومن علماء العصور المتأخرة ، أمثال " الإمام الشاطبي " (المتوفى سنة 790هـ) من قسم الأحاديث إلى قسمين : قسم يظن أن العناية قد وجهت إلى ألفاظه لغرض خاص ، كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم ، ككتابه لهمدان ، وكتابه لوائل بن حجر ، والأمثال النبوية ، فهذا يصح الاستشهاد به في العربية . وقسم يظن أن العناية وجهت فيه إلى المعنى، وقد رأى الشاطبي أنه لا يصح الاستشهاد به مطلقا ( 25) .
هذا بالنسبة للقرآن والحديث . أما بالنسبة للشعر ، فقد قسم اللغويون الشعراء ، إلى أربع طبقات :
1- طبقة الجاهليين : كزهير ، وطرفة ، وعمرو بن كلثوم .
2- طبقة المخضرمين : وهم الذين شهدوا الجاهلية وصدر الاسلام ، كالخنساء ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن زهير .
3- طبقة الإسلاميين : كجرير ، والفرزدق ، والأخطل .
4- طبقة المولدين ، أو المحدثين : وهم يبدأون في العصر العباسي ، ببشار بن برد، وابي نواس .
وقد أجمع علماء اللغة ، على أن شعراء الطبقتين الأوليين ، يحتج بشعرهم،بغير نزاع . أما الطبقة الثالثة فمعظم اللغويين يرون صحة الأخذ بشعر هذه الطبقة ، غير أن بعضهم كان يأبى الاحتجاج به ، وأما الطبقة الرابعة ، فقد رفض اللغويون الاحتجاج بشيء من شعرها ، فيما عدا الزمخشري الذي أجاز ذلك.