mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > نقاش وحوار > نقاشات لغوية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
د.مصطفى يوسف
عضو نشيط

د.مصطفى يوسف غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 4449
تاريخ التسجيل : Oct 2016
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 7,757
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي 129-عالم ورأي-أ.د.وليد خالص، ورأيه في موقف المدرسة والجامعة والمجتمع من اللغة العربية

كُتب : [ 10-20-2019 - 01:27 AM ]


سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

129-الأستاذ الدكتور وليد محمود خالص – عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة المراسل من العراق – ورأيه في موقف المدرسة والجامعة والمجتمع من اللغة العربية:
من واقع التجربة الشخصية في تدريس علوم العربية في أربع جامعات عربية لمدة تقترب من ثلاثين عامًا، والاطلاع على نظم تلك الجامعات، والمقررات التدريسية بأقسام اللغة العربية في تلك الجامعات، ومن خبرة متواضعة بالمجتمعات العربية، وتوجهاتها العامة، وارتباط هذه التوجهات بالسياسات المختلفة، والمتنافرة في بعض الأحيان، ومن رصد دقيق للاكتساح (العولمي) الذي لم يشترك العرب في اختراعه، وصناعة وسائله، أو التنظير له، والمتمثّل خصوصًا في وسائل الاتصال التي هي في ازدياد، وتنوّع دائبين، كالإذاعات، والفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى ما تدفع به الشركات من تحديث لكثير من هذه الوسائل التي يقترن الصوت فيها بالصورة، مع القدرة على التلاعب بالصورة نفسها لتعرض بهيئة جديدة، لعلّها النقيض تمامًا مع الأصل. أقول: تأسيسًا على هذا، يمكن إقامة موازنة فيها من الملاحظة، والتروي، والإنصاف الشيء الكثير، وعمود هذه الموازنة اللغة العربية في المدرسة، والجامعة، والمجتمع، وذلك عمّا كانت عليه في الماضي القريب، وما آلت إليه اليوم، مع التأكيد على أنّ مفاصل هذه الموازنة ليست سوى الظاهر، المشاهد حسب، وهو الذي يستر وراءه مسكوتًا كثيرًا عليه، وهو ما نلحّ عليه دومًا، ولا نملّ من تكرار الإشارة إليه. وقد تمكّن الباحث من استخلاص ستة مفاصل تنضوي تحت هذه الموازنة، وهي بمجموعها تشكّل الصورة العامة للعربية كما استقرأها الباحث من خلال التجربة، والقراءة.
أول هذه المفاصل، هو الموقف النفسي إزاء العربية لطلاب المراحل التي تسبق المرحلة الجامعية، وهي المراحل التي تؤهل هؤلاء الطلاب للدخول إلى الجامعات على اختلاف تخصصاتها من جهة، ورغبات الطلاب من جهة أخرى، فإذا استثنينا كثيرًا من طلاب المدارس الخاصة التي لا تدخل العربية من ضمن الدروس التي يتلقّونها؛ لأنّ الاهتمام منصبّ على اللغة الأجنبية التي تلقى العلوم المختلفة بهذه اللغة. أقول: إذا استثنينا هذه المدارس الخاصة، فإنّ الموقفين من العربية متباينان تباينًا شديدًا، إذ كان موقف الطلاب النفسي من العربية هو الرضا، والقبول بما يُلقى إليهم، مع قدر كبير من الاحترام لها، ويساعد على ذلك كلّه، المجتمع الذي دفع بأولئك الطلاب إلى المدرسة، فهم لا يسمعون من ذلك المجتمع، والمناخ السائد فيه سوى عبارات التبجيل، والتقدير للعربية، بحسبان أنّها لغتهم الوطنية، فإذا امتزجت بالقرآن الكريم، والتراث العربي أخذت المسألة بعدًا آخر، ووجهة مختلفة تقترب من التقديس. وكانت المدرسة عشّ العربية، وكهفها الذي تأوي إليه، وهي آمنة، مطمئنة، يسندها كتاب مدرسي جيد، قام بوضعه خبراء أفاضل، هم راسخون في علمهم بالعربية، مدركون المستويات العمرية، والفكرية المختلفة للطلاب، مقدّرون أهمية عملهم، وارتباطه الوثيق بهوية المجتمع، ويسندها أيضًا مدرّس مخلص، لا يقلّ علمًا، ومسؤولية عن واضعي الكتاب المدرسي، يؤدي مهمته على أحسن الوجوه، فهو مكتفٍ معيشيًّا، محترم مجتمعيًّا، فليس له بعد هذا إلاّ أن يدرّس، ويوجّه، ويبني. وقد عشت مع جيلي تلك المرحلة، ويعلق في الذاكرة مواقف، ومشاهد عن الكتب، والمدرسين تؤكد ما سبق، ويؤيدها من عاش تلك المرحلة أيضًا. وتختلف الصورة اليوم اختلافًا جذريًّا عمّا سبق، فليست هناك سوى عبارات التذمّر، والضيق، والعبوس، يواجه به درس العربية، والسبب المعلن لذلك كلّه، وهو يجري على الألسنة، ويهرف به من يعرف، ومن لا يعرف، ويتخّذه الكسول تكأة يبرّر بها فشله، هو صعوبة العربية، وتشعّب مسالكها، واستحالة السيطرة على أغوارها، وكأنّ هذه الصعوبة – إن وُجدت – لا تشترك فيها مع بقية اللغات، والعلوم. وهل هناك علم، أيّ علم، يُدرك بالسهولة، والاسترخاء، والاتكال. ولعلّ هناك سببين، ليس هنا موضع مناقشتهما، هما الكتاب الدراسي، ومستوى المدرس المعرفي، ومن الممكن أن يمثّل هذان السببان جانبًا من الإشكالية، ولكنّها ليست الإشكالية الحقيقية، فعلى طالب العلم أن يقدّم الجهد، ويبذل الوسع، ويصمد للتلقي، فإن كان على الضّد من ذلك، فلن يبرع في أي علم، سواء أكانت العربية أم غيرها، ولم يعد هذا المشجب مقنعًا كيْ تعلّق عليه حال العربية المتراجعة في نفوس الطلاب، ولا تفوتنا الإشارة إلى (الخارج)، وهو المجتمع الذي يغذّي هذا الإعراض، ويقدّم الحجج التي تسند الطلاب، غير أنّ ما خفي هو أعظم، كما يقال.
وثاني هذه المفاصل، هو أعداد الطلاب المقبلين على التخصص في اللغة العربية وعلومها، فبعد أن كانوا بأعداد مقبولة، وتأخذ هذه الأعداد طريقها إلى الزيادة، نراها اليوم تتجّه إلى التناقص، بل ابتعاد يكاد يكون تامًّا عن هذا التخصص، ولم نفتتح هذا البحث بكلمة (الصفر) التي هي شعار المعرضين عن العربية في لبنان إلاّ لنلفت النظر إلى هذا المفصل، غير أنّ للمسألة وجهًا آخر، لا يقلّ أهمية عن الوجه الذي عرضناه آنفًا، وقد ألمعنا إليه فيما سبق، وهو أنّه قد يكثر عدد المقبلين على التخصص في العربية هنا، وهناك، في العراق، ومصر مثلًا، غير أنّ الرغبة الحقيقية النابعة من الذات ليست هي السبب في هذا الإقدام على درس هذا التخصّص ، ومعلوم أنّ الرغبة الصادقة ركن ركين في هيكل الإبداع المستقبلي، فبدونها تتساوى الأمور: خيرها مع شرّها؛ لأن المهم هو الشهادة، وهي ستُنال في أحسن الأحوال، أو أسوئها، ولعلّ تدّني المعدل الدراسي في الثانوية العامة، ومقاييس التنسيق التي تحكم دخول كلية ما، أو قسم معين، هما السببان الواقعيان في دخول أفواج، وأفواج إلى أقسام اللغة العربية، ولن تكون النتيجة إلاّ نتيجة مؤلمة، محزنة، فبالإضافة إلى أنّ الطالب يدرس تخصّصًا هو غير مقتنع به، فإنّ نصيبه من الإبداع فيه لن يكون إلاّ ضئيلًا، متواضعًا؛ ولذلك علينا أن لا نأخذ (الكثرة) على أنّها علامة من علامات العافية، بل ربمّا تكون على الضدّ من هذا، لتكون آية من آيات الضعف، والمرض.
ويتعلّق مفصل ثالث، لا مناص من التوقف عنده؛ لأنّه ، ذو مساس شديد بالمفصل الثاني، وملخّصه هو ما لحظناه سابقًا من أنّ كثيرًا من المقبلين على التخصص في اللغة العربية قد حازوا معدلات جيدة، إن لم تكن عالية، في الثانوية العامة، ويتيح لهم ذلك المعدّل المرتفع ولوج تخصصات غير العربية، غير أنهم اختاروها بمحض رغبتهم، وأذكر، ويذكر غيري، أنّ أولئك نصحوا –على استحياء ممّن نصحهم- أن يختاروا تخصّصًا غير العربية، ولكنّ كثيرًا منهم أصّر على اختياره، ودخل قسم اللغة العربية، سعيدًا بهذا التخصّص، ملبّيًا رغبته، وشاقًّا طريقه للنهل من علومه، والإبداع فيه فيما بعد. ولا شكّ أنّ الصورة مختلفة اليوم عمّا سبق، فذو المعدّل العالي لا يفّكر في الاقتراب من قسم اللغة العربية، بل هذا غير داخل في حسابه قطّ، وتنتشر مقولة نراها سائدة اليوم، تتناقلها ألسنة كثيرة، وخصوصًا لدى الطلاب، وهي: هل حصلت على هذا المعدل العالي كي أدفن نفسي في هذا التخصص، وإلاّ فما نفع الدرس، والصبر، والسهر؟ هل يذهب هذا كلّه سدى، ويتطاير مع الريح؟ وكأنّ التخصّص في العربية مرض يجب الابتعاد عنه، ففيه ضياع الجهود، وهدر المواهب، ولعلّ النتيجة معروفة سلفًا، وهي أنّه لن يدخل أقسام اللغة العربية إلاّ من حصل على معدل متدّن، بالإضافة إلى انتفاء الرغبة أصلًا، وهنا يجب القول بصراحة إنّ التدبير الذي يضعه العاملون في مكاتب التنسيق الجامعي يتحمّلون فيه جانبًا من هذا الوزر، وذلك حين يتيحون لذوي المعدّل المتدنّي أن يقبل بقسم اللغة العربية، ممّا يرسّخ تلك الفكرة الذائعة من عدم جدوى هذا التخصّص، والدليل بين أيدينا، وهو هذا المعدل الذي تعتمده لجان التنسيق، فاللوم عليهم، لا على الطالب وحده، والخارج معه، وهو ما ينمّي هذه القطيعة، ويعمّقها سواء بالنفخ في نارها كي تزداد اشتعالًا، أو في الواقع العريض الذي سيواجهه خريج اللغة العربية، وهو ما سنراه في مفصل قادم.
ويتّصل بذاك الذي سبق، هذا المفصل الذي نحن بصدده، وهو الرابع، من حيث النظرة العامة لأقسام اللغة العربية، والموقف منها، فقد كانت تلك النظرة مشوبة بالاحترام، محاطة بالتقدير من فئات المجتمع المتنوعة، سواء أكانت فئة المثقفين على اختلاف مشاربها، أم أنصاف المثقفين، أم الجمهور الواسع. فما أن يبدي الفتى، أو الفتاة رغبتهما في درس العربية حتى تنثال الذكريات، وتتهاطل العبر، ويقرن ذلك كلّه بلغة القرآن الكريم، والتراث العربي العريق، فهذان، أي الفتى والفتاة، سيكونان في الصميم من لغة القرآن الكريم، والتراث العربي، وفي موقع المركز فيهما، ويضاف إليهما اطلاعهما على حديث الأدب، ومعاصره، وهو الذي تلهج به الخاصة، ولا تنكره العامة. وتتوالى الأسئلة التي كان جوابها حاضرًا، مفهومًا، مثل: ألن يقضيا، الفتى والفتاة، أربع سنوات في ذلك المناخ الذي يعبق بفرائد القرآن، وجواهر التراث؟ ألن يصبحا، فيما بعد، سواء أقبل التخرج أم بعده، شارحين، ومفسرين لكثير من المسائل التي تشكل على الأهل، والمحيطين بهما؟ ألن يفتح لهما هذا التخصص سبل التخصص الأعلى لمزيد من التبّحر، والاقتراب من تلك الفرائد، والجواهر؟ إنّ هذا كلّه حاضر حضورًا قويًّا في المناخ العام، وهو ما رأيته عيانًا، وأحسست به شعورًا، ومواقف عملية، ورآه، وأحسّ به غيري من الذين عاصروا تلك المرحلة، وعلى النقيض تمامًا مما سبق، هو ما نراه، ونسمعه، ونشعر به اليوم. ولعلّي أستدعي قطعة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو منطبق على الحالة، ينطق بلسانها، مع بعد الشقة، وامتداد الزمن، وذلك حين يصف قومًا، يقفون على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، وهؤلاء –وهنا مربط الفرس- كما يقال (قوم من جلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا). نعم، هم من جلدتنا، ولسانهم عربي، وهويتهم عربية، غير أنّها قشرة، تخفي ما الله وحده به عليم. ونريد بهؤلاء القوم طبقات مختلفة في المجتمع، سواء أكانوا أهلًا، أم أصدقاء، أم مناخًا عامًّا، فكأن الجميع قد تواطأ على هذا الموقف المريب من تخصّص اللغة العربية، وأخص بالذكر هنا، وسائل الإعلام المتنوعة، وعلى رأسها الفضائيات التي تدفع في كلّ يوم، بل في كلّ دقيقة أخلاطا من العاميات، واللغات الأجنبية، والرطانات، غير آبهة بلغة المتابع العربي، بل همّها الربح، وغايتها الترويج لما تريد الترويج له، ولم تقف هذه الوسائل عند هذا الحدّ، بل تجاوزته إلى السخرية، والتنقّص بمن يمثّل العربية، سواء أكان من علماء الدين، أم من المتحدثين بالفصحى، وتجاوزت مرة ثالثة، وكأنها لم تكتف بما جنته أيديها، فنراها تعمد إلى مطابقة العربية الفصحى مع الإرهاب، وهو المصطلح المنتشر انتشارًا واسعًا في أيامنا هذه، ويلتقط د. عبدالسلام المسدي هذه الظاهرة الخطيرة ليكتب عنها قائلًا: (...ما يعنينا هنا، هو أنّ أفلامًا، ومسلسلات أثبتت نفسها بمشاهد تصوّر ضمن حبكتها الدرامية، الاجتماعات السرية التي يعقدها المدبّرون للعمليات الإرهابية، اعجب أو لا تعجب! فجأة تتحوّل لغة الحوار من العامية إلى العربية الفصحى، وتندفع أنت تطوف بكلّ مخزوناتك الذهنية، والنفسية، وبكلّ ما أُوتيته من علم، ومعرفة في علوم اللغة، والإبداع، فلا تعثر على سبب واحد، وجيه يفسّر لك هذا الانتقال، فضلًا عن تبريره... فغير مُجْدٍ أن تفيض في تفسير ما يتوارى خلف ذلك من مكر، ودسّ ينتهيان بالأغرار، وربمّا بالفطنين أيضًا إلى الربط الآلي –بوعي أو بلا وعي- بين العربية والإرهاب، وربمّا كان قسم ممّن يستقبل تلك المشاهد من الأغرار، على حدّ قول د. المسدي، غير أنّ فيهم من الفطنين الكثير، ولعلّ ما يجمعهم بعد أن دفعت الفضائيات إليهم ما دفعت، هو البعد عن العربية ودرسها، وإيثار السلامة، وتقديم العافية، فمن (يورّط) نفسه في درس لغة هي واحدة من أسباب الإرهاب، هذا الخطر المستطير الذي تحاربه الدول، وتكافحه المنظمات، وتحاول اجتثاث جذوره الحكومات، وهو، بعد، بليّة لا تعدلها بليّة، فهل يبقى لدرس العربية أيّ معنى حين يشيع في المجتمع هذا النموذج، وما يقترب منه؟
ويسلمنا المفصلان الخامس، والسادس إلى ما هو متّصل بحياة الناس، وأسباب عيشهم، وهو الوظيفة، وهنا علينا أن نتحلّى بقدر كبير من الإنصاف حين نعالج هذين المفصلين المترابطين، وقد جعلتهما في موضع واحد لاتصالهما الوثيق، وكأنهما المقدمة التي تفضي إلى نتيجة.
اللغة الأجنبية في الوطن العربي اليوم هي (لغة الخبز)، ولم تكن كذلك في زمن مضى، فقد كان خريج اللغة العربية يحصل على الوظيفة التي تناسب تخصّصه، شأنه شأن غيره من خريجي الأقسام، والكليات الأخرى، ويواجه، اليوم، هذا الخريج نفسه صعوبات جمّة في الحصول على وظيفة تناسبه، إلاّ إذا استثنينا تدريس العربية في المدارس التابعة للدولة، وربما أُغلقت دونه الأبواب في المدارس الخاصة التي تدفع رواتب أعلى من المدارس التابعة للدولة، وهي تشترط شروطًا أخرى يجب توفّرها في هذا الخريج، وهي اللغة الأجنبية، ولعلّها تتغافل عمّا هو أمر واقع، ذاك الذي نقدّمه على هيئة تساؤل صريح، وهو: أنّى لهذا الخريج أن يحصل على مستوى جيد بلغة أجنبية، وهو الذي أنفق أربع سنوات في درس العربية وحدها، ولا تتيح له برامج الدراسة، درس لغة أخرى، فالإنجليزية لغة عابرة في هذه البرامج، أمّا اللغات الشرقية التي تتضمنها هذه البرامج مثل: العبرية، والفارسية، والتركية، فهي لغات مستغنًى عنها في هذه المدارس الخاصة لعدم الحاجة إليها البتة، فهي غير داخلة أصلًا في برامج هذه المدارس، وفي المقابل يأخذ خريج أقسام اللغات الأجنبية فرصته كاملة في الحصول على الوظيفة، فالمدارس، وخصوصًا الخاصة، تطلبه، وجوانب متنوعة في المجتمع تتلقفّه، وهذا المجتمع نفسه يضفي عليه هالات من التميّز، والفرادة كونه يحسن لغة أجنبية لا غير، أمّا العربية فليكن موقعها التأخر، واستمطار البركة من جهات قليلة جدًّا.
وهنا يبزغ ما أشرنا إليه في مفتتح هذه الفقرة من ضرورة التحلّي بقدر كبير من الإنصاف في معالجة هذين المفصلين. أقول: إذا كانت العربية وحدها غير كافية، وإذا كانت اللغة الأجنبية هي الوسيلة الوحيدة للوظيفة الجيدة، وإذا كان شرط اللغة الأجنبية يفرض حتى على خريج اللغة العربية، فلم لا يختصر هذا المقبل على دخول الجامعة، ومعه الأهل، والمجتمع، الطريق، فيتّخذ اللغة الأجنبية تخصّصًا له، ما دامت النتيجة معروفة سلفًا، وقيل في المثل: المجرّب لا يجرّب، وبين أيدينا مئات، بل آلاف التجارب الملموسة، ولو انتقلنا إلى درجة أعلى، ونريد بهم حملة الماجستير، والدكتوراه في تخصّص اللغة العربية، فهؤلاء يُشترط أنّ يتوفر فيهم الشرط نفسه، وهو إتقان لغة أجنبية، مع شرط تفضيلي آخر، وهو حصولهم على درجاتهم العلمية العالية من جامعات غير عربية، كأن تكون بريطانية، أو أمريكية، أو فرنسية، أو ألمانية، وما سواها من اللغات الأخرى، وكأنّ في هذا الشرط نزعًا غير مباشر للاعتراف بأهلية الجامعات العربية، وقدرتها على منح درجات عليا في التخصّص، حتى لو كان هذا التخصّص في علوم اللغة العربية، أو العلوم الإسلامية. وها هو باب آخر يغلق بوجه الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة عربية، فأين يذهب؟
المصدر: اللغة العربية في التعليم: تجربة شخصية، د. وليد محمود خالص، بحث مقدّم إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانين، ص 1- 7.
إعداد: د. مصطفى يوسف





التعديل الأخير تم بواسطة د.مصطفى يوسف ; 10-20-2019 الساعة 01:31 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
90-عالم ورأي- أ.د. مصطفى رجب، ، ورأيه في التحديات التي تُمْتَحَن بها اللغة العربية د.مصطفى يوسف نقاشات لغوية 0 11-10-2018 10:33 PM
90-عالم ورأي- أ.د.مصطفى رجب، ورأيه في التحديات التي تُمْتَحَن بها اللغة العربية د.مصطفى يوسف نقاشات لغوية 2 10-19-2018 09:46 AM
89-عالم ورأي-أ.د.مصطفى رجب، ورأيه في التحديات التي تُمْتَحَن بها اللغة العربية د.مصطفى يوسف نقاشات لغوية 1 09-28-2018 06:51 PM
عالم ورأي (63) - أ.د. محمد حماسة عبداللطيف، ورأيه في موقف الشعر من الأعلام إدارة المجمع نقاشات لغوية 0 01-28-2018 02:40 PM
عالم ورأي (1) - د. وليد محمود خالص ورأيه عن الاستثمار في اللغة العربية إدارة المجمع نقاشات لغوية 0 04-22-2015 10:14 AM


الساعة الآن 03:02 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by