منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   السليقة اللغوية ومصادر الاحتجاج (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=20834)

مصطفى شعبان 03-13-2017 11:48 AM

السليقة اللغوية ومصادر الاحتجاج
 
السليقة اللغوية ومصادر الاحتجاج *
أ.د رمضان عبد التواب

يرى اللغويون العرب القدماء ، أن " السليقة " مرتبطة بالجنس والوراثة ، أي أنه لا يتصور أن يسيطر على اللغة العربية غير العربي ، كما أنه لا يمكن أن يتقنها إتقان العربي لها ، وهم بذلك كأنما قد تصوروا أن هناك أمراً سحريا ، هو سر السليقة ، ذلك هو الجنس ، فكأن الأمهات يرضعن السليفة في ألبانهم ، وكأن تلك السليقة تتصل اتصالاً وثيقاً ، برمالهم وآثارهم وأطلالهم ودمنهم .
أما " السليقة " في رأي المحدثين ، فهي " لا تعدو أن تكون مرحلة من مراحل إتقان اللغة ، عندها لا يكاد يشعر المتكلم بخصائص كلامه ، من حيث الأصوات ، وأبنية الألفاظ ، وتراكيب الجمل ، فهو يؤدي الكلام بصورة آلية ، دون أن يكون له أي اختيار في هذه النواحي ، بل تصدر منه دون تكلف أو تعمد ، وإنما على حسب ماسمع في صغره ، ممن حوله من الكبار ، وعلى نفس النهج الذي يسلكونه ، فالمرء يبدأ حياته مقلداً للغة أبويه ، وتصادفه عقبات وعثرات في هذا التقليد ويمر بمراحل كثيرة ، قبل أن يصل إلى تلك التي تسمى بمرحلة السليقة. أي أن اكتساب اللغة يبدأ بالتقليد وكثرة المران ، ولا يقال للطفل في أثناء تعلمه لغة أهله، وقبل أن يسيطر عليها : إنه يتكلمها بالسليقة ؛ فلا وراثة في السليقة اللغوية ، وإنما الأمر كله رهن بالاكتساب والتقليد والمران ، وعلى حسب ما تشكله البيئة ، فاللغة ملك من يتعلمها ، لا أثر فيها للوراثة أو الجنس ؛ فالطفل الذي يولد من أبوين مصريين ، ثم ينشأ بعيداً عنهما في بيئة إنجليزية ، يشب وينمو كالإنجليز تماما من حيث اللغة .. وليس في السليقة اللغوية ، لدى المحدثين، شيء غامض أو أمر سحري، كما كان علماء العربية القدماء يظنون ، حيث ربطوا بينها وبين البداوة حينا ، أو الجنس العربي حينا آخر ؛ إذ لم يتصوروا أن الأجنبي عن العربية ، يمكن أن يتقنها كأبناء العرب ، مهما بذل من جهد ، أو صرف من زمن ( 1) .
وقد فطن إلى مثل هذا من القدماء ، العلامة ابن خلدون ، فقال : " اعلم أن اللغات كلها ملكات ، شبيهة بالصناعة ؛ إذ هي ملكات في اللسان ، للعبارة عن المعاني ، وجودتها وقصورها ، بحسب تمام الملكة أو نقصانها .. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال ؛ لأن الفعل يقع أولا ، وتعود منه للذات صفة ، ثم تتكرر فتكون حالا ، ومعنى الحال أنه صفة غير راسخة ، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة ، أي صفة راسخة ( 2) ".
ولأن القدماء قد ذهبوا إلى أن اللغة العربية ، تجري في دماء العرب، فقد أخذوا اللغة عن العرب ، حتى عن الأطفال والمجانين والنساء( 3) ، ولكنهم - والحق يقال - شعروا بوجود مستويات مختلفة في اللغة ، فتحدثوا عن الفصيح والأفصح والأقل فصاحة ، والرديء والمذموم ، والشاذ ، والحوشي والغريب ، والنادر . وكانت المعايير التي استندوا إليها في ذلك غامضة ، فكثيرا ما تقابلنا في المعاجم عبارات مثل : " وهي اللغة العليا " بلا علة واضحة لهذا الحكم ! .
وعندما بدأ قدامى اللغويين العرب ، في تدوين اللغة ، مع غموض معاييرهم ، وجدناهم يقسمون تلك اللغة إلى أقسام : القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، والشعر ، ونثر العرب .
أما القرآن الكريم ؛ فقالوا : إن كل رواياته فصيحة ، حتى الشاذ منها، ولو أنه لا يقاس عليها ، فهذا هو ابن جني يقول : " غرضنا أن نرى وجه قوة ما يسمى الآن شاذا ، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه ، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه ( 4) " . كما يقول البغدادي : " كلامه - عز اسمه- أفصح كلام وأبلغه ، ويجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذه ( 5) " . ويقول الفراء : "والكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر (6 ) " .
وأما الحديث ؛ فيرفضون الأخذ به في الاستشهاد على مسائل النحو ، محتجين بأنه قد سمحت الرواية فيه ، بمعناه لا بلفظه ، كما أن بعض رواته كانوا من المولدين .
وهذه حجة واهية بالطبع ، فإن رواة الأحاديث كانوا يعيشون ، في حيز عصور الاحتجاج . وحتى لو سلمنا جدلاً ، بأنهم رووا الأحاديث بالمعنى، وصاغوها بعباراتهم ، فإنهم ممن يحتج بلغتهم .
ولعل السبب الحقيقي في بعد النحويين الأوائل ، عن الاستشهاد بالحديث ، إيثارهم الابتعاد عن موطن تزل فيه الأقدام ، بعد شيوع الوضع في الحديث ، في العصور الإسلامية الأولى ، وكثرة اتهام بعض الناس لبعض ، بهذا الوضع .
وليس معنى هذا ، أن المؤلفات النحوية الأولى ، تخلو من ذكر الحديث تماما ، فعند سيبويه ( 7) ، والفراء (8 ) ، وأبي علي الفارسي( 9) ، مثلا ، بعض الأحاديث . غير أن أول من أكثر من الاستشهاد ( 10) بالحديث ، كان هو النحوي الأندلسي : ابن خروف ( المتوفى سنة 609هـ) ، وتابعه على ذلك ابن مالك ، صاحب الألفية ( المتوفى سنة 672هـ).
ومن أعلام المانعين من الاستشهاد به : ابن الضائع ( المتوفى سنة 680هـ)، وأبو حيان (المتوفى سنة 754هـ) ( 11) . أما ابن مالك ، فقد أخذ مثلا قول الرسول صلى الله وسلم : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار " شاهداً على لغة : " أكلوني البراغيث " ، وهي اللغة التي تلحق الفعل ضمير تثنية أو جمع ، إذ كان الفاعل مثنى أو مجموعا . وقد عرفت هذه اللغة بذلك الاسم ؛ لأن سيبويه أول من مثل لها في كتابه ، فاختار هذا المثال ، فقال : "في قول من قال : أكلوني البراغيث"( 12) ، كما قال : " ومن قال : أكلوني البراغيث ، قلت على حد قوله : مررت برجل أعورين أبواه " ( 13) ، وإن كان قد ضرب لهذه الظاهرة أمثلة أخرى في كتابه ، فقال : " واعلم أن من العرب من يقول : ضربوني قومك ، وضرباني أخواك ، فشبهوا هذه بالتاء ، التي يظهرونها في : قالت فلانة ، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة ، كما جعلوا للمؤنث ، وهي قليلة " ( 14) .
وقد حكيت هذه اللغة عن قبيلة " بلحارث بن كعب " ، كما حكاها البصريون عن قبيلة طيئ ، وبعض النحويين يحكونها عن قبيلة أزد شنوءة . والأصل في اللغات السامية ، أن يعامل الفعل فيها معاملته في لغة : " أكلوني البراغيث " (15 ) . وقد بقي من هذا الأصل في العربية ، أمثلة في اللهجات المختلفة ، كما توجد منه بعض الأمثلة ، في القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، والأشعار .
فمما جاء منه في القرآن الكريم ، قوله تعالى : " {وأسروا النجوى الذين ظلموا} (16 ) وقوله تعالى : {ثم عَمُوا وصمّوا كثير منهم} ( 17) . ومما جاء في الحديث الشريف ، قوله صلى الله عليه وسلم : " يعتزلن الحُيَّضَ المُصَلّى " وقوله : " ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله " . ومما جاء في الشعر، قول عمرو بن ملقط الطائي الجاهلي :
ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيــــه ( 18)
وقول أحيحة بن الجلاح :
يلومونني في اشتراء النخيل (م) أهلي فكلهم يعـــــــــذل( 19)
وقول مجنون ليلى :
ولو أحدقوا بي الإنس والجن كلهم لكي يمنعوني أن أجيك لجيت( 20)
وقول ابن قيس الرقيات :
تولى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعد وحـــــــميم (21 )
وهذه الظاهرة هي الشائعة في كلامنا ، في اللهجات العربية الحديثة ، كقولنا مثلا : " ظلموني الناس ". وقد جعل الحريري ذلك من لحن العامة ( 22) ، ورد عليه الشهاب الخفاجي ، فقال : " وليس الأمر كما ذكره ؛ فإن هذه لغة قوم من العرب ، يجعلون الألف والواو حرفي علامة للتثنية والجمع ، والاسم الظاهر فاعلا، وتعرف بين النحاة ، بلغة أكلوني البراغيث ؛ لأنه مثالها الذي اشتهر به ، وهي لغة طيئ ، كما قال الزمخشري ، وقد وقع منها في الآيات والأحاديث ، وكلام الفصحاء، ما لا يحصى " ( 23).
وكما عني ابن مالك بالاستشهاد بالحديث ، فقد عني به كذلك الإمام الرضي، وزاد عليه الاحتجاج بكلام أهل البيت ، رضي الله عنهم ( 24) .
ومن علماء العصور المتأخرة ، أمثال " الإمام الشاطبي " (المتوفى سنة 790هـ) من قسم الأحاديث إلى قسمين : قسم يظن أن العناية قد وجهت إلى ألفاظه لغرض خاص ، كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم ، ككتابه لهمدان ، وكتابه لوائل بن حجر ، والأمثال النبوية ، فهذا يصح الاستشهاد به في العربية . وقسم يظن أن العناية وجهت فيه إلى المعنى، وقد رأى الشاطبي أنه لا يصح الاستشهاد به مطلقا ( 25) .
هذا بالنسبة للقرآن والحديث . أما بالنسبة للشعر ، فقد قسم اللغويون الشعراء ، إلى أربع طبقات :
1- طبقة الجاهليين : كزهير ، وطرفة ، وعمرو بن كلثوم .
2- طبقة المخضرمين : وهم الذين شهدوا الجاهلية وصدر الاسلام ، كالخنساء ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن زهير .
3- طبقة الإسلاميين : كجرير ، والفرزدق ، والأخطل .
4- طبقة المولدين ، أو المحدثين : وهم يبدأون في العصر العباسي ، ببشار بن برد، وابي نواس .
وقد أجمع علماء اللغة ، على أن شعراء الطبقتين الأوليين ، يحتج بشعرهم،بغير نزاع . أما الطبقة الثالثة فمعظم اللغويين يرون صحة الأخذ بشعر هذه الطبقة ، غير أن بعضهم كان يأبى الاحتجاج به ، وأما الطبقة الرابعة ، فقد رفض اللغويون الاحتجاج بشيء من شعرها ، فيما عدا الزمخشري الذي أجاز ذلك.

مصطفى شعبان 03-13-2017 11:52 AM

يقول البغدادي : " فالطبقتان الأوليان ، يستشهد بشعرهما إجماعا . وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها . وقد كان أبو عمرو بن العلاء ، وعبد الله بن أبي إسحاق ، والحسن البصري ، وعبد الله بن العلاء ، وعبد الله بن أبي إسحق ، والحسن البصري ، وعبد الله بن شبرمة ، يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم .. في عدة أبيات ، أخذت عليهم ظاهراً ، وكانوا يعدونهم من المولدين ؛ لأنهم كانوا في عصرهم ، والمعاصرة حجاب " ( 26) .
وقال ابن رشيق : " كل قديم من الشعراء ، فهو محدث في زمانه ، بالإضافة إلى من كان قبله . وكان أبو عمرو يقول : لقد أحسن هذا المولد ، حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره - يعني بذلك شعر جرير والفرزدق - فجعله مولدا ، بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين ، وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين . قال الأصمعي : جلست إليه عشر حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي " ( 27) .
كما يقول ابن قتيبة : " كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم ، يعدون محدثين . وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : لقد كثر هذا المحدث وحسن ، حتى لقد هممت بروايته " (28 ) .
وكان تلميذه الإصمعي ، لا يوثق كثيراً من شعراء هذه الطبقة ، كالكميت ، والطرماح ، (29 ) وإن روى عن أستاذه أبي عمرو بن العلاء ، أن عمر بن أبي ربيعة حجة ، قال : " سمعت أبا عمرو بن العلاء ، يحتج في النحو بشعره ، ويقول : هو حجة " ( 30) .
وأما الطبقة الرابعة ، فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا ، وقيل : يستشهد بكلام من يوثق به منهم ، واختاره الزمخشري ، فاستشهد في تفسير أوائل سورة البقرة ، في " الكشاف " ببيت من شعر أبي تمام ، وقال : " وهو وإن كانا محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة ، فهو من علماء العربية ، فأجعل ما يقوله بمنزله ما يرويه ، ألا ترى إلى قول العلماء : الدليل عليه بيت الحماسة ، فيقنعون بذلك ، لوثوقهم بروايته وإتقانه " ( 31).
واعترض عليه ( 32) ، بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق ، واعتبار القول مبني على معرفة أوضاع اللغة العربية ، والإحاطة بقوانينها ومن ألبين أن إتقان الرواية ، لا يستلزم إتقان الدراية .
وأجمع العلماء على أن " أول الشعراء المحدثين بشار بن برد .. ونقل ثعلب عن الأصمعي قال : ختم الشعر بإبراهيم بن هرمة ، وهو آخر الحجج"(33 ) .
ويتبين لنا من ذلك ، أنهم لم يقسموا الشعر على أساس القبائل ، بل ارتضوا كل ما نظم من شعر ، في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية .
ولكنهم حين تعرضوا للنثر ، رأيناهم يسلكون مسلكا مخالفا لذلك ، فهم يختلفون في الفصيح منه ، وغير الفصيح ،ويضعون قوائم بأسماء القبائل، التي يصح أخذ النثر عنها ؛ ففي القرن الرابع الهجري ، نجد أبا نصر الفارابي( المتوفى سنة 350هـ) يضع قائمة بأسماء قبائل معينة .وقد جاء بعده من حذا حذوه ، أو نقل عنه ، حتى جاء ابن خلدون ، الذي سار على هديه في ذلك .
يقول " الفارابي " ، في أول كتابه ، المسمى : الألفاظ والحروف ( 34) : "كانت قريش أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ ، وأسهلها على اللسان عند النطق ، وأحسنها مسموعا وإبانة عما في النفس . والذين عنهم نقلت اللغة العربية ، وبهم اقتدي ، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم : قيس ، وتميم ، وأسد ؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب ، وفي الإعراب والتصريف . ثم هذيل ، وبعض كنانة ، وبعض الطائيين . ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم .
" وبالجملة ، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط ، ولا عن سكان البراري، ممن يسكن أطراف بلادهم ، التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم ؛ فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام ؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط ، ولا من قضاعة ، ولا من غسان ، ولا من إياد ؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام ، وأكثرهم نصارى يقرأون في صلاتهم بغير العربية ، ولا من تغلب ولا النمر ؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية ، ولا من بكر ؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس ، ولا من عبد القيس ؛ لأنهم كانوا سكان البحرين ، مخالطين للهند والفرس ، ولا من أزد عمان ؛ لمخالطتهم للهند والفرس ، ولا من أهل اليمن أصلا ؛ لمخالطتهم للهند والحبشة ، ولولادة الحبشة فيهم ، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ، ولا من ثقيف وسكان الطائف ؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم ، ولا من حاضرة الحجاز ؛ لأن الذين نقلوا اللغة ، صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب ، قد خالطوا غيرهم من الأمم ، وفسدت ألسنتهم . والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء ، وأثبتها في كتاب ، وصيرها علما وصناعة ، هم أهل الكوفة والبصرة فقط ، من بين أمصار العرب " .
كما يقول " ابن خلدون " في مقدمة كتابه : " العبر وديوان المبتدأ والخبر" ، تحت فصل عنوانه : ( فصل في أن اللغة ملكة صناعية ) : " ولهذا كانت لغة قريش، أفصح اللغات وأصرحها ؛ لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ، ثم من اكتنفهم من ثقيف ، وهذيل ، وخزاعة ، وبني كنانة ، وغطفان ، وبني أسد ، وبني تميم . وأما من بعد عنهم ، من ربيعة ، ولخم ، وجذام ، وغسان ، وإياد ، وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة ، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم ، وعلى نسبة بعدهم من قريش ، كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد ، عند أهل الصناعة العربية " (35 ) .
وإننا حين نستعرض كل ذلك ، نستطيع أن نرى فيه أساسين ، أو عاملين ، كانا في ذهن أصحاب هذه الروايات :
الأول - كلما قربت القبيلة من بيئة قريش ، كانت أقرب إلى الفصاحة ، وإلى الأخذ بكلامها .
الثاني - على قدر توغل القبيلة في البداوة ، تكون فصاحتها .
وعلى هذا الأساس ، نجد ابن جني ( المتوفى سنة 392هـ ) يضع فصلا في كتابه : " الخصائص " بعنوان : " باب في ترك الأخذ عن أهل المدر ، كما أخذ عن أهل الوبر " ( 36) . والمدر والوبر ، تقابلان : الحضر والبدو ؛ لأن المدر جمع مدرة ، وهي : القرية . وهذا يعني أن العلماء أخذوا يقسمون اللغة ، إلى لغة حضرية ، وأخرى بدوية ، ويعتنون بالثانية ، ويحتكمون إلى أهلها .
ومما يصدق هذا ، ما رواه السيرافي من قوله : " حدثنا أبو بكر بن دريد ، قال : رأيت رجلا في الوراقين بالبصرة ، يفضل كتاب (المنطق ) ليعقوب بن السكيت ، ويقدم الكوفيين ؛ فقيل للرياشي ، وكان قاعداً في الوراقين ، ما قال ؛ فقال: إنما أخذنا اللغة عن حرشة الضباب ، وأكلة اليرابيع ، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد ، أصحاب الكواميخ ، وأكلة الشواريز ، أو كلام يشبه هذا " ( 37) " .
ويروي السيوطي عن الأندلسي في شرح المفصل ، أن " الكوفيين لو سمعوا بيتاً واحداً ، فيه جواز شيء مخالف للأصول ، جعلوه أصلا وبوبوا عليه ، بخلاف البصريين " . كما يروي عنه كذلك أنه قال : " ومما افتخر به البصريون على الكوفيين ، أن قالوا : نحن نأخذ اللغة ، عن حرشة الضباب ، وأكلة اليرابيع ، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز ، وباعة الكوامخ " ( 38) .
ومن العجيب أن هؤلاء البدو ، لم يكونوا في ثقافة هؤلاء العلماء ، الذين يأخذون اللغة عنهم ، ولكن هؤلاء كانوا يعتقدون أن اللغة تجري في دمائهم ، ويجهلون أن اللغة أمر مكتسب ، يمكن أن يتقنها غير أهلها ، إذا مارسوها طويلا منذ المولد .
يقول نولدكه : " ويصلح كل بدو الجزيرة العربية ، باستثناء الأماكن المتطرفة منها ، لأن يعدوا أصحاب هذه اللغة العربية الصافية ، حتى بعد محمد عليه الصلاة والسلام ، بمائتي عام . وإن أعلم علماء النحو ، ليجعل من أول شخص قادم من البادية بإبله ، ذلك البدوي الذي لم يتعلم ، والذي لا يحفظ عشرين آية كاملة من القرآن الكريم ، ولا يعرف شيئاً عن مفاهيم النحو النظرية - ذلك البـدوي ، يجعـل منـه النحـاة حكمــاً فاصـلا ، فــي هـل يجـوز أن يقـال كذا وكذا في العربية" (39) .
وأعجب من هذا ، أن هؤلاء اللغويين ، خلطوا في جمعهم للنثر ، بين اللغة العربية الفصحى واللهجات ، خلطا عجيبا . ويقول " أبو حاتم السجستاني" عن " الكسائي " رأس مدرسة الكوفة في النحو واللغة : " وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل ، إلا حكايات عن الأعراب مطروحة ؛ لأنه كان يلقنهم ما يريد " ( 40) . كما يقول أبو زيد الأنصاري : " قدم علينا الكسائي البصرة ، فلقي عيسى والخليل وغيرهما ، وأخذ منهم نحواً كثيراً ، ثم صار إلى بغداد ، فلقى أعراب الحطمة ، فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن ، فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله " (41 ) . وقال ابن درستويه : " كان الكسائي يسمع الشاذ ، الذي لا يجوز إلا في الضرورة ، فيجعله أصلا ، فيقيس عليه ، واختلط بأعراب الأبلة ، فأفسد بذلك النحو " (42 ) .
ومعلوم أن هذه الآراء كلها ، هي آراء البصريين ، الذين يختلفون عن الكوفيين في منهج البحث ، والمقياس الذي يوضع أساسا للأخذ عن العرب ؛ فقد اختار البصريون قبائل معينة ، للأخذ عنها ، وتركوا ما عداها ، محتجين بفساد لغتها ، وكانوا يسمون لغات هذه القبائل ، باللغات الشاذة التي لا يعمل بها . أما الكوفيون ، فإنهم كانوا يوثقون كل العرب على السواء ، ويعدون كل ما جاء عنهم حجة ، فيعتدون بأقوالهم ، ويؤسسون عليها نحوهم وقواعدهم .
والواقع أن كلا الفريقين مخطئ في نظرته هذه ، إذ كان الهدف هو وضع قواعد للغة الفصحى ، أو بعبارة أخرى : للغة الأدبية المشتركة بين العرب جميعا ؛ فلم يكن الفرق بين اللغة المشتركة واللهجات ، واضحا في أذهان اللغويين ، في هذه الحقبة من التاريخ ، وضوحاً تاماً ؛ ولذلك سعى البصريون للأخذ عن قبائل معينة ، وهدفهم هو الوصول إلى تقعيد اللغة الأدبية المشتركة ، غير أنهم لم يفرقوا فيما أخذوه عن هذه القبائل ، بين تلك اللغة المشتركة ، ولهجات الخطاب . ومن هنا جاء الخلط والاضطراب ، ورأيناهم يؤولون كل مثال شذ عن قواعدهم . ولم يكن الكوفيون أقل منهم حظا في الاضطراب والخلط ؛ لأنهم أخذوا اللغة عن كل العرب، ولم يفرقوا كذلك بين اللغة المشتركة ،ولهجات الخطاب .

----------------------
* هذا النص مقتطف من : أ. د. رمضان عبد التواب : فصول في فقه اللعربية ، الناشر / مكتبة الخانجي بالقاهرة ، دار الرفاعي بالرياض ، ط2 / 1983م ، ص 95-107.
( 1) مستقبل اللغة العربية 13-14 ويقول فندريس ( اللغة 298 ) : " فالزنجي أو الياباني الذي يربى في فرنسا ، في ظروف واحدة مع الأطفال الفرنسيين ، يتكلم الفرنسية كأحد أبنائها. وهذه الحقيقة تكفي لجعل كل محاولة تعمل للتوحيد بين اللغة والجنس ، عبثا لا طائل وراءه " .
( 2) مقدمة ابن خلدون : 648.
(3 ) انظر : المزهر للسيوطي 1/140.
(4 ) المحتسب ، لابن جني 2 /32 .
(5 ) خزانة الأدب 1/4 وانظر الاقتراح ، للسيوطي 15 .
( 6) معاني القرآن ، للفراء 1/14.
( 7) انظر : فهرس شواهد سيبويه ، للنفاخ 57-58 وفهارس كتاب سيبويه ، لعبد السلام هارون 5/32 وللشيخ عضيمة 762.
( 8) انظر : أبو زكريا الفراء 242 .
(9 ) انظر : أبو علي الفارسي 204 .
(10 ) ذكر ذلك ابن الضائع في شرح الجمل ؛ فقال : " وابن خروف يستشهد بالحديث كثيراً". انظر: خزانة الأدب 1/5 وعلى ذلك ، ليس ابن خروف أول من استشهد بالحديث ، كما ذكر يوهان فك (العربية 235) ، بل كان أول من أكثر من الاستشهاد به .
(11 ) انظر : خزانة الأدب ، للبغدادي 1/9 والاقتراح ، للسيوطي 17-18.
( 12) كتاب سيبويه 1 : 5/13 ؛ 1 : 6/6 .
(13 ) كتاب سيبويه 1 : 237/6.
( 14) كتاب سيبويه 1 : 236/11.
( 15) انظر : نصوص من اللغات السامية 7 ؛ 79 ؛ 121 .
( 16) سورة الأنبياء 21/3.
( 17) سورة المائدة 5/71.
( 18) شرح شواهد المغني 113 .
( 19) شرح شواهد المغني 265.
( 20) ديوان مجنون ليلى ق 58/4 ص 74 .
(21 ) ديوان ابن قيس الرقيات ق 35/2 ص 196 وشرح شواهد المغني 266.
( 22) انظر : درة الغواص في أوهام الخواص 65.
(23 ) انظر : شرح درة الغواص ، للشهاب الخفاجي 152 .
(24 ) انظر : خزانة الأدب 1/6.
( 25) انظر : خزانة الأدب 1/6.
( 26) خزانية الأدب 1/6.
(27) انظر : العمدة لابن رشيق 1/56.
( 28) الشعر والشعراء 1/63.
(29 ) فعلت وأفعلت ، لأبي حاتم 157 ؛ 172 وفحولة الشعراء 39-40.
( 30) فحولة الشعراء 32 .
( 31) الكشاف 1/220 في تفسير قوله تعالى : " وإذا أظلم عليهم قاموا " . وانظر الاقتراح 26-27.
(32 ) حاشية الشريف الجرجاني على الكشاف 1/221.
(33 ) الاقتراح 27 وانظر شرح شواهد الشافية 4/25 .
(34 ) عن الاقتراح 19 والمزهر 1/211 والنص مختصر جدا ، في كتاب " الحروف " لأبي نصر الفارابي ، الذي نشره : محسن مهدي ، في بيروت 1969. يقول الفارابي ، وهو يتحدث عن اللغويين العرب ( ص 147 ) : " وكان الذي تولى ذلك من بين أمصارهم ، أهل الكوفة والبصرة ، من أرض العراق ، فتعلموا لغتهم والفصيح منها ، من سكان البراري منهم ، دون أهل الحضر ، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم ، ومن أشدهم توحشا وجفاء ، وأبعدهم إذعانا وانقيادا ، وهم : قيس ، وتميم ، وأسد ، وطيئ، ثم هذيل ؛ فإن هؤلاء هم معظم من نقل عنه لسان العرب ، والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء ؛ لأنهم كانوا في أطراف بلادهم ، مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم ، لألفاظ سائر الأمم المطيفة بهم ، من الحبشة والهند والفرس والسريانيين ، وأهل الشام ، وأهل مصر " .
(35 ) مقدمة ابن خلدون 649.
( 36) انظر: الخصائص 2/5.
(37 ) أخبار النحويين 68 ونقله عنه ابن النديم في الفهرست 92 وانظر : الاقتراح 84 .
( 38) الاقتراح 84 .
(39 ) اللغات السامية 76.
( 40) مراتب النحويين 74 ومعجم الأدباء 13/190.
( 41) معجم الأدباء 13/182 وإنباه الرواة 2/274.
(42 ) بغية الوعاة 2/164.


الساعة الآن 07:07 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by