سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثالثة والستون: الأستاذ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف (يرحمه الله) - أستاذ النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ونائب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة السابق، ورأيه في موقف الشعر من الأعلام:
للشعر موقف خاص من الأعلام لم يلتفت إليه النحاة بوصفه ظاهرة معينة، ولكنهم تناولوا هذا الموقف في مواضع مختلفة وبمصطلحات متعددة تسوغ لنا أن نعد معظمها من التغيرات الصرفية بوصفها تغييرًا في بنية الكلمة في الشعر لإقامة وزنه وتسوية قوافيه...
إن الاسم العلم حينما يرد في الشعر لابد أن يكون معروفًا متعينًا لدى البيئة التي قيل فيها هذا الشعر، بحيث تكفي الإشارة إلى بعض حروفه أحيانًا، أو الصورة المغيَّر إليها الاسم أحيانًا، ولا سيما إن كان الشعر "كثيرًا ما تنحرف فيه الكلم عن أبنيته، وتُحال فيه المثل عن أوضاع صيغها لأجله" كما يقول أبو الفتح. ويقول التميمي القزاز "ومما يجوز له في الاضطرار الإتيان باسم وهو يريد غيره، ولكن فيما أتى بعض الدليل على ما يريد"، ويقول أيضًا: "ومما يجوز له تغيير الأسماء كما قال الأول:
*ونسج سليم كل قضاء ذائل*
يريد بقوله سليم: سليمان، وهكذا يكون موقف الشعر من الأعلام. وتكون عبارة القزاز دقيقة لو فهمنا الاضطرار على أنه الاستعمال الشعري الخاص لا الإلجاء والاحتياج، ولا تهم-هنا-قواعد النحاة، فما دام المعنى واضحًا مستقيمًا؛ فإن العيب ليس عيب الشعراء؛ فإنهم هم أنفسهم الذين يُحتج بشعرهم، ولكن العيب عيب تلك القواعد التي قصرت عن شمول كل الظواهر لضيقها ضيقًا يكفل لها الاطراد.
لقد جاء الاستعمال الشعري على هذا النهج، وهو الاعتماد على معرفة العلم في بيئته معرفة واضحة؛ ولذلك كان الشعر يكتفي من العلم ببعض حروفه، والتحريف فيه؛ فجميل بن معمر يسمي "بثينة" "بثنة" في قوله:
لا، لا أبوح بحب بثنة إنها *** أخذت عليَّ مواثقًا وعهودا
وذو الرمة يسمي حبيبته مية (مي) في قوله:
ديار مية إذ مي تساعفنا *** ولا ترى مثلها عرب ولا عجم
وفاطمة تصير إلى (فاطا) في قول الشاعر:
فيا ليتني من بعد (فاطا) وأهلها *** هلكت ولم أسمع بها صوت إيسان
ودريد بن الصمة يسمي أخاه عبد الله (معبدًا) في قوله يرثيه:
وإن تعقب الأيام والدهر تعلموا *** بني قارب أنا غضاب لمعبد
والنماذج لأنواع التحريف في صيغة العلم كثيرة في الشعر كما يقول ابن جني، وقد جعل بعض النحاة هذه الاستعمالات ضرورة في الشعر، وبعضهم يسمي بعضها تحريفًا كما فعل ابن جني، وبعضهم عدَّ ذلك خطأ كما فعل ابن فارس. والواقع أن هذا كله ليس شيئًا من ذلك، ولكنه نهج الشعر مع الأعلام اعتمادًا على ما هو متعارف عليه بين الناس في نداء الأعلام أو التحدث عنها من جانب، واعتمادًا على توفز النفس وشحذ الاهتمام واستحضار كل دواعي الفهم عند تلقي الشعر من جانب آخر بحيث تصبح الإشارة والإيماءة مغنية عن البسط والإسهاب، فضلاً عما يدل عليه تغيير صورة الاسم من معان تختلف باختلاف الموقف...
ومن الاستعمالات الشعرية الخاصة بالأعلام والتي أثارت خلافًا بين النحاة حذف التنوين من العلم في الموضع الذي ينبغي أن يُنوَّن فيه حسب قواعد النحاة، ومن هنا أجاز الكوفيون منع العلم من الصرف لسبب واحد هو العلمية. وأجاز ذلك ثعلب في الاختيار وتابعه أبو حيان، ويقول ابن يعيش: "فإذا اعتبرت النصوص الواردة في هذا الباب كان أكثرها أعلامًا معارف فامتنع الصرف"، ويرى أن النصوص الواردة في هذا الباب ليس من السهل ردها؛ ولذلك كان من النحاة من أجازه في فصيح الكلام، وينقل السيوطي في ذلك أربعة آراء رابعها أنه يجوز في العلم خاصة، والبصريون يأبون ذلك ويمنعونه؛ ولذلك أولوا الأبيات الواردة في ذلك أو غيروا روايتها. وتغيير الرواية كثير في التراث النحوي-ومن أمثلة ذلك قول الشاعر:
فما كان حصن ولا حابس *** يفوقان مرداس في مجمع
ومن الاستعمال الشعري للأعلام تنوين الاسم العلم الذي حقه أن يُمنع من الصرف، وشواهده أكثر وأشهر من أن تُذكر....
المصدر: موقف الشعر من الأعلام، بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 38، ص 121، وما بعدها.
إعداد: مصطفى يوسف