mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د. محمد جمال صقر
عضو المجمع

أ.د. محمد جمال صقر غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 282
تاريخ التسجيل : Oct 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,371
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي بين الرافعي وشاكر= 8

كُتب : [ 10-31-2012 - 08:19 PM ]


الْإِجْمالُ ثُمَّ التَّفْصيلُ
[16] إذا تتبعنا عند الرافعي ، أطراف الجمل المتوالية ، وجدنا هذه العبارات :
1 " كانَ يَوْمُه كَالْبُرْهانِ (...) : ما بَقِيَ أَحَدٌ إِلّا (...) " .
2 " جَعَلْتُ أُفَكِّرُ في طَعْمِ النَّفْسِ : ما هُوَ " .
3 " لَه مَعْنى أُبوَّةِ الْأَبِ في أَبْنائِه : لا يَراهُ مَنْ يَراهُ مِنْهُمْ (...) " .
4 " تَعالَ أُحَدِّثْكَ الْحَديثَ : كانَ أَحْمَدُ (...) " .
5 " كُنْتُ أُفَكِّرُ في لُعابِ الْأَسَدِ : أَهُوَ طاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ " .
التي قدم فيها جُمَلًا إِجْماليَّةً ، ثم أَبْدَلَ منها جُمَلًا تَفْصيليَّةً .
6 " كانَ عَقْلُه مِنْ أَثَرِ طَبيعَتَيْهِ (...) : فَلَه يَدٌ مَعَ الْمَلائِكَةِ (...) " .
7 " لَمْ يَرُعْنا إِلّا ذُهولُ الْأَسَدِ عَنْ وَحْشيَّتِه : فَأَقْعى عَلى ذَنَبِه (...) " .
8 " يَكْشِفُ لَه عَنْ قُرْبِ الْحَقِّ (...) : فَهُوَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيِ الْأَسَدَ (...) " .
9 " كَما خَرَجَ الشَّيْخُ (...) خَرَجَ الْوَحْشُ (...) : فَلَيْسَ في الرَّجُلِ (...) " .
10 " جَعَلَ كُلُّ مِنّا يَظُنُّ (...) : فَمِنْ قائِلٍ (...) " .
التي قدم فيها جملا إجمالية ، ثم عَطَفَ عليها جملا تفصيلية .
• وإذا تَتَبَّعْناها كذلك عند شاكر ، وجدنا هذه العبارات :
1 " ما نَرى - وَاللّهِ - مُحَمَّدًا : قَدِ اخْتَطَفَه أَجَلُه (...) " .
التي قدم فيها جُمْلَةً إِجْماليَّةً ، ثم أَبْدَلَ منها جُمْلَةً تَفْصيليَّةً .
2 " إِنّي - وَاللّهِ - مُحَدِّثُكَ عَنّي بِخَبَري (..) : فَقَدْ بِتُّ (...) " .
التي قدم فيها جُمْلَةً إِجْماليَّةً ، ثم عَطَفَ عليها جُمْلَةً تَفْصيليَّةً .
في الإجمال إغماض ، ثم في التفصيل إيضاح ، ولكن لا سبيل إلى اكتشاف الإجمال وإغماضه إلا بعد الفراغ من التفصيل وإيضاحه ؛ فإن المتلقي لا يستطيع أن يميز ذلك حتى يأتيه هذا ، وعندئذ يحتاج إلى أن يعود مرة أخرى إلى الإجمال الذي لم ينتبه إلى أنه إجمال ، ليحسن فهمه وربطه بتفصيله بعد أن انتبه إلى أنه تفصيل 52 !
وإن عطف التفصيل بالفاء على الإجمال 53 ، لأشد ثقلا على المتلقي من إبداله منه ؛ فإنه يَظُنُّ في الجملة المقترنة بالفاء كُلَّ ظَنٍّ ، حتى يَتَبَيَّنَ أنها تفصيلُ ذلك الإجمال ، فأما الإبدال فأقرب وجوه التفصيل ؛ فمن ثم يظهر وجه ميل الرافعي إلى الإجمال والتفصيل المناسبين لمنهجه أكثر من شاكر ، وإن انقسمت العبارتان الواقعتان لشاكر منه ، على وجهي الإبدال والعطف ، كما انقسمت عبارات أستاذه .
فَصْلُ الْحَدَثانِ
جَوامِعُ الذِّرْوَتَيْنِ
[17] هذا فصل الحدث الذي تتأزم به سائر الأحداث ، بل الذي من أجله كان كثير منها ؛ فهو الحدث الأكبر الحق ( الحَدَثان ) ، الذي لم يستعظم معه أي من الكاتبين المحقِّقَيْن ، أن يَخْتَرعا فَيَزيدا ما يُمَهِّدُ له ، ويُجَلّيه . مثل ذلك مثل فصل المُداواة بالكَيِّ إِذا تَخَيَّلْنا لَها فَصْلًا مَعيشيًّا ، تكون فيه أحداث من التَّمْهيد والتَّجْلية ، كاستفحال المرض ، وظهور ضرورة الكي ، والسفر إلى الطبيب ، ومثول المريض أمامه ، وتجهيز المياسم ، وإحمائها ، وحضور المساعدين ، واضطراب الأصحاب في أثناء الكي ، ودهان الموضع بعقب الكي ، وصعوبة حركة المريض بعقبه - ولكن أهم ما فيه من أحداث هو الكي نفسه ، الذي يجتمع فيه على المريض ، المَرَضُ والطَّبيبُ والمَياسِمُ والمُساعِدونَ !
في هذا الفصل يُعَرِّضُ الرافعيُّ البَطَلَ للافتراس فلا يُفْتَرَسُ ، ويُعَرِّضُه شاكرٌ لقطع رجله فتُقْطَعُ ؛ فلم يكن تعريض البطل لقطع رجله من دون أن تقطع ، بكفء لتعريضه للافتراس وإن لم يفترس ؛ فقد تَمَثَّلَ بالأسد المفترِس مِثالُ الموت ، وَشَتّانَ التَّعَرُّضُ لِفَقْدِ النَّفْسِ وَالتَّعَرُّضُ لِفَقْدِ رِجْلٍ ! ثم إن مكانة البطل التاريخية التي حملت كلا الكاتبين على الكتابة عنه والتَّوَسُّلِ به إلى تَثْقيفِ المُتَلَقّين ، موكولة في كثير من شأنها ، إلى بقائه على رغم الحَدَثان مِثالًا حَيًّا يُكْبِرُه الناس ويؤوبون إلى أقواله وأفعاله وأحواله .
تَفْقيرُ الْفِقَرِ
[18] كما أفرد الكاتبان عدد فصول النصين ( سبعة فصول ) ، واجتمعا عليه ، أفردا عدد فقر فصلي الحدثان ( خمس فقر ) ، واجتمعا عليه ، حِرْصًا على منهج التَّدْوير نفسه ، الجدير بشدة التأثير ؛ فمهما تَشَعَّبت معاني فِكْرَةِ الفَصْل ، وتَفَقَّرَتْ بها الفقر ، تَلاقَتْ في فقرة تغلق دائرتها وتحكم رسالتها .
ولقد كانت فقرة " يقين البطل " ، أطول فقر فصل الحدثان عند الكاتبين جميعا ، هي الفقرةَ التي أغلقا بها للمتلقي دائرة الخصوصية التي تتيسر للمتثقف المتحقق بهذه الثقافة العربية الإسلامية ؛ فبمعرفة حدود الوجود وغايته وقدرة الموجد ومراده ، يتكون مثل هذا اليقين الذي يكمل للمتلقي مواقف أمثال هؤلاء الأبطال وإن لم تبلغه كُمالاتها .
صِفَةُ الطَّبيبِ كَصِفَةِ الْأَسَدِ
[19] أخرج شاكر فقرته الأولى ( صفة الطبيب ) ، مخرج فقرة الرافعي الأولى ( صفة الأسد ) ؛ فكان الطبيب لديه بمنزلة الأسد لدى الرافعي . إن مقتضى الحال إذا لزم التشبيه ، أن تكون " الأُكْلَةَ " هي التي تُشَبَّهُ بالأسد ، لا الطبيب ! ولكن لما كان الطبيب هو الذي عرفها وذكرها وعالجها بما يشبه الافتراس ، نَزَّله شاكر منزلة الأسد . ثم هنا لطيفة فنية ؛ فلقد حرك الرافعي الأسد إلى أعمال ومشاعر لم يستطع شاكر أن يحرك إلى مثلها " الأكلة " ، وكان على أَثَرِ أستاذه عَفْوًا أو قَصْدًا ؛ فاستفاد من وجود الطبيب !
ولقد تأنق كل منهما في وصف موصوفه ؛ فأكثر من صفاته ، وألبس بعضها ببعض على طريقة " عطف المتشابهات " السابقة نفسها - وكلا النعوت والمعطوفات توابع - ثم جعلها في عقب خبرِ جملةٍ اسميةٍ : أما الرافعي فَنَسَخَها بـ" كان " ، ثم أورد الأوصاف أخبارًا أخرى ، مُعَدَّدَةً مُفَرَّقَةً . وأما شاكر فَجَرَّدَها من النواسخ ، ثم أورد الأوصاف نعوتًا للخبر ، مُعَدَّدة مُفَرَّقة :
الرافعي شاكر
" كانَ الْأَسَدُ الَّذي اخْتاروهُ لِلشَّيْخِ أَغْلَظَ ما عِنْدَهُمْ " هُوَ شَيْخٌ
1 جَسيمًا نَصْرانيٌّ
2 ضارِيًا طَويلٌ
3 عارِمَ الْوَحْشيَّةِ فارِعٌ
4 مُتَزَيِّلَ الْعَضَلِ مَشْبوحُ الْعِظامِ
5 شَديدَ عَصَبِ الْخَلْقِ قَدْ تَخَدَّدَ لَحْمُه
6 هَرّاسًا أَحْمَرُ
7 فَرّاسًا أَزْهَرُ
8 أَهْرَتَ الشِّدْقِ أَصْلَعُ الرَّأْسِ إِلّا شَعَراتٍ بيضًا قَدْ بَقِيَتْ لَه
9 يَلوحُ شِدْقُه مِنْ سَعَتِه وَرَوْعَتِه كَفَتْحَةِ الْقَبْرِ يُنْبِئُ أَنَّ جَوْفَه مَقْبَرَةٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ
10 وَيَظْهَرُ وَجْهُه خارِجًا مِنْ لِبْدَتِه يَهُمُّ أَنْ يَنْقَذِفَ عَلى مَنْ يَراهُ فَيَأْكُلَه " . طَويلُها
11 × لَوْ ضَرَبَتْها الرّيحُ لَطارَتْ بِه " .
وعلى رغم مُضيِّ أحداث القصتين كلتيهما ، وكون قصة شاكر المُتَوَفّى رجالُها في أواخر القرن الهجري الأول ، أَوْغَلَ في القدم من قصة الرافعي المُتَوَفّى رجالُها في أواخر القرن الهجري الثالث - أَخْرَجَنا الرافعيُّ من إطار نصه منذ دخل إليه ، على منهجه في المثالية ، وكأنما خشي أن نُدَنِّسَه ، وأَحاطَنا شاكرٌ بإطار نصه منذ دخل إليه ، على منهجه في الواقعية ، وكأنما خشي ألا نَتَأَثَّره ؛ فلم يكن غريبا ألا ينسخ شاكر جملته بـ" كان " ، مثلما نسخها الرافعي .
ثم على حين جعل الرافعي أوصاف الأسد أخبارا طبيعتها النحوية التجاور لا التداخل ، بيانا لوجه من قسوة مختاريه ؛ إذ مَيَّزوا الأسود بعضها من بعض قليلا قليلا دون عجلة ، بالصفة من صفاتها بعد الصفة ، حتى اختاروه بحيث تتجمع فيه الصفات كلها ؛ فإذا ما هاجم البطلَ ، كان مِنْ صِفاتِه في قَطيعِ أُسودٍ تُهاجِمه - جعل شاكر أوصاف الطبيب نعوتا طبيعتها النحوية التداخل لا التجاور ، بيانا لغرابة شأن هذا الطبيب الذي قَرَّبَه أمراء المسلمين في ذلك الزمان العزيز ، ومكنوه على رغم نصرانيته ، كيف كان أزهر ( نَيِّرًا ) على رغم شيخوخته ، و أصلع على رغم كثاثة لحيته ، حتى إذا ما أَقْبَلَ ، أَقْبَلَ مِزاجٌ غَريبٌ ؛ فكأنه عَيْنٌ مُريبَةٌ .
الْيَقينُ الْيَقينُ
[20] ولقد جرى شاكر في فقرته الثانية ( يقين البطل ) ، مجرى الرافعي في سَميَّتِها الرابعة ( يقين البطل ) ، فأنبت في بطله اليقين بكلام الحق - سبحانه ، وتعالى ! - كما أنبته الرافعي :
فأما الرافعي فقد أنطق الراوي بقوله في البطل : " كانَ مُنْدَمِجًا في يَقينِ هذِه الْآيَةِ : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا } " ، الذي يعبر عن فهم الراوي لحال البطل من اليقين ، فهو يتكلم عنه ، ولم يستطع أن يُنْطِقَ البَطَلَ نَفْسَه .
وأما شاكر فقد كان في مقام يتيح له أن يُنْطِقَ البَطَلَ بما يريد من أفكار التَّثْقيفِ الْعَرَبيِّ الْإِسْلاميِّ ؛ فجعله يقول : { رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادي لِلْإيمانِ أَنْ آمِنوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْميعادَ } .
كلتا العبارتين من كلام الحق - سبحانه ، وتعالى ! - ولكن ثم فرقًا بين البطل الشاكري المجتمع الناس حوله وفيهم الطبيب النصراني المعلقة به آمال الحاضرين على رغم قسوة عمله ، والبطل الرافعي المفرد الصامت ، الذي ذهب الناس في تخيل سره المذاهب .
إن العبارة القرآنية عند شاكر شعار إسلامي ، يُثَبِّتُ به البطل نفسَه والمسلمين ، ويدعو غيره من غير المسلمين إلى الإسلام الذي بنى في البطل مثل هذا اليقين ، وليس أدل من قول شاكر بعدئذ على لسان عمر بن أبي ربيعة :
" رَأَيْتُ أَبا الْحَكَمِ وَقَدْ بَرَقَ وَجْهُه وَتَوَقَّدَ كَأَنَّما أَسْلَمَ بَعْدَ كُفْرٍ " !

مَجْلِسُ الْقَطْعِ كَهَجْمَةِ الْأَسَدِ
[21] ثم أخرج شاكر فقرته الثالثة ( مجلس القطع ) ، مخرج فقرة الرافعي الثانية ( هجمة الأسد ) ، في وَشْك معمعة الحدثان ، وتأنق في وصفها بقوله في الطبيب :
" نَشَرَ دُرْجًا كانَ في يَدِه ، وَأَخْرَجَ مِنْشارًا دَقيقًا طَويلًا صَقيلًا يَضْحَكُ فيهِ الشُّعاعُ ، وَوَضَعَ الطَّسْتَ " .
كما تأنق الرافعي في وصفها بقوله في الأسد :
" انْطَلَقَ يُزَمْجِرُ وَيَزْأَرُ زَئيرًا تَنْشَقُّ لَه الْمَرائِرُ ، وَيَتَوَهَّمُ مَنْ يَسْمَعُه أَنَّه الرَّعْدُ وَراءَه الصّاعِقَةُ ! ثُمَّ اجْتَمَعَ الْوَحْشُ في نَفْسِه ، وَاقْشَعَرَّ ، ثُمَّ تَمَطّى كَالْمَنْجَنيقِ يَقْذِفُ الصَّخْرَةَ " .
وكما كادت صفات الأسد والطبيب تتطابق في الفقرتين الأوليين ، كادت حركات هجمتيهما تتطابق هنا ؛ فقد جعلها شاكر ثلاث حركات :
1 " نَشَرَ ... " .
2 " وَأَخْرَجَ ... " .
3 " وَوَضَعَ ... " .
وجعلها الرافعي أربعا بمنزلة ثلاث :
1 " انْطَلَقَ ... " .
2 " ثُمَّ اجْتَمَعَ ... " .
3 " وَاقْشَعَرَّ ... " .
4 " ثُمَّ تَمَطّى ... " .
ولكن إذا أضفنا الاقشعرار إلى الاجتماع لأنه من لوازمه - وإلا لم يكن الاجتماع من باب الهجوم - كانت حركتا الأسد الثانية والثالثة حركة واحدة ، وكانت الحركات كلها عند الرافعي ثلاثا مثلما هي عند شاكر ، ولا سيما أن الجمل الرافعية كلها ، متعاطفة بـ" ثم " ، إلا الثالثة والثانية المتعاطفتين بالواو لتكونا بتلك المنزلة الواحدة السابق ذكرها .
جمل الكاتبين فعلية ماضوية ، وعلى حين تعاطفت بـ" ثم " عند الرافعي ، تعاطفت بالواو عند شاكر ؛ إذ لا ترتيب في الشاكرية مثل الذي في الرافعية ؛ فربما عمل الطبيب بعضها مع بعض أو قبل بعض ، فأما الأسد فيجري على ترتيب حركاته فطرة الله التي فطره عليها ، من دون أن يخرم منها حرفا ، أو تكون له فيها يد !
وقد مكنت الرافعي فطرة الأسود الثابتة على حركات واحدة وترتيب واحد مهما كانت الأسود ومهما كان التكرار ، من أن يستوعبهما ويتأنق في وصفهما ، إلى ذلك الحد الذي لم يتيسر لشاكر !
عَمَلُ الْقَطْعِ كَذُهولِ الْأَسَدِ
[22] ثم أخرج شاكر فقرته الرابعة ( عمل القطع ) ، مخرج فقرة الرافعي الثالثة ( ذهول الأسد ) ، في ذروة معمعة الحدثان ، حيث يتصاول كِفاحًا الخصيمُ الباطش والبطلُ المبطوش به . ولكن على حين قدم الرافعي الجملة الأولى في البطل :
" وَرَأَيْناهُ عَلى ذلِكَ (...) الرَّجُلِ " .
ثم أخر الجملة الثانية في الخصيم :
" وَلَمْ يَرُعْنا إِلّا ذُهولُ الْأَسَدِ عَنْ وَحْشيَّتِه " .
جاعلا الست الباقيات ( 3-8 ) تفصيلا لإجمال تلك الجملة الثانية :
" أَقْعى (...) وَإِرادَةِ اللّهِ " !
قدم شاكر الجملة الأولى في الخصيم :
" وَضَعَ أَبو الْحَكَمِ (...) يَوْمَه ذاكَ " .
ثم الجمل الأربع التاليات ( 2-5 ) في البطل :
" ما تَضَوَّرَ وَجْهُه (...) مِنْ تَهْليلِه وَتَكْبيرِه " .
ثم الجمل الثلاث التاليات ( 6-8 ) في الخصيم :
" دَخَلَ رِجالٌ (...) حَتّى حَسَمَ الدَّمَ " .
ثم أخر الجملتين الباقيتين ( 9-10 ) ، في البطل :
" إِذا عُرْوَةُ (...) تَحْتَ النَّدى " .
إنه لما أخر الرافعي فقرة ( يقين البطل ) عن فقرة ( ذهول الأسد ) ، اضطر إلى تقديم جملة أولى من جمل ( ذهول الأسد ) في بطله ، ولولا هذا ما ذكر بطله ؛ فقد ألغى المصاولة المنتظرة بين الأسد وبينه ، وجعلها بين إرادة ابن طولون وإرادة الحق - سبحانه ، وتعالى ! - على رغم امتناع الكفاءة ، دلالة على جهل ابن طولون ؛ فمن ثم لم نجد في فقرته ما وجدناه في فقرة شاكر بين جمل الخصيم الباطش ( أبي الحكم ومنشاره ورجاله ) وجمل البطل ( عروة ) ، من تداخل .
لقد كانت ذروة المعمعة عند الرافعي ، من عمل الأسد وحده ، دلالة على انقطاع ما بينه وبين البطل ، فأما عند شاكر فلقد كانت ذروة المعمعة في توالي أعمال القطع من الطبيب ومساعديه ، وتوالي أعمال الصبر من عروة .
دَهْشَةُ الطَّبيبِ كَدَهْشَةِ الشُّهودِ
[23] ثم أخرج شاكر فقرته الخامسة ( دهشة الطبيب ) ، مخرج فقرة الرافعي الخامسة ( دهشة الشهود ) ، بحيث تكون بمنزلة الهالة تحيط بالبطل من كل جهة ، وتبهر من حوله ، وتزيد من الأثر الذي يريده .
ولكن أطرف ما اختلف فيه الكاتبان ، أن يخرج الرافعي الدهشة من الشهود ، ولا يتجاوزهم إلى الخصيم الذي صار الآن ابن طولون نفسه ، إلا بعد ما يدل على أنهم أكثروا من دهشتهم حتى اضطر الخصيم إلى إظهار اندهاشه - على حين يخرج شاكر الدهشة من الخصيم صريحة واضحة :
" ما رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ ! إِنَّه رَجُلٌ ، وَإِنَّها الْحَقيقَةُ الْمُؤْمِنَةُ ، وَإِنَّ إيمانَه لَيَحوطُه ، وَيُثَبِّتُه ، وَيُسَكِّنُه ، وَيَنْفُضُ عَنْهُ الْجَزَعَ " .
ينبغي ألا نغفل عن أن شاكرا نثر ابتلاءات بطله على أرجاء القصة ، فصحبتها دهشات متعددة مختلفة لم يحتج إلى الزيادة عليها ، ولكنه لما وصل إلى آخر فقر فصل الحدثان ، تحرى أن يجعل فضل البطل من شهادة خصيمه الذي لا يدين بدينه . ثم إن لكون فصل الحدثان آخر فصول قصة الرافعي ، أثرا في تكثيفه دهشة الشهود ، بعبارة من كلام البطل :
" لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ بَأْسٌ ، وَإِنَّما كُنْتُ أُفَكِّرُ في لُعابِ الْأَسَدِ : أَهُوَ طاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ " .
إنها عبارة شديدة السخرية من الخصيم ، تظل عالقة بأسماع المتلقين ، لتملأ الدنيا فيما بعد .
عبارة الرافعي جملتان اسميتان منسوختان بأداتين فعليتين ( مضارعية محولة إلى الماضوية وماضوية صريحة ) ، ثانية الجملتين الاسميتين فيها أسلوب الإجمال والتفصيل الواضح عند الرافعي كما سبق - وعبارة شاكر خمس جمل : فعلية ماضوية ، وفعلية مضارعية موجزة ، وثلاث اسميات ، خبر ثالثتها جملة فعلية مضارعية ، معطوف عليها ثلاث مثلها ، لا يخفى ما بين الأربع كلها من تفصيل وترتيب وتأنق .
لقد تحرى الرافعي في عبارة بطله التي كَثَّفَ فيها فكرة الفقرة ، أن تدل بقصرها على سخرية البطل الشديدة من خصيمه ، التي لا تخلو من كمد عليه ، فأما شاكر فقد كان في بحبوحة من المشاعر التي يريد أن ينقلها للمتلقي ولا سيما غير المسلم ؛ فهو يزيد ويرتب ويتأنق !
تَرتيبُ الْفِقَرِ
[24] كما اتفقت بين الكاتبين فقر هذا الفصل ، اتفقت مواضعها ، حتى لَنَسْتَطيعُ أن نميز منها قسمين واضحين :
1 فقر التمهيد لمعمعة الحدثان : كانت عند الرافعي اثنتين ( صفة الأسد ، وهجمة الأسد ) ، وكانت عند شاكر ثلاثًا ( صفة الطبيب ، ويقين البطل ، ومجلس القطع ) .
2 فقر معمعة الحدثان : كانت عند الرافعي ثلاثًا ( ذهول الأسد ، ويقين البطل ، ودهشة الشهود ) ، وكانت عند شاكر اثنتين ( عمل القطع ، ودهشة الشهود ) .
لا يخفى أَنه لولا موضع فقرة ( يقين البطل ) ، لتطابقت الفقر في مواضعها كما تطابقت في أنفسها .
ولا ريب في أن شرح ذلك اليقين بعد سطوع أثره على ما فعل الرافعي ، أقوى وضوحا وأنجع أثرا ، مثلما يعمل الرجل العمل الصالح ، ثم يدل الناس فيما بعد على إيمانه الذي حفزه إليه ؛ عسى أن يأتسوا به ، على مثل ما قص الحق - سبحانه ، وتعالى ! - من خبر سيدنا يوسف - عليه السلام ! - وصاحبي السجن ؛ إذ لم يدعهما إلى دينه إلا بعدما وُفِّقَ إلى تأويل رُؤْيَيَيْهما .
ولكن أين خصيم البطل عند شاكر ( الطبيب النصراني ) ، من خصيمه عند الرافعي ( الحيوان الأعجم ) !
لقد هجم الحيوان الأعجم على البطل لا يلوي على شيء ، ولا يماري ولا يباري ، فأما الطبيب النصراني فدعا البطل إلى الخَمْر مرة وإلى المُرْقِد ثانية وإلى المُمْسِكين ثالثة ؛ فاحتاج الكاتب إلى أن يبادر إلى تبيان يقين البطل ؛ ففي أعمال اليقين المتوالية ، علاج أعمال الخصومة متوالية .


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
بين الرافعي وشاكر= 9 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 10-31-2012 08:20 PM
بين الرافعي وشاكر= 7 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 10-31-2012 08:18 PM
بين الرافعي وشاكر= 6 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 10-31-2012 08:16 PM
بين الرافعي وشاكر= 5 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 10-31-2012 08:15 PM
بين الرافعي وشاكر= 2 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 10-31-2012 08:08 PM


الساعة الآن 06:58 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by