(كُذُّبْذُبٌ)وميزانها الصرفيُّ
حكى أبو زيد عن بعض الجاهليين بيتًا جاء فيه (كُذُّبْذُبٌ) بتشديد المعجمة بمعنى: كاذبٍ والبيت:( 1)
فإذا سمِعْتَ بأنَّني قد بِعْتُهُ ..............بِوصَالِ غانيةٍ فقُلْ كُذُّبْذُبُ
قال أبو علي: « وحكي عن أبي عمر في تفسيره: كَذِبٌ، فالكلمة على تفسير أبي زيد صفة، وعلى ما حُكي من تفسير أبي عمر اسم، فيكون المبتدأ المضمر: القائل ذلك كَاذِبٌ، وعلى القول الآخر: ما سمعتَ كذبٌ،وهذه الكلمة تحكى فيما شذ عن سيبويه من الأبنية ». ( 2)
وقد تناقل اللغويون حكاية (كُذُّبْذُبٍ) وأكثرهم على أنها صفة بمعنى (كَاذبٍ)،أو(كَذَّابٍ)،أو(كَذُوْبٍ)، ومن هؤلاء ابن السكيت ( 3)،والأزهري (4 )، والجوهري ( 5)، وابن سيده (6 )، وعَدَّها ابن جني في باب: ذكر الأمثلة الفائتة للكتاب .( 7)
وقد ارتاب الفارسي في هذه الحكاية،ضرورة أن العين إذا تكررت في الوزن مع اللام فلا تتكرر إلا مرتين،وقد جاءت في (كُذُّبْذُبٍ) مكررة ثلاث مرات،فيترتب عليه اجتماع ثلاث عينات في كلمة،فتكون على وزن (فُعُّلْعُل)،وهوما لانظير له في الأوزان العربية، وعلى الرغم مما يحمله في نفسه من إجلال لأبي زيد، فإن ذلك لم يمنعه من توجيهها على وفق الأصول البنائية المقَرَّرة.
يقول أبو علي: « ولولا ثقة أبي زيد وسكون النفس إلى ما يرويه لكان ردُّها مذهبًا؛ لكونه على مالا نظير له؛ ألا ترى أن العين إذا تكرر مع اللام في نحو (صَمَحْمَح)،و(جَلَعْلَع) لا يكرر إلا مرتين، وقد تكررت في هذه – يعني (كُذُّبذب) – ثلاث مرات، ومع ذلك فقد قالوا: (مَرْمَرِيس)، فتكررت الفاء مع العين فيها ولم تتكرر في غيرها،ولم يلزم من أجل ذلك أن يُرَدَّ ولا يقبل، فكذلك ما رواه أبو زيد من هذه الكلمة». ( 8)
وقد استند أبو علي في ردِّ حكاية أبي زيد إلى ترتبها على ما لا نظير له في العربية،وهو اجتماع ثلاث عينات في كلمة واحدة، ذلك أن العين إذ تكرر مع اللام في كلمة لا يكرر إلا مرتين، وتكرارها في هذه الكلمة أعني (كُذُّبْذُب) التى على وزن (فُعُّلْعُل) لا نظير له في كلام العرب.
ومن ثمَّ قال ابن جني: « ولسنا نعرف كلمة فيها ثلاث عينات غير (كُذُّبْذُبٍ)،و(ذُرُّحْرُحٍ)(9 )».( 10)
وذكر ابن جني أن التكرار قد يحتاج إليه لإقامة الوزن، فيخرج بذلك مخرج الضـرورة،وذكر لذلك شاهدًا لبعض البغداديين وفيه ( 11):
باتَ يُقَاسِي لَيْلَهُنَّ زَمَّامْ والفَقْعَسِيُّ حاتمُ بنُ همَّامْ
* مُسْتَرعِفات لِصِلِلِّخْم سامْ *
قال: « اللام الأولى – أي في (صِلِلِّخْم) – هي الزائدة هنا؛ لأنه لا يلتقى عينان إلا والأولى ساكنة، وهذا مصنوع للضرورة، يريد: لِصلِّخْم، فاحتاج لإقامة الوزن، فزاد على العينين أخرى، فصار من فِعِّل إلى فِعِعِّل».(12 )
وعلى ذلك فما جاء في رواية أبي زيد من تكرار العين في (كُذُّبذب) موقوف على وجود النظِير، وحيث لم يوجد، فالحال الوقف على ما ورد من ذلك سماعًا.
___________________
(1 ) البيت في: النوادر 288 ، وإصلاح المنطق لابن السكيت(ت244هـ) ،شرح وتحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون-دار المعارف-القاهرة-1368هـ-1949م- 189 ، وتهذيب اللغة 10/173 ، والصحاح 1/210 ، والمحكم 6/491 ، والمخصص 3/85 .
( 2) الحجة 1/330-331 .
(3 ) إصلاح المنطق 189 .
(4 ) تهذيب اللغة 10/173 .
( 5) الصحاح 1/210 .
( 6) الخصائص 3/187-204 .
(7 ) المحكم والمحيط الأعظم 6/491 ، المخصص 3/85 .
( 8) الحجة 1/330-331 .
( 9) الذرحرح : دويبة حمراء منقطة بسواد.
( 10) الخصائص : 3/204 .
( 11) الخصائص 3/204 ، اللسان (صلخم) .
( 12) الخصائص 3/204.