الفتوى (652) :
إن الرجوع إلى كتب التراثِ اللغويِّ يوصلُ إلى نتيجةٍ مُؤدّاها أنه لا فرق بين الفعلين" أفرغ" المزيد بالهمزة، والفعل" فرّغ" المزيد بتضعيف عينه في المعنى؛ فلا فرق بين قولنا:" أفرغ نفسه للمذاكرة" و" فرّغ نفسه لعمل الخير". أما مصدر الفعل" أَفْرَغَ" فهو" إفراغ"، ومصدر الفعل" فَرَّغَ" فإنه" تفريغ". على أن ذيوع استعمال الفعل" فرّغ" مضعف العين في حقلِ البحث العلمي والعمل الجامعي غلّبَ استعماله في المجالات المتنوعة في الحياة العربية المعاصرة.
وعليه فأنا أزعم أنه لو قلنا:" أَفْرَغَتِ الجامعةُ الأستاذَ فلاناً" لَفُهِمَ هذا القولُ الفهمَ السَّلبيَّ الذي يبعثُ إلى القولِ" إن الجامعةَ استغنت عن خدمات هذا الأستاذ"، ولو قلنا أيضاً:" أَفْرَغت الجامعةُ الأستاذ فلاناً للبحث العلمي" لَوجدنا من بيننا من قد ينفر من وجود الفعل" أفرغ" في هذا السياق، أو يقول بخطأ استعماله، وهو قولٌ غيرُ دقيقٍ بحسب الاستعمال التراثي لهذا الفعل؛ فالقول" إن فلاناً أفرغَ نفسه للبحث" لَيعني أنه" فَرَّغ نفسه" أو" كَرَّس نفسه" أو" خَصَّصَ وقته" للعملِ المنشغلِ أو المكلَّفِ به.
ولعلَّ ما يعزز هذا القول أنَّ التكثير يشكّلُ معنىً من معاني الزيادة في الصيغتين" أَفْعَلَ" و" فَعّلَ"؛ الأمرُ الذي يعني الزيادةَ في الشيءِ الذي يقع فيه التكثير؛ وهو ما يعني تَطَلّب التّكرار والإعادة، وبذل الجهد، وزيادة الوقت. ومن أمثلتِهِ على صيغة" أَفْعَل" قولُ العرب:" أَظْبَأتِ الغابة"؛ أيْ" كَثُرت ظباؤها". و" أعال الرجل"؛ أيْ" كَثُرت عيالُه". وقولهم على صيغة" فَعَّلَ":" بَرَّكَتِ الإبل"؛ أي" كَثُرَ الباركُ منها"، والتكثيرُ هنا في الفاعل. وقوله تعالى:" وغلّقت الأبواب" والتكثير هنا في المفعول به. وقوله عز وجلّ:" وَفَجَّرْنا الأرضَ عُيونا"، والتكثير هنا في الفعل.
والله تعالى أعلى وأعلم.
اللجنة المعنية بالفتوى:
أ.د. صادق عبدالله أبو سليمان
(عضو المجمع)
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)
أ.د. عبدالرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)