قراءات في حَرف الوصْل بين القدماء والمحدثين
للدكتور علي توفيق الحمد
تنويه:
هذا بحث خصّصته لحرف الوصل في اللغة العربية، وبادئ بدءٍ لا بدّ من توضيح نقطتين:
أولاهما: اختياري مصطلح (حرف) في عنوان البحث، إذ لم أشأ فرض المصطلح الذي ارتضيته بعد قراءات متأنية ومناقشة، فقد أطلق عليه بعض القدماء مصطلح "ألف الوصل"، ورفض بعض المحدثين قبول أيّ من المصطلحين.
وآثرت مصطلح "حرف" بدلاً من "صوت" اتّباعاً للقدماء، بعد الاقتناع بدقته ودلالته. ومن معاني "الحرف" في العربية: "الرمز الكتابي، والصوت، والمقطع، والكلمة، والجملة، والعبارة...."، وقد يعني الوجه من اللغة أو القراءة القرآنية.
وقد فرق ابن جنّي (ت 392هـ) في مدخل كتابه (سرّ صناعة الإعراب) بين الصوت والحرف، فقال: "اعلمْ أنّ الصوت عَرَضٌ يخرج مع النفَس مستطيلاً متصلاً، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً". ثم يذكر في موضع آخر "أنّ الصوت عامّ غير مختصّ، يقال: سمعت صوت الرجل وصوت الحمار". أما الحرف : "فحدّ منقطع الصوت وغايته وطرفه...، ويجوز أن تكون سميت حروفاً لأنها جهات للكلم ونواحٍ".
بعد هذا التفريق بين الصوت والحرف، وقوله إنّ الصوت عامّ غير مختصّ، وإنه قد يصدر عن جماد أو حيوان أو إنسان، لكنّ الحرف أخصّ منه، ارتضى ابن جنّي إطلاق مصطلح "الحرف" في كتابه.
ثم نقرأ تفريقاً بارعاً آخر بين الحرف والصوت للشيخ الرئيس ابن سينا (ت428هـ) إذ قال: "أظنّ أنّ الصوت سببه القريب تموّج الهواء دفعة بسرعة وبقوّة من أي سبب كان"، أما الحرف: "فهيئة للصوت عارضة له، يتميّز بها عن صوت آخر مثله في الحدّة والثقل تميّزاً في المسموع"، فنفس التموّج يفعل الصوت، .... أما حال المتموّج من جهة الهيئات التي يستفيدها من المخارج والمحابس في مسلكه فيفعل الحرف.
بعد هذا التجديد والوصف، نجد ابن سينا قد اختار مصطلح الحروف لا الأصوات في رسالته عن علم وفهم لا اعتباطاً أو تعميماً، فوسم رسالته باسم (أسباب حدوث الحروف).
والذي يهمنا في دراسة الصوت هيئته المميّزة له عن صوت آخر، تلك الهيئة التي يستفيدها من المخارج والمحابس في مسلكه، مما يؤكّد أن مصطلح "الحرف" الذي ارتضاه القدماء لم يكن غائماً ولا قاصراً، بل كان- في اعتقادي- دقيقاً دالّاً، وأصدق تعبيراً عن المقصود من المصطلح الحديث.
وتأسيساً على ما تقدّم، فلا أعتقد أنّ ما ذكره د. تمّام حسان "من أن الحرف رمز للصوت وصورة له، وأنه رمز كتابيّ للصوت". هو الذي قصده اللغويون القدماء فقط، بعدما عرضنا رأياً لاثنين منهم.
الثانية: سبب تسمية هذا الحرف (... الوصل)، إذ ورد فيه أقوال:
1- قيل إنه سمّي كذلك من باب المجاز لعلاقة الضدّيّة، لأنه يثبت- ينطق– ابتداءً، ويسقط وصلاً، فكان حقّه أن يسمّى (... ابتداء).
2- وقيل: لا مجاز، بل سمّي بذلك لوصل ما بعده بما قبله عند سقوطه.
3- وقال البصريون: سمّي بذلك لوصول المتكلم به إلى النطق بالساكن.
4- وذهب الكوفيون إلى أنّ سبب التسمية أنه يسقط في درج الكلام، فيصل المتكلم ما قبله بما بعده، وقيل سمّي كذلك مع سقوطه أثناء الكلام على الاتّساع.
وأيّاً كان موقف اللغويين المحدثين من سبب هذه التسمية، فإنني أوردت هذه الآراء لتوضيح معنى مصطلح الوصل عند القدماء، لنكون على بيّنة من القضية التي نتناولها في البحث والدراسة.
الدافع إلى البحث:
لعلّ ما دفعني إلى هذا البحث ما وجدته في رسالة لأبي بكر ابن الأنباري اللغوي الكوفيّ (ت 328هـ)، إذ يطلق مصطلح (الألفات) على الهمزات بكل أنواعها: الأصل، والقطع، والاستفهام والنداء وغيرها، وهي كلها همزات محقّقة شديدة انفجارية، علاوة على (حرف) الوصل، الذي أراه يختلف صوتياً عن الهمزات المذكورة.
عدت إلى بعض الكتب اللغوية القديمة لتحقيق المسألة، فوجدت بعضها يطلق على (حرف) الوصل همزة، وبعضها الآخر يطلق عليه ألفاً، علماً بأنّ أصحاب تلك المؤلفات ميّزوا بين الحرفين، كما أكدت الدراسات اللغوية الصوتية الحديثة افتراقهما من حيث الصفة والمخرج، هذا الاختلاف في إطلاق المصطلح يفرض التساؤلات الآتية:
- هل كان هذا عن إدراك واعٍ لصفة الحرفين ومخرجيهما، أو أنه كان تسمّحاً وتجاوزاً وعلى الاتساع؟ وما المبرّر لهذا التسمّح؟ أو أنه كان شيئاً آخر غير هذه جميعاً؟؟
وأكثر ما تثور هذه التساؤلات عند قراءة بحوثهم حول (حرف) الوصل و(حرف) القطع.
استلزمت الإجابة عن هذه التساؤلات العودة إلى كتب اللغويين القدماء- أو معظمها- والتنقير فيها لعلّي أظفر بجواب شافٍ. واستمر البحث فشمل النظر في كتب بعض اللغويين المحدثين الذين كتبوا بحوثاً في الأصوات العربية.
خطوات البحث
اتساقاً مع طبيعة البحث، كان لا بدّ من العودة إلى أقدم كتاب لغوي عربيّ وصل إلينا، ذلكم هو كتاب (العين) للخليل بن أحمد (ت 175هـ)، إذ قدم له مصنّفه ببحث في وصف الحروف العربية ومخارجها، وترتيبها على تلك المخارج أو المدارج.
فقد أحصى الحروف العربية، ورتّبها حسب مخارجها مبتدئاً من أقصى الحلق، وفرق بين الألف اللينة والهمزة، وعدّهما حرفين مختلفين مستقلين، لكنه وضعهما- مع الواو والياء- بعد الحروف الشفوية، أي أنه وزع الخمسة والعشرين حرفاً الصحاح على مدارج النطق، وأبقى أحرفاً أربعة، وهي: الواو والياء والألف اللينة والهمزة، فأخرج- بذلك- الهمزة من الحروف الصحاح، وسمّاها حروفاً جُوفاً، وقال: "وسميت جُوفاً لأنها تخرج من الجوف، فلا تقع في مدرجة من مدارج اللسان، ولا من مدارج الحلق، ولا من مدرج اللهاة، إنما هي هاوية في الهواء، فلم يكن لها حيّز تنسب إليه إلّا الجوف". وقال في موضع آخر: "هي في حيز واحد، لأنها لا يتعلقّ بها شيء". وأضاف في موضع ثالث فقال: "الألف والوا والياء في حيّز واحد، والهمزة في الهواء لم يكن لها حيّز تنسب إليه".
ولكنه وصف لنا الهمزة ومخرجها في موضع آخر في دقة وحذق، بعدما ذكر أنّ مخرج العين والحاء والهاء والخاء والعين هو الحلق، فقال: "وأما الهمزة فمخرجها من أقصى الحلق مهتوتة مضغوطة، فإذا رُفّه عنها لانت فصارت الياء والواو والألف عن غير طريقة الحروف الصحاح".
هذه نقولٌ أوردتها- عامداً- من كلام الخليل في مقدمته عن الحروف العربية، وقد عاودت قراءتها مرات، إذ إنّ ظاهرها يشير إلى الخلط في كلامه عن الهمزة، فقد عدّها مع الألف والواو والياء من الأحرف الجوف، وذكر أنها في الهواء، وليس لها حيّز تنسب إليه، أما في النقل الأخير، فكلامه واضح لا لبس فيه، فقد صرّح أنّ مخرجها أقصى الحلق مهتوتة مضغوطة، وعندي أنه مصيب في هذا، ولم يخالف- تقريباً- ما أثبته المحدثون في بحوثهم ومخابرهم في قولهم: "إن الهمزة صوت حنجري مزماري"، إذ إنّ أقصى الحلق هو لسان المزمار، ومحاذٍ للحنجرة.