سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثامنة والعشرون: الأستاذ الشاعر حسن عبد الله القرشي (رحمه الله) عضو مجمع اللغة العربية المراسل بالقاهرة من السعودية، ورأيه في لغة الإعلام، والمنهج الأصوب الذي يجب أن تسير عليه:
كان الإعلام، ومتفرعاته –وما يزال-أحد العوامل المهمة التي ترتكز عليها الأمم في إظهار الوجه الحسن لتراث الأمة، ورصد مراحل تطورها وإبراز ما هي عليه من عزة ومَنَعَة وما تتمتع به من حاضر مرموق، وما ينتظرها من مستقبل باهر.
وقد أصبح للإعلام خبراء ومستشارون وكليات جامعية متخصصة ووزارات تُرصد لها الأموال الكثيرة وشركات ومؤسسات كبرى تُستثمر فيها الملايين من الدولارات ويعمل بها مئاتُ الآلاف من الفنيين والمختصين في مختلف الحقول، وأصبحت ركائزه من صحافة، وإذاعة، ومكتبات، وتلفزة، وأدوات نشر مؤسسات ضخمة مؤثرة تضم الآلاف من ذوي التخصصات الراقية في مجالات الثقافة، والفكر، والاجتماع، والاقتصاد، يسخرون أفكارهم وأقلامهم لمسيرة هذا المرفق الحيوي الهام الذي هو مرفق الإعلام.
وإذا كانت اللغة هي أهم أسباب نجاح الإعلام على الإطلاق فما هو المنهج الأصوب الذي يجب أن تسير عليه لغة الإعلام؟ لا شك أن اللغة الإعلامية ينبغي أن تنقسم قسمين: القسم الأول: اللغة التي نستخدمها في الوسائل المطبوعة (من كتب وصحف ومجلات وروايات وقصص) فهذه يتعين أن تكون اللغة الفصحى. ولا يغرب عن البال أن الفصحى قد أُصيبت بالكثير من أدواء العُجمة نتيجة التقهقر الذي غزا تدريس هذه اللغة في المدارس، والمعاهد، والجامعات، والتدني في مستويات التحصيل؛ مما يتطلب تلمس العلاج الناجح لذلك. ورغم ما توافرت المجامع اللغوية مشكورة على تسهيله واشتقاقه من عبارات... وما استحدثته من مصطلحات للتمشي مع روح هذا العصر المعجل فإن الضعف ما يزال سمة ملازمة للغة الفصحى في الإعلام.
أما القسم الثاني: فنظرًا لأن الإذاعة والتلفزة بخاصة تخاطبان جميع الطبقات التي تتكون من متعلمين وأميين فإن الطريقة المثلي- في رأيي- هي أن تكون لبعض موادهما لغة مبسطة بعيدة عن التعقيد تكون مفهومة للمتعلم وغيره على السواء رغم ما جنحت إليه بعض أجهزة الإذاعة المرئية والمسموعة من تخصيص ما يُسمى بالبرنامج الثاني لفئة الطبقات المتعلمة. ولا أقصد بتبسيط اللغة بالنسبة لغير المتعلم الهبوط بمستواها، ولكنني أقصد أن تكون لغة ميسَّرة سهلة مشتقة من الفصحى ذاتها هدفها الارتقاء بالمفهوم العادي وصقله ويمكن أن تُقدم بها المواد الترفيهية، وما يماثلها. وربما اندرج تحت هذا المفهوم اللغة التي يجب أن يخاطب بها المفهوم اللغة التي يجب أن يخاطب بها الطفل في وسائل الإعلام.
وإذا كانت اللغة هي الوسيلة للإعلام فإن مضمون الإعلام ذاته يجب أن يكون مضمونًا صادقًا، فلا ينبغي أن يكون مثلاً أداة طيعة للأهواء أو تزييف حقيقة والدعوة لمبدأ هدام أو الترويج لسلعة تافهة.
المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة-العدد 62، ص 31، 32.
إعداد: مصطفى يوسف