كتاب البحث اللغوي عند العرب للدكتور أحمد مختار عمر
المقدمة
يتناول هذا الكتاب بالتأريخ الدراسات اللغوية عند العرب، منذ نشأتها المبكرة إلى أن وصلت إلى مرحلة النضج والكمال، ولا يتجاوز ذلك القرن الخامس الهجري بأي حال من الأحوال، ففي هذا القرن اكتملت الاتجاهات المعجمية، وفي القرن الذي قبله وصل الدرس النحوي والصرفي والأصواتي إلى قمته. ولم يعد ما تلا ذلك من الدراسات أن يكون ترديدًا أو شرحًا أو تلخيصًا أو نظمًا لأعمال سابقة.
ولم أتجاوز القرن الخامس إلا في حالة واحدة، هي أن أبدأ بالحديث عن اتجاه ما، ثم لا أجده ينتهي بانتهاء هذا القرن، فلم يكن هناك بد من السير بالاتجاه إلى نهايته. وقد حدث هذا -مثلًا- حين تتبعي للمدارس المعجمية، وحدث كذلك حين الكلام عن دعوات التجديد والإصلاح للنحو العربي.
ولما كان الحكم على العقلية العربية، وتقييم ما قدمته في ميدان الدراسات اللغوية من أبحاث ونظريات لا يكتمل إلا بمعرفة جهود السابقين والمعاصرين في نفس الميدان، رأيت أن أخصص فصلًا في الباب الأول لعلاج هذا الموضوع واخترت له عنوان "الدراسات اللغوية عند غير العرب".
وتسلم هذه الدراسة للأعمال اللغوية الأجنبية - إلى جانب الأعمال اللغوية العربية- إلى تساؤل يتعلق بمدى الصلة بين الجهدين، ومقدار ما قدمه كل طرف للآخر أو أخذه عنه. وقد أفردت لعلاج هذا الموضوع بابًا خاصًّا هو الباب الثالث الذي عالج قضية التأثير من جانبيها ولكن في إيجاز وتركيز.
ولست أزعم أن كل ما جاء في هذا الكتاب جديد، فبعضه -وهو قليل- لا جديد فيه على الإطلاق، ومعصه بعضه قديم وضع في ثوب جديد، وبعضه -وهو كثير- جديد بالنسبة للقارئ العربي.
وأرجو أن يغني هذا الكتاب طلاب الدراسات العليا في جامعاتنا العربية عن الرجوع إلى المظان المختلفة وبعضها نادر الوجود وبعضها الآخر مصور أو مخطوط. كما أرجو أن يكون نافذة تفتح عيونهم على كثير من القضايا التي ما تزال معلقة حتى الآن، أو ما تزال في حاجة إلى تحليل وتمحيص.
وأحمد الله أن لاقى هذا الكتاب رواجًا كبيرًا لم أكن أتوقعه حتى صدرت له خمس طبعات في خمس عشرة سنة، وقد اقتضاني هذا إعادة النظر فيه عند كل مرة أدفعه إلى المطبعة. وكنت في كل مرة أتجنب ما قد أجده من هفوات أو مواطن وأزيد ما بدا لي ضروريًّا.
وتختلف هذه الطبعة عن الطبعات السابقة اختلافًا ملموسًا وتتميز بما يأتي:
1- تحرير القول في موقف اللغويين والنحاة من القراءات القرآنية.
2- تدقيق النظر في موقف اللغويين من الحديث النبوي الشريف.
3- إعطاء آراء ابن سيناء الصوتية اهتمامًا خاصًّا بعد أن نُشر كتابه "أسباب حدوث الحروف" نشرة علمية محققة.
4- توسيع الفصل الخاص بالمعاجم ليلبي حاجات الطلاب والدارسين، وبخاصة بعد أن أصبح علم المعاجم مقررًا مستقلًّا في كثير من الجامعات العربية، وبعد أن تطورت صناعة المعجم على المستوى العالمي.
وقد أضفت في هذا الفصل عناوين كثيرة مثل:
المعجم اللغوي والموسوعة - الخطوات الإجرائية لإعداد المعجم- مجمل اللغة لابن فارس- دراسة تحليلية لكتاب ابن بري "التنبيه والإيضاح" - التكملة والذيل والصلة للزبيدي -حاضر المعجم العربي-
وضع منهجية جديدة للمعجم العربي وجهود أحمد فارس الشدياق - معجم المساعد للكرملي.
كما أضفت بعض الأمثلة التطبيقية على معاجم الترتيب الصوتي والجمهرة والمقاييس نظرًا لصعوبة الكشف فيها، وحاجة مستعملها إلى تدريب خاص.
وهناك إضافات أخرى وتعديلات موزعة في ثنايا الكتاب يصعب حصرها.
والله الموفق.