6- مِنْ مَزايا الشّعر الجيّد تَميُّزُ الشّاعِرِ ببعضِ العباراتِ الشّعريّة أو النّماذجِ الخاصّةِ التي تقترِنُ باسمه، فإن اسْتعمَلَها أحدٌ بَعدَه فَعلى سَبيل النّقلِ والتأثّر أو الاستفادَة، وتتميّزُ هذه النّماذجُ المتفرِّدَةُ بدقّةِ النّظرِ وغُموضِ المسلَك، في توخّي الصّورِ والمعاني، وهذا هو الذي عبّر عنه شيخُ البلاغة عبدُ القاهر بقولِه: «واعلمْ أنّ الاحتذاءَ عندَ الشعراءِ وأهلِ العلمِ بالشعرِ وتقديرِه وتمييزِه أن يبتدىءَ الشاعرُ في معنى له وغَرضٍ أسلوباً، والأسلوبُ الضَّربُ من النّظمِ والطّريقةُ فيه، فيعمدُ شاعرٌ آخر إلى ذلكَ الأسلوبِ، فيجيءُ به في شعره»، وما من شاعرٍ مـُجيدٍ إلاّ وله نموذجٌ يُعْرَفُ بِه ويُحتَذى، وهو ما يُعْرَف في لغة العلم بالأسلوب أو النّمط أو الأنموذَج الخاصّParadigme أو النّسّق أو الطّريقَة أو الضّرْبِ أو المَذْهَبِ أو النّحْوِ أو المَنْحى... ونستطيعُ أن نُحْصيَ مئاتِ النَّماذِج لأجاوِدِ الشّعراءِ لأنّها معانٍ مبتَكَرةٌ وأوضاعٌ غيرُ مَسْبوقَة، ولو تأمّلْنا لَوَجَدْنا القرآنَ الكريمَ سبّاقاً إلى الأوضاعِ الجديدةِ والنّماذِجِ الأسلوبيّة المُتَفَرِّدَة التي يجمَعُها قولُك "النَّظْم القُرْآنيّ"، ولوَجَدْنا الحديثَ النّبويّ الشّريفَ مُحْتَذِياً كتابَ الله، من خِلالِ ما يُعْرَفُ في البَلاغَةِ النّبويّةِ بِجَوامِعِ الكَلِم، كَقولِه صلّى الله عليه وسلَّمَ: "الآنَ حَمِيَ الوَطيس" ... ولَوَجَدْنا لكلّ عصرٍ مِئات النّماذِج المُنْتَقاةِ. ويضرِبُ كاتبُ السّطورِ على ذلِك مثالاً من القرآنِ الكَريم، مِن قولِه تَعالى: « وَلَمّا سُقِطَ في أيْديهِمْ...» الآيَة [الأعراف:149]، (الفعلُ: سُقطَ فِي يَدِهِ، يُضرَب لمن نَدِم)، قال أبو القاسِمِ الزّجّاجيُّ: « سُقِطَ في أيديهمْ نَظمٌ لم يُسمعْ قبلَ القرآن، ولا عَرَفتْه العربُ، ولم يوجَدْ ذلكَ في أشعارهِم، والذي يدلُّ على ذلكَ أنّ شعراءَ الإسلامِ لَمّا سَمعوا هذا النظمَ واستعمَلوه في كلامهِم خَفيَ عليهم وجهُ الاستعمالِ لأنّ عادَتَهم لم تَجْرِ بـه.»
ويَزيدُ صاحبُنا مثالاً آخَرَ من القرآنِ الكَريم لم يحضرْه إلاّ وهو يَستمعُ إلى القرآنِ الكريم يُتْلى فجَذَبَ انتباهَه قولُه تعالى: «ولا يَحيقُ المَكْرُ السّيّءُ إلاّ بأهلِه» [فاطر43]، والمعنى: لا يَنزِلُ المكرُ ولا يُجاوِزُ ولا يُحيطُ إلا بأهلِه. ومثْلُ هذه الآيَةِ آياتٌ كثيرةٌ تَجري مجرى الأمْثال، وهذا هُوَ النّوعُ البَديعيّ المُسمّى بإرسالِ الْمَثَل، مِن ذلِك قولُه تَعالى: «ليسَ لها مِن دونِ الله كاشفةٌ»، «لن تنالوا البر حتّى تُنفِقوا مما تُحبّون»، «الآنَ حَصْحَصَ الحقُّ»، «وضربَ لنا مَثلاً ونَسِيَ خَلْقَه»، «ذلكَ بما قَدّمَتْ يَداكَ»، «قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تَستفتيانِ»، «ألَيسَ الصّبحُ بقَريبٍ»، «وحِيلَ بَينهُم وبينَ ما يَشتهونَ»، «لكلِّ نبأ مُستقرٌّ»، «ولا يحيقُ المكرُ السّيءُ إلا بأهلِه»، «قُل كلٌّ يعملُ على شاكلتِه»، «وعَسى أن تَكْرهوا شَيئاً وهو خيرٌ لكُمْ»، «كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهينةٌ»، «ما على الرسول إلا البلاغُ»، «ما عَلى المحسنين مِن سَبيلٍ»، «هلْ جزاءُ الإحسانِ إلاّ الإحسانُ»، «كَم مِن فئةٍ قليلةٍ غَلَبتْ فئةً كثيرةً بإذنِ الله»، «الآنَ وقدْ عَصَيْتَ قَبلُ»، «تحسبُهُم جميعاً وقلوبُهم شَتّى»، «ولا يُنبئكَ مثلُ خَبير»، «كلُّ حزبٍ بما لَديهمْ فَرحونَ»، «ولو عَلم الله فيهِمْ خَيراً لأسمعَهُمْ»، «وقليلٌ من عِبادِيَ الشَّكورُ»، «لا يُكلِّفُ الله نفساً إلاّ وُسْعَها»، «لا يَستَوي الخبيثُ والطّيّبُ»، «ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحر»، «ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ»، «لمثلِ هذا فليعْمَلِ العاملونَ »، «وقليلٌ ما هُم» «فاعتَبِروا يا أولي الأبصار».
فما أجملَ هذه الآياتِ وما أبدَعَها وما أخصّها بالقرآنِ الكريمِ ذي النّظمِ البديعِ والأسلوبِ الفريدِ المتميّز.
وهكذا فإذا قلنا إنّ الشّعرَ متفرِّدٌ بنظمِه وأساليبِه وعباراتِه ونَماذِجِه الفذّة؛ فإنّ القرآنَ الكَريم من بابِ أوْلى وأحْرى أنْ نَتحَدّثَ فيه عن الْتباسِ المَعاني فيما بَيْنَها في العبارَةِ الواحدةِ، وتماسُكِها واتّساقِها وكأنّها صُبّتْ في ذلِك القالَبِ اللّغويّ إصبابَةً واحدةً وسُبِكتْ سَبْكاً واحداً، ولم يعُدْ للفظِ الواحدِ وجودٌ إلاّ بِسابِقِه وتاليه، ولوأبدلْتَ لفظاً مكانَ لفظٍ لارتَبكَ التّعبيرُ واضطَرَبَ ولَخَرَج من بابِ البلاغَة إلى باِبِ الكلامِ المألوف، فَلمّا أخْرِجَت عباراتُ القرآنِ العظيمِ ذلكَ الإخْراجَ الكَريمَ تميّزَ بِناؤه اللّغويُّ والبلاغيُّ وتفرّدَت عباراتُه البَديعةُ، وأصبحتْ أمثالاً تُضْرَبُ و نَماذِجَ تُحْتَذى، مِمّا لَم يُسْمَعْ مثْلُها في بِلادِ القولِ.
ففي القرآنِ الكَريمِ وحَديثِ النبيّ صلّى الله عليه وسَلَّمَ، من العِباراتِ النَّوابِغِ، والكَلِمِ الجَوامعِ، والنِّعَمِ السَّوابِغِ، ما أنْعَمَ بِه الله على هذه الأمّة، فاقتفَتْ آثارَ العباراتِ البليغَةِ، ونَسجَتْ على مِنْوالِها ما بِه يَسْمو كَلامُها، وهذا مَبحثٌ طويلٌ وبابٌ واسعٌ لِمَنْ أرادَ أن يَلِجَه.
أمّا النّماذجُ التي اختارَها صاحبُنا منَ الشّعرِ، فهي نماذجُ تطبيقيّةٌ من دَواوينِ زمرةٍ من الشّعراءِ المشهورينَ، ولكلِّ شاعرٍ نموذجٌ يُحتَذى:
انظرْ - مَثَلاً - إلى عبارة "زَمان الوصل" التي اشْتهرَ بها الشّاعرُ الوَزيرُ الأندلسي لسانُ الدّين ابنُ الخطيبِ:
جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمى /// يا زَمانَ الوصلِ بالأندلسِ
و عبارة "باقي الوشم" في شعرِ طَرَفة:
لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهْمدِ /// تلوحُ كَباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
وعبارات "ذكْرى حبيب" و"أحقّ الخيلِ بالرّكضِ المُعار" و"شفائي عَبْرَة مُهَراقَة" في شعر امرئ القيسِ، و عبارة "نَوْح باكٍ أو ترنّم شادٍ" في شعر أبي العلاء المعرّي، وقد اقتبسَها ابنُ الوردي في شعرِه، وكذلك قولُه "تَعَبٌ كلٌّها الحياةُ"، وعبارةُ ابنِ الرّومي "ألْقَت بي عَصاها النَّوى"
ذكرْتُك حينَ ألقتْ بي عَصاها النّوى بالنّهْرِ نَهْرِ أبي الخَصيب
وكذا قولُه "ذِئاب في ثِياب" :
ولكن قلَّ ما استكْثَرْتَ إلاّ /// سَقطْتَ على ذئابٍ في ثيابِ
وكذا قوله "اللّوم عَوْن النَّوائب":
دَعِ اللّومَ إنّ اللّومَ عَوْنُ النّوائبِ /// و لا تتجاوزْ فيه حدَّ المُعاتِبِ
وعبارة المتنبّي "لكلّ امرئ مِن دهرِه ما تعوَّدا"
وقوله: "عيد بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ"
وقوله: "اليومَ عَهْدُكُم فأينَ الموعِدُ"
وقوله: "بادٍ هَواكَ صبرْتَ أم لَم تصْبِرا"
وقوله: "حُشاشةُ نفسٍ ودّعَت يومَ ودَّعوا"
وقوله: "على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ "
وقوله: "واحرّ قلْباه ممن قلبُه شَبِمُ "
وقوله: "أكُلّ فصيحٍ قالَ شعراً متيَّمُ؟"
وقوله: "الرأي قبلَ شجاعةِ الشّجعانِ "
وقوله: "كَفى بك داءً أن ترى الموتَ شافياً"
وقول أبي نوّاس:
دَعْ عنك لومي فإنّ اللّومَ إغراءُ /// و داوِني بالتي كانت هي الدّاءُ
ومن النّماذِج الشّعريّةِ التي اختصّ بها شُعَراءُ بأعيانِهِم، قول أبي فِراس الحَمْدانيّ: "عَصيّ الدّمع" :
أراكَ عصيَّ الدّمعِ شيمتُك الصّبرُ
وعبارَة: يَد الهَوى:
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهَوى /// وأذْللْتُ دمعاً من خَلائقِه الكِبْرُ
وقد حذا حَذوَه في هذه العِبارَة ابنُ أبي البشرِ وابنُ أبي حُصيْنَةَ وابنُ النّقيب، وقوله: أحلاهُما مرّ :
وَقالَ أُصَيحابي الفِرارُ أَوِ الرَدى /// فَقُلتُ هُما أَمرانِ أَحلاهُما مُرُّ
وقد احتذى به في هذا العبارةِ الشّاعرُ أديب إسحاق.
وقول ذي الرّمّة "ما بالُ عَيْنِكَ" :
ما بالُ عَينِكَ مِنها الماءُ يَنسَكِبُ /// كَأَنَّهُ مِن كُلـىً مَفرِيَّة سَرِبُ
وقد اشتهر الشّاعرُ المعاصرُ بدر شاكِر السّيّاب ببعض العباراتِ التي اقترَنَتْ باسمِه، وأشهرُها "عيْناكِ غابتا نخيلٍ" :
عَيْناكِ غابَتا نخيلٍ ساعَةَ السّحَرْ /// أو شُرفتان راحَ ينأى عَنهما القمرْ
فَما من شاعرٍ مـُجيدٍ إلاّ وله نموذجٌ يُعْرَفُ بِه ويُحتَذى، ومَعنى ذلِكَ أنّ كلّ شاعرٍ بأنموذجِه وأسلوبِه الخاصّ، مُبتكِرٌ، يمتازُ عن غيرِه بمعانٍ وتراكيبَ شعريّةٍ تخصُّه، وقد يأخذُها عنه اللاّحقونَ.
ويُضيفُ كاتبُ السّطورِ مثالاً واحداً، يُقاسُ عليه ما لا يَكادُ ينحصرُ من الأمثلةِ؛ فقَد أجمعوا على أنّ قولَ أبي الطيب من الاختراعاتِ التي لم يُسبَق إليها ، وهو قولُه :
حَلَفْتُ وَفيّاً إنْ رُدِدتُ إلى الصِّبا /// لَفارَقتُ شَيْبي موجَعَ القلبِ باكِيا
و قد أورَدَ ابنُ حجّة الحَمَويّ، في كتابِه "خزانة الأدب وغاية الأرب" ، في باب "ذِكْرِ سَلامة الاختِراع" كَثيراً من المعاني الشّعرِيّة، ممّا وقَع للشّعراءِ من سَلامة الاختراع، أو المَعاني المُبتَكَرَة، وذكَرَ النّويري في كتابِه "نهايَة الأرب في فنون الأدب" أنّ سلامةَ الاختِراعِ: أن يخترعَ الشاعرُ معنىً لم يُسبَقْ إليه ولم يتبَعْه أحدٌ فيه،كقولِ عديّ بنِ الرقاع في تَشبيه وَلَد الظّبية:
تزجي أغنّ كأنّ إبرةَ رَوْقِه ... قلمٌ أصابٌ من الدّواة مِدادَها
وكقولِ النابغةِ في وصفِ النّسور:
تراهنّ خلفَ القومِ زوراً عيونُها ... جلوسَ الشيوخ في مسوك الأرانب
وكقول أبي تمام:
لا تُنكري عطلَ الكريمِ منَ الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمَكان العالي
وقوله:
ليس الحجاب بِمُقْصٍ عَنك لي أملاً ... إنّ السّماءَ تُرَجّى حين تحتجبُ
وقول ابن حجاج:
وإنِّيَ والمولى الذي أنا عبدُه ... طريفان في أمر له طـرفان
بعيداً تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد في رمضان
وقريبٌ من سَلامَةِ الاختراعِ حُسنُ الاتّباع؛ وهو أن يأتي المتكلمُ إلى معنىً قد اخترعَه غيرُه فيتَّبِعه فيه اتِّباعاً يوجبُ له استحقاقَه، إما باختصارِ لفظه، أو قصرِ وزنِه أو عذوبة نظمه، أو سهولة سَبكِه، أو إيضاح معناه، أو تتميم نقصه، أو تحليته بما توجبُه الصناعةُ، أو بغير ذلك من وُجوه الاستحقاقات؛ كقولِ شاعرٍ جاهليٍّ في صفةِ جمل:
وعودٍ قليلِ الذّنبِ عاوَدتُ ضَربَه ... إذا هاجَ شَوقي مِن مَعاهدِها ذكرُ
وقُلتُ له ذَلْفاءُ، ويحكَ، سَبّبَتْ ... لكَ الضّربَ فاصبرْ إن عادتَكَ الصبرُ
فأحسن ابن المعتز اتباعه حيث قال يصف خيله:
وخَيلٍ طَواها القَوْدُ حتى كَأنها ... أنابيبُ سمرٌ من قنا الخط ذُبَّـلُ
صـبَبْنا عليها ظالـمينَ سياطَنا ... فطارت بها أيدٍ سِراعٌ وأرجلُ
و اتّبع أبو نواس جريراً، واتّبع ابنُ الرّومي النّميرِيَّ.
هذا وإنّ مَنْ يدّعي أنّ الإبداعَ لا تحكمُه مقاييسُ؛ فإنّ عبارَتَه هذه قد يتّخذُها مَن لا يُحسِنُ كتابَة الشّعر ذَريعَةً للهروب من المقاييس فلا يَخلو :
- إمّا أن يقولَها شاعِر متمرّسٌ بقولِ الشّعر، فإذا انفكّ عن المقاييس فإنّ شعرَه، على الرّغم من انفكاكِه، يأتي شعراً.
- وإمّا أن يقولَها غيرُ شاعر فيأتي كلامُه نثراً يخلو من روحِ الشّعرِ لعجزِه عن قولِ الشّعر.
وعندما نتحدّث عن مقاييس الشّعر، فإنّما نتحدّثُ عن مقاييسَ جماليةٍ تجعلُ الشّعر كلاماً جميلاً متغلغلاً في الذّات البشرية، ولكنّه لافتٌ للأسماع بإيقاعه الجميلِ، وإلاّ فلا فرقَ بينه وبين النثر.