4-من شُروطِ قولِ الشّعر: امتلاكُ القدرةِ على تَركيبِ الأشتاتِ والجُزْئيّات وإلاّ فَمَن أعوزتْه هذه القُدرةُ جاءَ شعرُه أشتاتا متفرِّقاتٍ وحبّاتٍ منثورةً تحتاج إلى مَن ينظِمُها ويسبِكها في سلكٍ واحدٍ، وجُزُراً عائمةً لا رابطَ بينَها. ويُصبحُ شعرُ الشّاعرِ مرآة تريه الأشياءَ المتباعدةَ الأمكنةِ قد التقتْ له حتى رآها في مكانٍ واحدٍ، وما ذلك إلاّ لأنّ: الشّعرَ نَسَقٌ وتركيب، تركيب بين اللغة والإيقاع والصّورِ والألفاظِ الشّعريّة المُنتَقاة.
أضف إلى ذلك أنّ للشّاعرِ لمساتٍ تُحكِمُ البناءَ وتُغلِقُ الطّوقَ على القصيدةِ حتّى لا ينفرِطَ عِقدُها أو بعضُ حبّاتِ عِقْدِها؛ فالشّعرَ نَسَقٌ وتَرْكيبٌ، والغوصُ في مُؤلِّفٍ واحدٍ من مؤلِّفات الشّعر لا يكشفُ لَنا عن حقيقةِ الشّعر: لقد اهتمّ أهلُ العَروض بالوزن وتفعيلاتِه وأعاريضِه وأضرُبِه، واهتمّ أهلُ القافيةِ بحدودِها وأنواعِها وعيوبِها، ومع ذلك فإنّ تحققَ الوزنِ وحدَه، واستواءَ القافِية وحدَها لا يصنَع شعراً، واهتمّ أهل النّحو بالعوامل والمعمولات والتقديم والتأخير والاتّصالِ والانفصالِ... ولم يهمّهم أمرُ انكسارِ قواعدِ الإسناد المعنويّة كإسناد المشيِ إلى البحر في قولِ أبي الطّيّب:
فَلَم أرَ قَبْلي مَنْ مَشى البَحْرُ نَحْوَه /// و لا رجُلاً قامَتْ تُعانِقُه الأسْدُ
نجد أنّ البحرَ "يمشي" و الأسْدَ "تُعانِقُ" الرّجالَ، وفي هذا الانكسارِ مُفاجأةٌ وإدهاشٌ واستعارةٌ بَديعة، وهذه أمورٌ لم تَشْغَل النّحويينَ كثيراً، وتَركوها لأهل البلاغَة الذين اكتفَوا بالإشارةِ إلى ما أحدَثه التّركيبُ من مشابَهَة، وبذلك تجزّأت أطرافُ النّصّ الشّعريّ بين هؤلاءِ العلماءِ، ولكنّ شاعريّةَ النّصّ لا تتحقّق إلاّ إذا ائتَلَفت القطعُ المُتجاوِراتُ أو المُتباعداتُ لبناءِ نَسق شّعريّ مُتجانِس ٍ .
لا شكَّ في أنّ قمّةَ الشّاعريّة وقمّة الإبداع، لن تتحققَ إلا داخلَ النظامِ النّحويّ والصرفيّ واللغويّ والصوتيّ والعروضيّ والبلاغي، لقد صَرَخَ الشّاعرُ المعاصر "أحمد عبد المُعطي حجازي" في وجه مَن حرّضَه على تحطيم قوانينِ اللغة في الشّعر، قائلاً: «والتّحريضُ على تحطيمِ اللّغةِ لا يُفجّرُ لغةَ الشّعرِ، بل يبرّر الجهلَ بأبسطِ قَواعد النّحو والإملاءِ، والنّتيجةُ دورةٌ جديدةٌ من دَوْراتِ الانحطاطِ تَراجَع فيها الشّعرُ وهَزُلَ، وساخت قَدَماه في رِمالِ التّقليدِ الجديدِ المتحرّكة ومُستنْقَعاتِه الموحلَة». والشعراءُ أُمَراءُ الكلام، وهُمْ يعْمدونَ إلى الكَلام فيَقْصرونَ الممدودَ، ويَمُدُّون المقصورَ، ويُقَدِّمون ويؤخرونَ، ويومِئونَ ويشُيروَن، ويختلِسونَ ويُعيرونَ ويَسْتعيرون، فأمّا لحنٌ في إعراب، أو إزالة كلمةٍ من نَهج صوابٍ فليس لهم ذلكَ. وما الإبداعُ إذن؟ : «ليسَ الإبداعُ إلاّ أن نُترجمَ في شعرِنا ما خَلقَه الله فينا. فمنذُ أن هبطَ آدمُ إلى الأرضِ حتّى الآن لم يحدُثْ أن كان إنسانٌ مثيلاً لإنسانٍ آخَر، وإن كان أخا أو شبيها له، وهذا ما ننتظرُه من الشّاعر: أن يرى العالَم ويُرينا إيّاه من خلالِ فطرتِه التي لا تُماثلُها فطرةٌ أخرى. وليسَ الطّريقُ لهذه الرّؤيةِ الفَريدةِ إلاّ لغةً جديدةً قادرةً على إعادةِ امتلاكِ العالَم وكَشفِ مَجْهولِه، أقصدُ المجهولَ الذي نُعاني الإحساسَ بِه فعلاً، لا ذلكَ المجهول المُستَعار أو المُختَرَع الذي نتصوّرُه خارِج الواقع ونقيضاً لَه، بَينما الواقعُ مَليءٌ بالمجهولاتِ الحارِقة... » (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: - الجملة في الشّعر العربي، د.محمد حماسة عبد اللّطيف، مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1410-1990
- أسئلة الشّعر، الواقع والأسطورَة، أحمد عبد المُعطي حجازي، جريدة الأهرام: 14/01/1989
- وانظر: اَلْمُزْهِرُ في عُلومِ اللُّغَةِ وَ أَنْواعِها، ج1، النّوع التّاسِع و الأربعون: معرِفَة الشّعر، لِجَلالِ الدّينِ السّيوطِيّ،
تَحْقيق مُحَمَّد أَحْمَد جاد الْمَوْلى، مُحَمّد عَلِيّ البجاوِيّ، مُحَمّد أبو الفضْل إبراهيم، دار الفِكْر، بَيْروت.