موقف النقاد القدماء والمحدثين من قضية الالتزام الخُلقي في الشعر العربي
د. يونس إبراهيم أبو مصطفى
تُعَدُّ قضية الالتزام من أهم قضايا النّقد الأدبي، فقد أصبحت مثاراً للخلاف بين النّقاد.
والالتزام يعني تقيّد الأدباء في أعمالهم الفنية بمبادئ خاصة وأفكار معينة، فإذا قيـّد الأديب نفسه بهذه المبادئ وقصر إنتاجه عليها فهو الأديب الملتزم، وإلا فهو غير ملتزم.
والإلزام ليس نقيضاً للحرية، بل هو منظّم لها في حدود العقل والمنطق والعرف والدّين، والذي يعنينا في هذا المقام الإلزام الخُلقي، الذي لا يعني الضغط، أو الإكراه، وإنّما هو احترام المرء للمبادئ والأعراف، ممّا يؤدّي إلى تحقيق الحرية وتوفير القوالب السّلوكية والفكرية والعاطفية بتوفير حياة آمنة في ظل مجتمع أخلاقي.
والإلزام هو المحور الأساسي الذي تدور حوله المشكلة الأخلاقية، ولا يمكن تصوّر قاعدة أخلاقية بدونه، وزوال فكرة الإلزام يقضي على جوهر الحكمة العقلية والعملية، وإذا انعدم الإلزام انعدمت المسؤولية، وبدون مسؤولية يضيع الحقّ والعدالة، وتعمّ الفوضى ويسود الاضطراب.
والقيمة الأخلاقية غير القيمة الجمالية؛ لأنّه إذا كان صحيحاً أنّ كلَّ ما هو خير فهو جميل، فليس صحيحاً أنّ كل ما هو جميل فهو خير[1].
وللإلزام مصادر منها:
1- العقل الخالص.
2- الفطرة النّقية.
3- الوحي الإلهي[2].
أما عن مصادر الإلزام الخُلقي عند المسلمين، فقد رأى علماء المسلمين أنّ الإلزام الخلقي يقوم على أمرين هما:
1- العقل.
2- الوحي.
فالشّرع الإلهي هو الذي يكمّل الشّرع الأخلاقي الفطري، وفي القرآن الكريم يسير العقل والوعي معاً جنباً إلى جنب[3].
يُفهم ذلك من قوله تعالى:) وَقَالُواْ لَو كُنَّا نَسمَعُ أَو نَعقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ([4]، أي: نسمع الوحي.
قد يرى الدّارس أنّ شعراء العرب لم يلتزموا في شعرهم، والالتزام كان في الشّعر الإسلامي تقيّداً بتعاليم الإسلام وأوامره ونواهيه، ولكن كما بينا في مقال سابق تبيّن لنّا أنّ ثمّة التزاماً في الشّعر الجاهلي تمثّل في الإيمان بالقيم والمبادئ والعادات السّائدة آنذاك.
فإذا كان معنى الالتزام " التزام الأديب بمسايرة وضع سائد في مجتمعه , وتأييد نظام مقرّر على قومه، فكذلك كانت الجمهرة الغالبة من الأدباء في كل عصر، وكل مجتمع "[5]. والشّاعر الجاهلي كان ملتزماً بالقيم والمبادئ التي آمن بها المجتمع؛ لأنّه فُطِرَ عليها وأضحت عنده طبعاً وسجيّة، فهذا الشّاعر لم يكن كما قالت (روز غريب) حراً من قيود الدّين والأخلاق[6] إلا بقدر، نعم كان حرّاً من قيود الدّين، مع أنّ البعض كان يدين بالحنيفية واليهودية والنّصرانية، ولكنّه لم يكن حرّاً من قيود الأخلاق التي تربّى عليها، وعندما جاء الإسلام بسط سلطانه على الشّعر والتزم كثير من الشّعراء بمبادئه وقيمه، وانحرف البعض، وهذا لا يعني كما ذهب د. عز الدين إسماعيل إلى " أنّ المؤثّر الدّيني سواء في الجاهلية والإسلام لم يستجب له الشّعراء، وكأنّ فترة ظهور الإسلام فترة عارضة في حياة هذا الشّعر، ما لبث أن تحوّل بعدها إلى مجراه الأول واتجاهه القديم، فترك الدّين، وترك الأخلاق، ترك لهما ميدانهما ووقف بعيداً لا يكاد يتأثر بهما....، ولم يكن النّقاد منعزلين عن الشّعراء فوقفوا بجانبهم في موقفهم ولم يتخذوا من الدّين أو الأخلاق أساساً يرفعون به شاعراً ويخفضون آخر، واستبعدوا الخيرية من ميدان الحكم النّقدي، وربما رأوا منزع الشّرّ أقرب إلى طبيعة الشّعر أو أنّه على الأقل مما يحسن به فن الشّعر، ويُفهم من هذا أنّ الإسلام لم يكن له أي تأثير إيجابي على الأدب والنّقد "[7] وقد أيده آخر في ذلك[8].
وعلّل د. عز الدين إسماعيل صحة رأيه بأنّ الإسلام لم يكن له أي تأثير إيجابي على الأدب، بأنّنا " نفهم الدّين على أنّه مجموعة من التّعاليم وأنّ ما يمكن أن يتّصل منه بميدان الأدب هو الجانب التّوجيهي الأخلاقي "، ومع ذلك يرى أنّ " الإسلام كان له أثر واضح في الميدان الأدبي، لأنّه لم يكن مجرد تعاليم، بل كان له كتاب أدبي معجز يتحدّى كلّ أدب "[9].
ونحن نرى أنّ الإسلام لم يكن فترة عارضة في حياة كلّ الشّعراء الذين آمنوا بتعاليمه؛ لأنّ بعضهم انحرف وترك الدّين والأخلاق، ولم يعد الشّعر عندهم إلى مجراه في العصر الجاهلي بل هبط إلى أرذل مستويات الانحطاط الخُلقي، ولكنّ الإسلام كان له تأثير واضح على الشّعر عند كثير من الشّعراء الذين نهلوا من بلاغة القرآن ومن نبع السّنة الصّافي، وتأثّروا بالجانب الدّيني فنظموا أروع القصائد، وهي خير دليل على تأثّرهم بالدّين واستجابتهم لتعاليمه وقيمه، بغض النّظر عن الذين حادوا عن القيم وركبوا موجة الانحلال والمجون.
والشّاعر - كما نعرف - فنّان مبدع، والفنّ لا يتعارض والدّين إذا كانت غايته نبيلة، فالدّين عقيدة شاملة لتنظيم الحياة ومثل أعلى لا يتنافى مع واقع الحياة، والدّين دائماً يشيد بالفضائل الإنسانية ويدعو إلى الالتزام بها[10].
والفن تعبير رائع، يتميز بالأصالة والصّدق، وهو تعبير عن التّجارب الإنسانية، وإذا فقد الصّدق يفقد دعامة كبرى من دعائمه، والفن بلا مضمون خواء وفراغ ، " والدّين دائماً وسيلة نظيفة لغاية نبيلة، والفن الصّحيح هو الآخر وسيلة نظيفة لغاية نبيلة لُحمتها الصّدق والأصالة، والوعي والإثارة المجدية، والتّحريض من أجل إقامة عالم أفضل، وهكذا يلتقي الفن بالدّين "[11].
وفي ذلك تأكيد على أنّ الإسلام دين سماوي كان له أثر إيجابي على الأدب والنّقد، فإذا سلّمنا بأنّ الشّاعر الجاهلي كان لسان حال قبيلته يدافع عنها ويفتخر بقيمها الأخلاقية من شجاعة وصبر ووفاء وكرم وعفّة، فإنّ الشّاعر الإسلامي الذي آمن بهذه القيم من قبل، وقد تطوّرت ونمت بفضل تعاليم الإسلام، كان ناطقاً بلسان المجتمع الإسلامي في الحرب محرضاً على الجهاد والاستشهاد، وفي السّلم داعياً إلى الحقّ والعدل في ظل مجتمع إسلامي.
وهذا يعني أنّ الأدب لابدّ له من غاية يدعو إليها، ويحثّ على تحقيقها، ولابدّ أن يكون ملتزماً بعقائد المجتمع ومبادئه، متّصلاً اتّصالاً وثيقاً بالحياة، على ألاّ تطغى أهداف الأدب على الفن فينقلب نصوصاً باردة، أو أدباً كاذباً، بل يجب أن يكون صادقاً في تعبيره، مخلصاً في فنه[12]. ولعلّ أكبر وظائف الأدب خدمة القيم الأخلاقية والفضائل الإنسانية , وقد لمسنا ذلك في الشّعر الجاهلي وبصورة واضحة، فقد زخر هذا الشّعر بالقيم الخُلقية في شتى المجالات، وهذه القيم كما يقول الأستاذ محمد قطب: لا يمكن أن تنفصل عن الفن لحظة من اللحظات " لأنّهما من معين واحد، وهو النّفس الإنسانية "، ثم يقول: " فالقيم الخُلقية ليست نباتاً منقولاً إلى النّفس الإنسانية... فهي ـ إذن ـ جزء لا يتجزّأ من فطرة الإنسان، وهي ـ من ثمّ ـ جزء لا يتجزّأ من عالم الفنون... وكل صيحة تقول: "إنّ الفن لا علاقة له بالأخلاق لأنّه فن، أو أنّ المقاييس الفنية لا علاقة لها بالمقاييس الأخلاقية ـ هي صيحة تتجافى عن حقيقة الفطرة "[13].
ومع ذلك احتدم الخلاف والجدل بين النّقاد حول غاية الأدب ووظيفته، وظهرت ثلاثة مذاهب:
1 - المذهب الأول: مذهب الفن للحياة (المذهب الواقعي)
رأى أصحاب هذا المذهب أن يكون الأدب موجّهاً لخدمة الإنسانية والسّمو بها، وذلك عن طريق تحقيق الخير والسّعادة، لأنّ الفن الإنساني الرّفيع لا يمكن أن تقتصر رسالته على المتعة والسّلوى واللهو، لذلك حاول بعض النّقاد أن يربطوا بين الأدب والأخلاق، فالأدب عندهم لابدّ أن يكون هادفاً يدعو إلى رجحان كفة الخير من أجل البشرية.
2 - المذهب الثّاني: مذهب الفن للفن
يمجّد أصحاب هذا المذهب التّجربة لذاتها وكيفية تناولها، لا التّجربة لثمرتها ونفعها وتوجيهها، وهذا يعني أنّ هذا المذهب لا صلة له بالمسألة الأخلاقية، وارتباطها بالأدب، فإذا استطاع الأديب أن يجيد تصوير تجربته الشّعورية، وأن يعبّر عنها تعبيراً جيداً ومؤثراً، واستطاع أن يحثّ المتلقّي على الإعجاب بفنه، ومشاركته في العاطفة والانفعال، فقد حقّق أهم ما يُراد من العمل الأدبي تحقيقه.
وقد تبنّى كثير من النّقاد العرب قديماً هذا المبدأ، وسنوضح ذلك آنفاً.
3- المذهب الثّالث: مذهب أصحاب المدرسة الحديثة الذين يقفون بين المدرستين السّالفتين موقفاً وسطاً، فقد رأى أصحاب هذا المذهب أنّ الالتزام بغايات الحقّ والخير لا يتعارض مع الجمال الذي تحقّقه الفنيّة، فاجتماع الغايتين ليس جمعاً بين متناقضين، وإذا أخلص الأديب بفنه فإنّ ذلك يقوده إلى تقديس الجمال في كلّ شيء وفي كلّ صورة، ولا شيء أجمل من الحقيقة لطلاب الحقيقة، ولا شيء أجمل من السّعادة لطلاب السّعادة[14].
لعلّ المذهب الأخير هو الأنسب؛ لأنّ الفنان المبدع الصّادق قادر على الجمع بين المذهبين الأوّل والثّالث، وتحقيق رسالة الأدب المقدّسة بأن يعبّر بصدق عن تجربته الشّعورية لتتفاعل معه الجماهير، وتتأثّر به وتعجب بفنّه، وموضوعاته التي تدعو إلى الخير والسّعادة، والتّحلّي بالقيم الخُلقية، والمثل العُليا بأسلوب فني رائع يأتلق في سماء الفكر.
المهم في الأمر، أن يعبّر الأديب عن تجربته بصدق وقناعة دون ضغط يلزمه بالتّعبير عن فكرة، أو تجربة، أو عقيدة،" مهما يكن من أسباب الاستحسان، أو أسباب الإيمان بتلك الفكرة أو العقيدة؛ لأنّه إذا عبّر عما يحسّ كان مضطراً أو مكرهاً أو كان كاذباً يفقد أدبه عنصر الصّدق "[15].
وثمة التباس بين الصّدق الفنّي والصّدق الأخلاقي خاصة أنّهما مشكلة قديمة في النقد الأدبي، وقد يكون أوّل من أدرك الفرق بينهما أرسطو حيث يقول: " إذا اشتمل الشّعر على استحالات قيل: إنّ فيه خطأً، لكن الخطأ هنا صواب، إذا كانت الغاية الفنيّة قد أدركت غايتها "[16].
وللنّقاد العرب قديماً رأيٌ في هذه القضية، فبعضهم يرى أنّ الصّدق صدق أخلاقي، وآخرون يرون غير ذلك، ولعلّ أوّل من أثارها ابن طباطبا (ت 322 هـ)، فقد ذكر في كتابه (عيار الشّعر) " أنّ شعراء الجاهلية وصدر الإسلام كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركّبوها على القصد للصّدق فيها مديحاً وهجاءً، وافتخاراً، ووصفاً، وترغيباً وترهيباً إلا ما قد احتمل الكذب فيه في حكم الشّعر... وكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحقّ والمخاطبات بالصّدق فيحابون بما يثابون، و يثابون بما يحابون "[17].
أغلب الظّن أنّه يقصد الصّدق الأخلاقي في جميع أغراض الشّعر، ذلك الصّدق الذي تُنقل فيه الحقيقة الأخلاقية على حالها , فلا يُنسب الكرم إلى البخيل، أو الجبن إلى الشّجاع، فهذا الصّدق يتبين في المدح , كما يتبيّن في غيره من الفنون ولعلّ ذلك يذكّرنا بثناء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على زهير بن أبي سلمى؛ لأنّه كان يمدح الرّجل بما فيه[18].
وهذا يدلّ على أنّ النّقد طُبع بطابع أخلاقي وفني في هذا العصر. ورأى ابن طباطبا أنّ على الشّاعر أنّ " يتعمد الصّدق والوفق في تشبيهاته وحكاياته "[19], " فإذا اتّفق في الشّيء المشبه بالشّيء معنيان أو ثلاثة معان من هذه الأوصاف قوي التّشبيه، وتأكد الصّدق فيه، وحسن الشّعر به للشّواهد الكثيرة المؤيدة له "[20]. وهذا يعني أنّ الصّدق يكسب الشّعر قوةً وجودةً، لذا وافق الآمدي (ت 371 هـ) ابن طباطبا الرّأي في صدق الشّاعر حين أورد في كتابه (الموازنة) أبياتاً للبحتري وعلّق عليها بقوله: " وقد كان قوم من الرّواة يقولون: أجود الشّعر أكذبه، لا والله ما أجوده إلا أصدقه، إذا كان له من يخلصه هذا التّخليص ويورده هذا الإيراد على حقيقة الباب "[21].