ظواهر منسية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
حسان سيد يوسف *
بادئ ذي بدء لا بد من القول: إن في اللغة ظواهر مهمة منسية في برامج التعليم، تشمل نواحي صوتية وصرفية ونحوية وبلاغية، وفي تغييبها آثار سلبية قد تنعكس على المعلم والمتعلم والمنهج. ما هي هذه الظواهر؟ وما أهميتها؟ ذلك ما سنجيب عنه في هذا المقال بعون الله.
أولاً: ظواهر صوتية:
حينما يكون هدف كثير من الطلاب التواصلَ مع العرب فمن المفروض أن نُعينهم على تحقيق أهدافهم؛ وذلك بتقديم مقاطع من مُسلسلات في اللهجة الشامية أو المصرية أو غيرها، وتدريبهم عليها في دروس الاستماع والمحادثة، حتى ولو كانت باللغة المستخدمة (العامية).
وإننا إذ نُقْصي كلمات أوتعبيرات لا لشيء سوى أنها مستخدمة على ألسنة جماعة اللغة المستهدفة نكون قد غرّدنا خارج السّرب، وفَصَلْنا الجانب النظري للمدخل التواصلي عن جانبه العمليّ الذي من أهم أغراضه التواصل مع جماعة اللغة المستهدفة. ألا ترى معي أن التواصل الحقيقي لا يكون إلا بتلك اللغة المستخدمة الدائرة على ألسنة العرب؟
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن معظم كلام العرب له أصل فصيح صحيح، وأما الحديث به مخفف الهمزة أو محذوف الحرف أو منحوتا أو مكنى عنه أو … فله ما يفسره، فالتواصل دائما -كما في كل اللغات- يسلك الطريق الأسهل في التعبير، وأضف إلى ذلك فإن القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا أدري لماذا نجفل من كل ما هو مستخدم؟!
إن الصواب – برأي الباحث – أخذ الجمل المستعملة، وإجراء عملية تجميلية بسيطة، ثم تقديمها للمتعلمين.
وفيما يلي بعض الظواهر الصوتية بسبب التخفيف:
(بدِّي) : جاء في القاموس العربي المعاصر: البد هو النصيب والمثل والنظير، فيكون معناها: بدّي أتعلم العربية، أي نصيبي وقدري ذلك. أو تعلم العربية نظيري. وهذا المعنى مطابق للمعنى الذي نستعمله تماماً.
ويمكن تفسيرها بشكل آخر: بدي..أصلها (بِوُدّي)..مؤلفة من حرف الجر الباء والمصدر (ود) والياء ضمير المتكلم..أي أنا أود، ومن باب التسهيل سقطت الواو. بدي أشرب. بدي أنام . بدي أدرس.
عبارات: 1- اِحْكِ الدُّغْرِي… 2- اِمشِ دغري… 3- دغري دغري..أو ابن عمه؟
كثيرا ما استعملنا العبارات السابقة نقصد بها على الترتيب:
تكلم بلا مواربة ومن دون كذب..
سر في الطريق المستقيم لا تلتفت يمينا أو يسارا..
أيهما تريد: الصراحة والحقيقة والمواجهة، أم اللف والدوران..؟
ونقول: العبارات السابقة كلها صحيحة فصيحة. يقول الدكتور شوقي المعري: “كلمة الدغري مأخوذة من “الدغر” وهو الاقتحام والدفع من غير تثبت..وأنا أرى أن ما ورد في المعجم العربي يكفي للدلالة على صحة الكلمة وعربيتها، ولسنا بحاجة إلى التكلف والقول: ربما كانت تركية أو فارسية..!!”
كلمة: جَايِيْ : ما أكثر استعمال هذه الكلمة! وقد لا يعرف كثيرون أن أصلها جائئ..وهي اسم فاعل من الفعل “جاء” خففت فيه الهمزتان، وتخفيف الهمز في اللغة كثير..
ظاهرة النحت:
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "وَمَعْنَى النَّحْتِ أَنْ تُؤْخَذَ كَلِمَتَانِ وَتُنْحَتَ مِنْهُمَا كَلِمَةٌ تَكُونُ آخِذَةً مِنْهُمَا جَمِيعًا بِحَظٍّ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَيْعَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى”[1].
كلمة لِسّا: منحوتة من (لـ) و (الساعة).
هَلّأ: وهي نحت من: هذا الآن
هسع: منحوتة من: هذه الساعة.
لهسع: صحيحة منحوتة من: ل وهذه والساعة.
شلونك: كلمة منحوتة من أي شيءٍ لونكَ؟ لأن اللون يشير إلى حالة الشخص الداخلية من غير مواربة ولا تكذيب.
ازّيك: كلمة منحوتة من أي زي زيك؟ والزي هو الملبس، وقد سئل عنه لأنه يدل على حالة الشخص النفسية. وهذا تعبير مجازي صحيح .
كُرْمالَك. وتعني: لأجلك. وهي منحوتة من كلمة كُرمى وحرف الجر لـ والضمير المتصل الكاف.
كيفك: إضافة الضمير المتصل إلى اسم الاستفهام. وهذا جائز في بعض اللهجات العربية.
ع الماء: تركيب صحيح فصيح. يجوز حذف لام (على) مع ألفها، وكذا نون من إذا التقتا بلام التعريف، مثل: على الماء تصبح عَ الماء، من الماء تصبح م الماء[2].
ظاهرة الإتباع:
الإتباع أنواع، وهو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها أو رويها إشباعا وتأكيدا، وهو نوع من المزاوجة التي تكون تارة للتأكيد، وتارة أخرى لمحض التزيين، بحيث إن اللفظة التابعة تكون تارة ذات معنى، وتارة أخرى لا معنى لها، وليست واضحة الاشتقاق، ولذلك قالوا بأن التابع لا يفيد وحده شيئا، بل إن شرط كونه مفيدا أن يتقدم عليه اللفظ الأول.
“قال السبكي: والتحقيق أن التابع يفيد التقوية؛ فإن العرب لا تضعه سدى…”[3]. “وقال ثعلب في أماليه: قال ابن الأعرابي: سألت العرب أي شيء معنى شيطان ليطان؟ فقالوا: شيء نَتِدُ به كلامنا”[4]. أي نشده به ونقويه.
وشرطه أن يكون على زنة المتبوع مثل قولهم: قسيم وسيم؛ أي: جميل، وحار يار؛ أي بالغ الحرارة، وجديد قشيب؛ أي واضح الجدة، وثقف لقف؛ أي جيد الالتفاف، وخفيف ذفيف؛ أي سريع، وكثير بثير؛ أي : كثير ، وتافه نافه؛ أي : حقير، وغني ملي، وخبيث نبيث ، وخفيف ذفيف، وفقير وقير، ومليح قزيح، وعابس كابس، وحائر بائر، وأجمعون أكتعون.
ظاهرة النبر والتنغيم
يعرف الدكتور تمام حسان النبر بقوله: “وضوح نسبي لصوت أو مقطع إذا قورن ببقية الأصوات والمقاطع في الكلام، ويكون نتيجة عامل أو أكثر من عوامل الكمية والضغط والتنغيم”[5].
ويقول الدكتور خالد أبو عمشة في كتابه المغني: “فالنبر هو الوحيد الذي يمكن أن يفرق بين الفعل (فَقَدَ) بمعنى أضاع، والكلمة التي تتكون من الفاء وقد”[6]. “أمّا نبر الجملة فهو أن يعمد المتكلم الى كلمة في جملة فيزيد من نبرها تمييزاً لها عن غيرها من الكلمات، رغبة في تأكيدها أو الإشارة إلى غرض خاص في دلالتها”. ومن ذلك: هل خرج زيد من السجن؟ فإذا نبرت كلمة خرج فيعني أنك تشك في فعل خرج، وكان متوقعا عدم الخروج في هذه الأيام. وأما إذا نبرت كلمة زيد فهذا يعني أنك لا تصدق أن زيدا – الذي قضى وقتا طويلا في السجن- يخرج من السجن. وإذا نبرت كلمة السجن فهذا يعني أنك تتعجب من السجن يخرج منه سجناؤه، وأنه من الصعوبة بحيث لا يخرج منه الداخلُ إليه؛ بسبب كونه سجنا سياسيا أو غير ذلك.
ويمكن تعريف التنغيم بأنه “ارتفاع الصوت وانخفاضه أثناء الكلام، وربما له وظيفة نحوية، هي تحديد الإثبات والنفي في جملة لم تستعمل فيها أداة الاستفهام، فقد تقول لمن يكلمك ولا تراه: أنت محمد مقررا ذلك، أو مستفهما عنه، وتختلف طريقة رفع الصوت وخفضه في الإثبات عنها في الاستفهام”[7].
فمثلاً في قوله تعالى: (هل يستوي الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون) (الزُّمَر9) نجد أن الاستفهام لا يحتاج إلى إجابة، وإنّما الغرض منه النّفي، والسّامع يعرف من ذلك، ويدركه من تنغيم الجملة وحسب. لقد نقل التنغيمُ الجملةَ من معنى الاستفهام إلى معنى النّفي، وهو ما نستخدمه كثيراً في لغتنا المعاصرة، فنقول مثلاً: (كيف تعادي أباك .. ! ؟) بلفظ الاستفهام، ونحن نريد التعّجب والإنكار، وهو ما يؤديه تنغيم الجملة.
والنبر والتنغيم ظاهرة لا يمكن الاستغناء عنها في الكلام، فكلمة أهلا وسهلا مثلا يختلف معناها حسب النبر والتنغيم، فهي تدل على الترحيب والسرور بنغمة، وتدل بنغمة أخرى على خلاف ذلك.
في الفصول الدراسية غالبا ما تُهمل هذه الظاهرة، ولا تأخذ حقها من التدريب، فإننا في معظم الأحيان نقبل من الطالب جوابه حتى ولو كان كلامه دون نبر أو تنغيم.
ثانياً: ظواهر صرفية:
1- المعدول القياسي من الظواهر المغيبة في الدروس التعليمية:
المعدول من المصادر المستعملة نائبة عن أفعالها، والمعدول بها عن أوزانها الأصلية لها إلى وزن فَعالِ” مثل نزال = انزل، كتابِ = اكتب، سماعِ= اسمع”. وهذا القسم قياسي فيمكنك أن تصوغ اسم فعل أمر من كل فعل ثلاثي مجرد تام متصرف.
2- اسم الصوت:
وهو اسم وضع لزجر الحيوان أو ما لا يعقل من صغار الإنسان، أو لحكاية صوت من الأصوات المسموعة. ومنه: “هلا: لزجر الفرس. عَدسْ : للبغل. كِخْ: لزجر الطفل عن تناول شيء قذر . غاق حكاية لصوت الغراب. طقْ: لصوت الحجر…”الخ”[8].
وكلمة : أفِّ وتعني: أتضجر. وكلمة (كيت): ويكنى بها عن جملة القول، نحو:”قلت كيت وكيت”. و(ذيت): ويكنى بها عن جملة الفعل، نحو: “فعلت ذيت وذيت”.
ومن باب الطرفة أسوق هذه النكتة: مرة استخدمت كلمة (أف) في الصف، فقال لي بعض الطلاب: أستاذ، ممنوع التركية في الصف!
ثالثاً: ظواهر نحوية:
كان أول ما ظهر اللحن على ألسنة العرب في أواخر الكلمات، ولذلك انصب اهتمام العلماء على التصدي لهذا اللحن المتفشي بتبيان إعراب الكلمات في الجملة، ولذلك نجد أدوات الجزم التي تجزم الفعل بالسكون، وجاءت أحرف النصب في مجموعة لأنها تنصب آخر الفعل بالفتحة مع العلم أنه لا فرق بين لم ولن من حيث النفي[9]. وفي تدريس العربية للأجانب يجب أن نصيغ النحو صياغة جديدة بحسب دوره في خدمة الوظائف اللغوية.
ومن الظواهر النحوية المغيبة أو المنسية:
تدريس النحو الوظيفي:
حتى الآن نظرتنا التقليدية في تعليم اللغة مسيطرة على عقولنا، وما زلنا ننظر إلى تعليم اللغة على أنه تعليم لقواعدها. والمشكلة الثانية التي يمكن أن نضيفها هي أننا لم ندرّس القواعد في موقعها الوظيفي، بل درّسناها باعتبارها ترفع بالضم وتنصب بالفتح وتجر بالكسر وتجزم بالسكون، حتى ظن الطلاب أنه بسبب الضمة أعربنا هذا فاعلا، وبسبب الفتح أعربنا هذا مفعولا وهكذا.
ظاهرة الأزمنة المحكية:
الزمن الواسع المحكي: سليم كان يسمع موسيقى البوب في شبابه.
الزمن الحاضر المحكي: عندما دخلت الصف كان المعلم يشرح الدرس.
الزمن الماضي المحكي: كنت قد تعلمت الإنجليزية قبل أن أذهب على أمريكا
الزمن المستقبل المحكي: أمس كنت سأخرج للتسوق لكن لم أجد وقتا ولم أخرج[10].
رابعاً: ظواهر بلاغية:
إن أول كلمة تخاطب الأم بها ولدها هي كلمة (روحي). وفي التركية: canım . نلاحظ أن هذه الكلمات بسيطة سهلة، ذات صورة رائعة في الحسن والجمال، وهي استعارة تصريحية، علاقتها التشبيه، حيث شبهت الأم طفلها بروحها، فحذفت نفسها (المشبه)، وصرحت بالمشبه به، وذلك غاية في كمال الحب. ولو أحصينا الكلمات التي يخاطب بها الطفل في السنة الأولى لحصلنا على قائمة طويلة في التشبيه والتشخيص والتجسيد مثل يا قطتي. يا سبعي. يا حبيبي. يا روحي. يا عمري. أنت مثل القمر. أنت مثل الشمس. أنت الحياة. أنت الدنيا………إلخ.
يرى الباحث أن اللغة العربية تعج بالأساليب البلاغية عجا، وتحتوي على ما يناسب كل المستويات في تعليم العربية للأجانب. رغم ما سبق نجد سلاسل تعليم العربية للناطقين بغيرها تكاد تخلو من الأساليب البلاغية بدعوى أنها صعبة لا تناسب مستوى الطالب اللغوي.
ولعمري هل تركيب (عاشت الأسماء) لمن قال: اسمي بكر صعبة؟! وتركيب (نوّرْتَ) للجائي، وعبارة (غرقان في العمل) صعبة في المستوى المبتدئ؟! وتعبيرات مثل (فقر أسود)، و(هو بسيط على البركة) و(سِرُّهُ عميق)، و(الذين استحوا ماتوا)، و(هذا المحل باب رزق)، و(معوضين) لمن يدفع النقود – صعبة في المستوى المتوسط الأدنى والأوسط؟!
وتعبير (رايح جائي مثل مكوك الحايك) لكثير الحركة، وتعبير (يسيل لعابه على…) لمن علق بشيء أحبه، وتعبير (فلانة طويلة اللسان) لمن يتكلم كثيرا، و(يا ويلاه على حظي بكل شئ أسود إلا بالبطيخ أبيض) للشخص غير المحظوظ و(افرقنا بريحة طيبة) لمن يرغب بطرد شخص من مكان ما – هل هي صعبة في المستوى المتوسط الأعلى؟!…..
في كافة كتب تعليم العربية للناطقين بغيرها لا يستوقفك تعبير بلاغي جميل إلا ما ندر، في حين أن لغة الدارسين ربما لا تكاد تجد جملة تخلو من مَثَل أومجاز لا سيما الدارسين الأتراك.
وعندما ننادي بتطعيم النصوص ببعض الأساليب البلاغية ابتداء من المستوى المبتدئ لا نعني بالبلاغة هنا تلك البلاغة الفلسفية التحليلية النظرية بل نعني بها تلك البلاغة البسيطة المستخدمة الممتعة.
وأخيراً، لا بد من القول: إن الطالب يفرح بمواطن البلاغة في الكلام! وحين يمر بأسلوب بلاغي يتحول من حالة الركود إلى حالة عاشق، ومعه الحق في ذلك لأن القلب يعشق كل جميل.
ـــــــــــــــــ
[1] أحمد بن فارس. معجم مقاييس اللغة، ت: عبد السلام هارون. دار الفكر: 1/328
[2] محمد الأنطاكي. المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها، دار الشرق العربي، الطبعة الثالثة: 137
[3] السيوطي. المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: فؤاد منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى: 1/325
[4] المرجع السابق: 1/326
[5] تمام حسان (1990). مناهج البحث في اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الأولى: 160
[6] خالد حسين أبو عمشة (2018). المغني في تعليم العربية للناطقين بغيرها، أصوات للدراسات والنشر، الطبعة الأولى: 32
[7] تمام حسان (1990). مناهج البحث في اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الأولى: 164
[8] محمد الأنطاكي. المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها، دار الشرق العربي، الطبعة الثالثة: 219
[9] المرجع السابق: 4
[10] محمد علي النجار (2018). الأزمنة الاثنا عشر في اللغة العربية، مجلة مقاربات: العدد الثالث، 32-45
___
*متخصص في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
باحث دكتوراه
متخصص في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
محاضر في “جامعة مرمرة – كلية الإلهيات” إسطنبول
له مؤلفات مطبوعة، وبحوث ومقالات منشورة في المواقع الإلكترونية .
المصدر