" الْأَسَدُ " ، لِلرّافِعيِّ 33 :
[ 1 : مَشْهَدُ وَفاةِ الْبَطَلِ ]
" جَلَسَ أَبو عَليٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرّوذَباريُّ الْبَغْداديُّ في مَجْلِسِ وَعْظِه بِمِصْرَ بَعْدَ وَفاةِ شَيْخِه أَبي الْحَسَنِ بُنانٍ الْحَمَّالِ الزّاهِدِ الْواسِطيِّ شَيْخِ الدِّيارِ الْمِصْريَّةِ ، وَكانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِعِبادَتِه وَزُهْدِه ، وَقَدْ خَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِ مِصْرَ في جِنازَتِه ، فَكانَ يَوْمُه يَوْمًا كَالْبُرْهانِ مِنَ الْعالَمِ الْآخَرِ لِأَهْلِ هذِه الدُّنْيا : ما بَقِيَ أَحَدٌ إِلّا اقْتَنَعَ أَنَّه في شَهَواتِ الْحَياةِ وَأَباطيلِها كَالْأَعْمى في سوءِ تَمْييزِه بَيْنَ لَوْنِ التُّرابِ وَلَوْنِ الدَّقيقِ ؛ إِذْ يَنْظُرُ كُلُّ امْرِئٍ في مَصالِحِه وَمَنافِعِه مِثْلَ هذِه النَّظْرَةِ ، بِاللَّمْسِ لا بِالْبَصَرِ ، وَبِالتَّوَهُّمِ لا بِالتَّحْقيقِ ، وَعَلى دَليلِ نَفْسِه في الشَّيْءِ لا عَلى دَليلِ الشَّيْءِ في نَفْسِه ، وَبِالْإِدْراكِ مِنْ جِهَةٍ واحِدَةٍ دونَ الْإِدْراكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، ثُمَّ يَأْتي الْمَوْتُ ، فَيَكونُ كَالْماءِ صُبَّ عَلى الدَّقيقِ وَالتُّرابِ جَميعًا ، فَلا يَرْتابُ مُبْصِرٌ وَلا أَعْمى ؛ وَيَبْطُلُ ما هُوَ باطِلٌ ، وَيَحِقُّ الَّذي هُوَ حَقٌّ .
[ 2 : التَّطَلُّعُ إِلى لِقاءِ الْبَطَلِ ]
وَتَكَلَّمَ أَبو عَليٍّ ، فَقالَ : كُنْتُ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ شَيْخِنا الْجُنَيْدِ في بَغْدادَ ، فَجاءَه كِتابٌ مِنْ يوسُفَ بْنِ الْحَسَنِ شَيْخِ الرَّيِّ وَالْجِبالِ في وَقْتِه ، يَقولُ فيهِ :
لا أَذاقَكَ اللّهُ طَعْمَ نَفْسِكَ ؛ فَإِنَّكَ إِنْ ذُقْتَها لَمْ تَذُقْ بَعْدَها خَيْرًا أَبَدًا !
قالَ : فَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ في طَعْمِ النَّفْسِ : ما هُوَ ، وَجاءَني ما لَمْ أَرْضَه مِنَ الرَّأْيِ ، حَتّى سَمِعْتُ بِخَبَرِ بُنانٍ - رَحِمَه اللّهُ ! - مَعَ أَحْمَدَ بْنِ طولونَ أَميرِ مِصْرَ ، فَهُوَ الَّذي كانَ سَبَبَ قُدومي إِلى هُنا لِأَرى الشَّيْخَ وَأَصْحَبَه وَأَنْتَفِعَ بِه .
[ 3 : مَكانَةُ أَمْثالِ الْبَطَلِ ]
وَالْبَلَدُ الَّذي لَيْسَ فيهِ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الدّينِ الصَّحيحِ وَالنَّفْسِ الْكامِلَةِ وَالْأَخْلاقِ الْإِلهيَّةِ ، هُوَ في الْجَهْلِ كَالْبَلَدِ الَّذي لَيْسَ فيهِ كِتابٌ مِنَ الْكُتُبِ أَلْبَتَّةَ ، وَإِنْ كانَ كُلُّ أَهْلِه عُلَماءَ ، وَإِنْ كانَ في كُلِّ مَحَلَّةٍ مِنْهُ مَدْرَسَةٌ ، وَفي كُلِّ دارٍ مِنْ دورِه خِزانَةُ كُتُبٍ ؛ فَلا تُغْني هذِه الْكُتُبُ عَنِ الرِّجالِ ؛ فَإِنَّما هِيَ صَوابٌ أَوْ خَطَأٌ يَنْتَهي إِلى الْعَقْلِ ، وَلكِنَّ الرَّجُلَ الْكامِلَ صَوابٌ يَنْتَهي إِلى الرّوحِ ، وَهُوَ في تَأْثيرِه عَلى النّاسِ أَقْوى مِنَ الْعِلْمِ ، إِذْ هُوَ تَفْسيرُ الْحَقائِقِ في الْعَمَلِ وَحَياتُها عامِلَةً مَرْئيَّةً داعِيَةً إِلى نَفْسِها . وَلَوْ أَقامَ النّاسُ عَشْرَ سِنينَ يَتَناظَرونَ في مَعاني الْفَضائِلِ وَوَسائِلِها ، وَوَضَعوا في ذلِكَ مِئَةَ كِتابٍ ، ثُمَّ رَأَوْا رَجُلًا فاضِلًا بِأَصْدَقِ مَعاني الْفَضيلَةِ ، وَخالَطوهُ وَصَحِبوهُ - لَكانَ الرَّجُلُ وَحْدَه أَكْبَرَ فائِدَةً مِنْ تِلْكَ الْمُناظَرَةِ ، وَأَجْدى عَلى النّاسِ مِنْها ، وَأَدَلَّ عَلى الْفَضيلَةِ مِنْ مِئَةِ كِتابٍ وَمِنْ أَلْفِ كِتابٍ ؛ وَلِهذا يُرْسِلُ اللّهُ النَّبيَّ مَعَ كُلِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ لِيُعْطِيَ الْكَلِمَةَ قوَّةَ وُجودِها ، وَيُخْرِجَ الْحالَةَ النَّفْسيَّةَ مِنَ الْمَعْنى الْمَعْقولِ ، وَيُنْشِئَ الْفَضائِلَ الْإِنْسانيَّةَ عَلى طَريقَةِ النَّسْلِ مِنْ إِنْسانِها الْكَبيرِ .
وَما مَثَلُ الْكِتابِ يَتَعَلَّمُ الْمَرْءُ مِنْهُ حَقائِقَ الْأَخْلاقِ الْعالِيَةِ ، إِلّا كَوَضْعِ الْإِنْسانِ يَدَه تَحْتَ إِبِطِه لِيَرْفَعَ جِسْمَه عَنِ الْأَرْضِ ؛ فَقَدْ أَنْشَأَ يَعْمَلُ ، وَلكِنَّه لَنْ يَرْتَفِعَ ؛ وَمِنْ ذلِكَ كانَ شَرُّ النّاسِ هُمُ الْعُلَماءَ وَالْمُعَلِّمينَ إِذا لَمْ تَكُنْ أَخْلاقُهُمْ دُروسًا أُخْرى تَعْمَلُ عَمَلًا آخَرَ غَيْرَ الْكَلامِ ؛ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَجْلِسُ مَجْلِسَ الْمُعَلِّمِ ، ثُمَّ تَكونُ حَوْلَه رَذائِلُه تُعَلِّمُ تَعْليمًا آخَرَ مِنْ حَيْثُ يَدْري وَلا يَدْري ، وَيَكونُ كِتابُ اللّهِ مَعَ الْإِنْسانِ الظّاهِرِ مِنْهُ ، وَكِتابُ الشَّيْطانِ مَعَ الْإِنْسانِ الْخَفيِّ فيهِ .
[ 4 : صِفَةُ الْبَطَلِ عِنْدَ اللِّقاءِ ]
قالَ أَبو عَليٍّ : وَقَدِمْتُ إِلى مِصْرَ لِأَرى أَبا الْحَسَنِ وَآخُذَ عَنْهُ وَأُحَقِّقَ ما سَمِعْتُ مِنْ خَبَرِه مَعَ ابْنِ طولونَ ؛ فَلَمّا لَقيتُه لَقيتُ رَجُلًا مِنْ تَلاميذِ شَيْخِنا الْجُنَيْدِ ، يَتَلَأْلَأُ فيهِ نورُه ، وَيَعْمَلُ فيهِ سِرُّه ؛ وَهُما كَالشَّمْعَةِ وَالشَّمْعَةِ في الضَّوْءِ وَإِنْ صَغُرَتْ واحِدَةٌ وَكَبِرَتْ واحِدَةٌ ؛ وَعَلامَةُ الرَّجُلِ مِنْ هؤُلاءِ أَنْ يَعْمَلَ وُجودُه فيمَنْ حَوْلَه أَكْثَرَ مِمّا يَعْمَلُ هُوَ بِنَفْسِه ، كَأَنَّ بَيْنَ الْأَرْواحِ وَبَيْنَه نَسَبًا شابِكًا ، فَلَه مَعْنى أُبوَّةِ الْأَبِ في أَبْنائِه : لا يَراهُ مَنْ يَراهُ مِنْهُمْ إِلّا أَحَسَّ أَنَّه شَخْصُه الْأَكْبَرُ ؛ فَهذا هُوَ الَّذي تَكونُ فيهِ التَّكْمِلَةُ الْإِنْسانيَّةُ لِلنّاسِ ، وَكَأَنَّه مَخْلوقٌ خاصَّةً لِإِثْباتِ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَطاعِ مُسْتَطاعٌ .
وَمِنْ عَجيبِ حِكْمَةِ اللّهِ أَنَّ الْأَمْراضَ الشَّديدَةَ تَعْمَلُ بِالْعَدْوى فيمَنْ قارَبَها أَوْ لامَسَها ، وَأَنَّ الْقُوى الشَّديدَةَ تَعْمَلُ كَذلِكَ بِالْعَدْوى فيمَنِ اتَّصَلَ بِها أَوْ صاحَبَها ؛ وَلِهذا يَخْلُقُ اللّهُ الصّالِحينَ ، وَيَجْعَلُ التَّقْوى فيهِمْ إِصابَةً كَإِصابَةِ الْمَرَضِ ، تَصْرِفُ عَنْ شَهَواتِ الدُّنْيا كَما يَصْرِفُ الْمَرَضُ عَنْها ، وَتَكْسِرُ النَّفْسَ كَما يَكْسِرُها ذاكَ ، وَتُفْقِدُ الشَّيْءَ ما هُوَ بِه شَيْءٌ ، فَتَتَحَوَّلُ قيمَتُه ، فَلا يَكونُ بِما فيهِ مِنَ الْوَهْمِ ، بَلْ بِما فيهِ مِنَ الْحَقِّ . وَإِذا عَدِمَ النّاسُ هذا الرَّجُلَ الَّذي يُعْديهِمْ بِقوَّتِه الْعَجيبَةِ ، فَقَلَّما يَصْلُحونَ لِلْقوَّةِ ، فَكِبارُ الصّالِحينَ وَكِبارُ الزُّعَماءِ وَكِبارُ الْقوّادِ وَكِبارُ الشُّجْعانِ وَكِبارُ الْعُلَماءِ وَأَمْثالُهُمْ ، كُلُّ هؤُلاءِ مِنْ بابٍ واحِدٍ ، وَكُلُّهُمْ في الْحِكْمَةِ كَكِبارِ الْمَرْضى .
[ 5 : شُهودُ كَرامَةِ الْبَطَلِ ]
قالَ أَبو عَليٍّ : وَهَمَمْتُ مَرَّةً أَنْ أَسْأَلَ الشَّيْخَ عَنْ خَبَرِه مَعَ ابْنِ طولونَ ، فَقَطَعَتْني هَيْبَتُه ، فَقُلْتُ أَحْتالُ بِسُؤالِه عَنْ كَلِمَةِ شَيْخِ الرَّيِّ : " لا أَذاقَكَ اللّهُ طَعْمَ نَفْسِكَ " . وَبَيْنَما أُهَيِّئُ في نَفْسي كَلامًا أُجْري فيهِ هذِه الْعِبارَةَ ، جاءَ رَجُلٌ ، فَقالَ لِلشَّيْخِ :
لي عَلى فُلانٍ مِئَةُ دينارٍ ، وَقَدْ ذَهَبَتِ الْوَثيقَةُ الَّتي كُتِبَ فيها الدَّيْنُ ، وَأَخْشى أَنْ يُنْكِرَ إِذا هُوَ عَلِمَ بِضَياعِها ؛ فَادْعُ اللّهَ لي وَلَه أَنْ يُظْفِرَني بِدَيْني وَأَنْ يُثَبِّتَه عَلى الْحَقِّ .
فَقالَ الشَّيْخُ : إِنّي رَجُلٌ قَدْ كَبِرْتُ ، وَأَنا أُحِبُّ الْحَلْوى ؛ فَاذْهَبْ ، فَاشْتَرِ رِطْلًا مِنْها ، وَائْتِني بِه حَتّى أَدْعُوَ لَكَ !
فَذَهَبَ الرَّجُلُ ، فَاشْتَرى الْحَلْوى ، وَوَضَعَها لَه الْبائِعُ في وَرَقَةٍ ، فَإِذا هِيَ الْوَثيقَةُ الضّائِعَةُ ! وَجاءَ إِلى الشَّيْخِ ، فَأَخْبَرَه ، فَقالَ لَه :
خُذِ الْحَلْوى ، فَأَطْعِمْها صِبْيانَكَ ، لا أَذاقَنا اللّهُ طَعْمَ أَنْفُسِنا فيما نَشْتَهي !
ثُمَّ إِنَّه الْتَفَتَ إِلَيَّ ، وَقالَ :
لَوْ أَنَّ شَجَرَةً اشْتَهَتْ غَيْرَ ما بِه صِحَّةُ وُجودِها وَكَمالُ مَنْفَعَتِها ، فَأُذيقَتْ طَعْمَ نَفْسِها ، لَأَكَلَتْ نَفْسَها ، وَذَوَتْ !
قالَ أَبو عَليٍّ : وَالْمُعْجِزاتُ الَّتي تَحْدُثُ لِلْأَنْبِياءِ ، وَالْكَراماتُ الَّتي تَكونُ لِلْأَتْقِياءِ ، وَما يَخْرِقُ الْعادَةَ وَيَخْرُجُ عَنِ النَّسَقِ - كُلُّ ذلِكَ كَقَوْلِ الْقُدْرَةِ عَنِ الرَّجُلِ الشّاذِّ : هُوَ هذا . فَلَمْ تَبْقَ بي حاجَةٌ إِلى سُؤالِ الشَّيْخِ عَنْ خَبَرِه مَعَ ابْنِ طولونَ ، وَكُنْتُ كَأَنّي أَرى بِعَيْنَيْ رأْسي كُلَّ ما سَمِعْتُ ، بَيْدَ أَنّي لَمْ أَنْصَرِفْ ، حَتّى لَقيتُ أَبا جَعْفَرٍ الْقاضِيَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدّينَوَريَّ ، ذاكَ الَّذي يُحَدِّثُ بِكُتُبِ أَبيهِ كُلِّها مِنْ حِفْظِه ، وَهِيَ واحِدٌ وَعِشْرونَ مُصَنَّفًا ، فيها الْكَبيرُ وَالصَّغيرُ ؛ فَقالَ لي :
لَعَلَّكَ اشْتَفَيْتَ مِنْ خَبَرِ بُنانٍ مَعَ ابْنِ طولونَ ، فَمِنْ أَجْلِه - زَعَمْتَ - جِئْتَ إِلى مِصْرَ ؟
قُلْتُ : إِنَّه تَواضَعَ ؛ فَلَمْ يُخْبِرْني ، وَهِبْتُه ؛ فَلَمْ أَسْأَلْهُ .
قالَ : تَعالَ أُحَدِّثْكَ الْحَديثَ :
[ 6 : صِفَةُ خَصيمِ الْبَطَلِ ]
كانَ أَحْمَدُ بْنُ طولونَ مِنْ جارِيَةٍ تُرْكيَّةٍ ، وَكانَ طولونُ أَبوهُ مَمْلوكًا حَمَلَه نوحُ بْنُ أَسدٍ عامِلُ بُخارى إِلى الْمَأْمونِ فيما كانَ مُوَظَّفًا عَلَيْهِ مِنَ الْمالِ وَالرَّقيقِ وَالْبَراذينِ وَغَيْرِ ذلِكَ ؛ فَوُلِدَ أَحْمَدُ في مَنْصِبِ ذِلَّةٍ تَسْتَظْهِرُ بِالطُّغْيانِ ، وَكانَتْ هاتانِ طَبيعَتَيْهِ إِلى آخِرِ عُمُرِه ، فَذَهَبَ بِهِمَّتِه مَذْهَبًا بَعيدًا ، وَنَشَأَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِه عَلى أَنْ يُتِمَّ هذا النَّقْصَ وَيَكونَ أَكْبَرَ مِنْ أَصْلِه ؛ فَطَلَبَ الْفُروسيَّةَ وَالْعِلْمَ وَالْحَديثَ ، وَصَحِبَ الزُّهّادَ وَأَهْلَ الْوَرَعِ ، وَتَمَيَّزَ عَلى الْأَتْراكِ وَطَمَحَ إِلى الْمَعالي ، وَظَلَّ يَرْمي بِنَفْسِه ، وَهُوَ في ذلِكَ يَكْبُرُ وَلا يَزالُ يَكْبُرُ ، كَأَنَّما يُريدُ أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ أَصْلِه وَيَلْتَحِقَ بِالْأُمَراءِ ، فَلَمّا الْتَحَقَ بِهِمْ ظَلَّ يَكْبُرُ لِيَلْتَحِقَ بِالْمُلوكِ ، فَلَمّا بَلَغَ هؤُلاءِ كانَتْ نيَّتُه عَلى ما يَعْلَمُ اللّهُ !
قالَ : وَكانَ عَقْلُه مِنْ أَثَرِ طَبيعَتَيْهِ كَالْعَقْلَيْنِ لِرَجُلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ : فَلَه يَدٌ مَعَ الْمَلائِكَةِ ، وَيَدُه الْأُخْرى مَعَ الشَّياطينِ :
فَهُوَ الَّذي بَنى الْمارِسْتانَ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَأَقامَ فيهِ الْأَطِبّاءَ ، وَشَرَطَ إِذا 34 جيءَ بِالْعَليلِ أَنْ تُنْزَعَ ثِيابُه وَتُحْفَظَ عِنْدَ أَمينِ الْمارِسْتانِ ، ثُمَّ يُلْبَسَ ثِيابًا وَيُفْرَشَ لَه وَيُغْدى عَلَيْه وَيُراحَ بِالْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَطِبّاءِ حَتّى يَبْرَأَ ، وَلَمْ يَكُنْ هذا قَبْلَ إِمارَتِه .
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَرَ في الْمَظالِمِ مِنْ أُمَراءِ مِصْرَ .
وَهُوَ صاحِبُ يَوْمِ الصَّدَقَةِ ، يُكْثِرُ مِنْ صَدَقاتِه كُلَّما كَثُرَتْ نِعْمَةُ اللّهِ عَلَيْهِ ، وَمَراتِبُه لِذلِكَ في كُلِّ أُسْبوعٍ ثَلاثَةُ آلافِ دينارٍ سِوى مَطابِخِه الَّتي أُقيمَتْ في كُلِّ يَوْمٍ في دارِه وَغَيْرِها ، يَذْبَحُ فيها الْبَقَرَ وَالْكِباشَ وَيَغْرِفُ لِلنّاسِ ، وَلِكُلِّ مِسْكينٍ أَرْبَعَةُ أَرْغِفَةٍ يَكونُ في اثْنَيْنِ مِنْها فالوذَجٌ وَفي الْآخَرَيْنِ مِنَ الْقُدورِ ، وَيُنادى : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ دارَ الْأَميرِ فَلْيَحْضُرْ ! وَتُفْتَحُ الْأَبْوابُ ، وَيَدْخُلُ النّاسُ وَهُوَ في الْمَجْلِسِ يَنْظُرُ إِلى الْمَساكينِ وَيَتَأَمَّلُ فَرَحَهُمْ بِما يَأْكُلونَ وَيَحْمِلونَ ؛ فَيَسُرُّه ذلِكَ ، وَيَحْمَدُ اللّهَ عَلى نِعْمَتِه . وَكانَ راتِبُ مَطْبَخِه في كُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ دينارٍ ، وَاقْتَدى بِه ابْنُه خُمارَوَيْهِ ، فَأَنْشَأَ بَعْدَه مَطْبَخَ الْعامَّةِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ثَلاثَةً وَعِشْرينَ أَلْفَ دينارٍ كُلَّ شَهْرٍ . وَقَدْ بَلَغَ ما أَرْسَلَه ابْنُ طولونَ إِلى فُقراءِ بَغْدادَ وَعُلَمائِها في مُدَّةَ وِلايَتِه ، أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفِ دينارٍ .
وَكانَ كَثيرَ التِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ ، وَقَدِ اتَّخَذَ حُجْرَةً بِقُرْبِه في الْقَصْرِ وَضَعَ فيها رِجالًا سَمّاهُمْ بِالْمُكَبِّرينَ ، يَتَعاقَبونَ اللَّيْلَ نُوَبًا يُكَبِّرونَ ، وَيُسَبِّحونَ ، وَيَحْمَدونَ ، وَيُهَلِّلونَ ، وَيَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ تَطْريبًا ، وَيُنْشِدونَ قَصائِدَ الزُّهْدِ ، وَيُؤَذِّنونَ أَوْقاتَ الْأَذانِ .
وَهُوَ الَّذي فَتَحَ أَنْطاكيَّةَ في سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتّينَ وَمِئَتَيْنِ ، ثُمَّ مَضى إِلى طَرْسوسَ كَأَنَّه يُريدُ فَتْحَها ، فَلَمّا نابَذَه أَهْلُها وَقاتَلَهُمْ أَمَرَ أَصْحابَه أَنْ يَنْهَزِموا عَنْها ، لِيَبْلُغَ ذلِكَ طاغِيَةَ الرّومِ فَيَعْلَمَ أَنَّ جُيوشَ ابْنِ طولونَ عَلى كَثْرَتِها وَشِدَّتِها لَمْ تَقُمْ لِأَهْلِ طَرْسوسَ ، فَيَكونَ بِهذا كَأَنَّه قاتَلَه وَصَدَّه عَنْ بَلَدٍ مِنْ بِلادِ الْإِسْلامِ ، وَيَجْعَلَ هذا الْخَبَرَ كالْجَيْشِ في تِلْكَ النّاحِيَةِ !
وَمَعَ كُلِّ ذلِكَ فَإِنَّه كانَ رَجُلًا طائِشَ السَّيْفِ ، يَجورُ وَيَعْسِفُ ، وَقَدْ أُحْصِيَ مَنْ قَتَلَهُمْ صَبْرًا أَوْ ماتوا في سِجْنِه ، فَكانوا ثَمانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا .
وَأَمَرَ بِسَجْنِ قاضيهِ بَكّارِ بْنِ قُتَيْبَةَ في حادِثَةٍ مَعْروفَةٍ , وَقالَ لَه :
غَرَّكَ قَوْلُ النّاسِ ما في الدُّنْيا مِثْلُ بَكّارٍ ؟ أَنْتَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ !
ثُمَّ حَبَسَه ، وَقَيَّدَه ، وَأَخَذَ مِنْهُ جَميعَ عَطاياهُ مُدَّةَ وِلايَتِه الْقَضاءَ ، فَكانَتْ عَشَرَةَ آلافِ دينارٍ ، قيلَ إِنَّها وُجِدَتْ في بَيْتِ بَكّارٍ بِخَتْمِها لَمْ يَمَسَّها زُهْدًا وَتَوَرُّعًا .
وَلَمّا ذَهَبَ شَيْخُكَ أَبو الْحَسَن يُعَنِّفُه وَيَأْمُرُه بِالْمَعْروفِ وَيَنْهاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، طاشَ عَقْلُه ؛ فَأَمَرَ بِإِلْقائِه إِلى الْأَسَدِ ، وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذي طارَ في الدُّنْيا حَتّى بَلَغَكَ في بَغْدادَ !