سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

الحلقة الرابعة والسبعون- الشاعر حسن عبد الله القرشي، ورأيه في كيفية أن تستفيد اللغة العربية من وسائل الإعلام:
إن الإفادة من وسائل الإعلام متعددة، وتسخير هذه الوسائل لخدمة العربية أصبحت واجبًا محتمًا إذا أردنا للغتنا سعة الانتشار وسرعته وهو ما نهدف إليه جميعًا. ومن الأسباب الفعالة إعداد برامج ثقافية عربية قوية بطريقة جد مشوقة وتُقدم هدية للبلاد الأخرى لتُعرض لديها في قنوات الإذاعة والتلفزة، وكذلك إعداد برامج موسعة لتعليم اللغة العربية يقوم بها متخصصون أكفاء تُقدم هي الأخرى بطريق الإهداء.
ويمكن أيضًا إرسال بعوث من الإعلاميين العرب للمشاركة في وسائل الإعلام الخارجية يشاركون بالجهد والمال في إنشاء إذاعات باللغة العربية، وتتكفل بلادهم بتأمين متطلباتهم الذاتية، ولا شك أن وفادتهم ستلقى الترحيب الكامل من البلاد التي يُوفدون إليها. والوسائل عديدة لاستفادة العربية من الإعلام الحديث متى صدقت النيات وصلبت العزائم. ومن أهمها التزام العربية الفصحى وحدها.
إن اللغة العربية بسعتها وشمولها ودقتها، وروعة مفرداتها وجمال تراكيبها ومتانة بنائها أداة طيعة مرنة للإعلام تستوعب حاجته ولا تضيق بمطالبه، وإذا أحسنا الأخذ بهذه الأداة فإن إعلامنا سيبلغ الأوج، ويستولي على الأمر، كما أن العربية يمكن أن تفيد بدورها من وسائل الإعلام انتشارًا وذيوعًا.
ولا شك أن من الواجب دائمًا مضاعفة العناية بتدريس اللغة العربية والتدقيق في اختيار الإعلاميين من أبنائها من محاضرين إذاعيين وصحافيين وكُتّاب رواية وتمثيلية وقصة، فما أضر قضايا اللغة العربية في إعلامنا الحديث غير الاعتماد على قاصري الأداة ومستصعبي السهل، فهؤلاء من عوامل تعثر العربية، وانحراف مسارها في قنوات الإعلام الصحيح، وهم بالتالي لن يفيدوا من خصوبة هذه اللغة، ووفرة عطائها.
ومن المؤلم حقًّا أن يسيطر الكثيرون من هؤلاء المهازيل الكسالى على الأداء الإعلامي، وتصبح أخطاؤهم وغلطاتهم مفردات وجملاً – سائدة مسيطرة على لغة الإعلام والمكتوب والمنطوق، وبحكم التقادم فإنها تضحى أمثلة تُحتذى، بل إن بعضها قد أخذ طريقة إلى التداول والاستعمال ليس على مستوى الجماهير فحسب ولكن على مستوى بعض من يُسمون بالخاصة.
إن من الضروري انتقاء الأشخاص المشتغلين بالإعلام من العناصر الممتازة ذوي الكفاءة اللغوية وهم ولله الحمد كثر من متخرجي الكليات المتخصصة، كما أن من الواجب متابعة الدرس والبحث في جعل العربية أكثر مرونة وأيسر تلقينًا، ولا شك أن علماء العربية المعاصرين مهتمون أوسع اهتمام بتذليل عقبات اللغة، متفهمون روح هذا العصر العجلان الذي هو عصر (الشطيرة) كما هو عصر (الذرة). وأخيرًا فإن الكسب المعنوي والمادي الذي تجنيه الأمة العربية داخلاً وخارجًا – من استعمال اللغة العربية في وسائل الإعلام لا يُقدر بثمن.
المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية – الجزء 43 – ص 43، 44.
إعداد: د.مصطفى يوسف