و الحقيقَةُ أنّ فنّ الحِوارِ فنّ عظيمٌ ينبغي أن يتعاطاه أولو العلمِ والثّقافَة و التّعليم
قبلَ غيرِهم ، وأن يُقْبِلوا على الحِوارِ الهادءئ الذي يخلو من أسبابِ التّنازُعِ و مظاهِرِ
التّخاصُم و التّدابُر، ونوازِعِ الانتصارِ للنّفسِ ، وغيْرِها من المَشاعِرِ الملتهِبَة التي تضطرِمُ
بِها الكَلِماتُ المُتبادلةُ ، ولا ينتهي أمرُهما إلى فوزٍ و لا هَزيمَة؛ فتَرى المُتحاوِرَيْنِ ما يفْتأ
أحدُهُما أو كِلاهُما مشغوفاً بالخُصومَةِ متعلّقاً بأسبابِها يصَّعَدُ في الكَلامِ حيناً فيكونُ لاذِعاً،
ثمّ يسخَرُ حيناً آخَرَ فيكون لاذعاً مُقذِعاً، و لم يعلَمْ أحدُهُما أوكِلاهُما ، أنّ لَه ناحيةً من
نواحي نفسِه الباطِنَة لا مرارةَ فيها و لا إقذاعَ و لا سُخرِيّةَ
فإذا شاعَتْ ثقافةُ العُنفِ في الحوارِ تهيّبَ النّاسُ أن يُقْبِلوا على المُتحاوِرَيْنِ المُخاصِمَيْنِ
بحوارٍ أو سؤالٍ أو مناقشَةٍ ، و تَرَكوهُما اتِّقاءَ بأسِهِما ، وأعرَضوا عنهُما حَذَرَ الاصطِدام ، ولم
يعلَم المُتحاوِرانِ المُتخاصِمان أو أحدُهُما أنّ في أنفُسِهِما جوانِبَ لا مَرارَةَ فيها و لا إقْذاع،
وأنّهُما قادِرانِ على أن يُنْشِئا بيئةً حوارِيّةً صافِيةً يمْلؤُها السّلمُ والأمنُ، فيسْعى كلّ طرفٍ
إلى صاحبِه بالحوارِ الهادئ رفيقاً بِه وبِنفْسِه، لا مندفِعاً عَجولاً
إنّما الحوارُ تهْيئةٌ لجوٍّ مناسبٍ للحديثِ في مواضيعَ محدّدَةٍ ، يتعاقدُ لَها المتحاوِرانِ تعاقُداً
للتّحادُث وإبداءِ الرأي مقروناً بالدّليل، ومُلتزِماً بقواعدِ الحوارِ وأخلاقِ المناظَرَة و أدبِ الاختلاف