سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

الحلقة الثانية عشرة:
الأستاذ الدكتور أحمد علم الدين الجندي – عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة – ورأيه في الصراع بين القُرّاء والنُحاة:
الحق أن كثيرًا من النُّحاة قد تأَثروا بمدارس علم الكلام ودعامتها: القياس والعقل، ومدرسة القراءَة ركيزتها الرواية والنقل، فالقراء أَعدل، لأَنهم لا يعلمون من حروف القرآن على الأَفشى في اللغة، والأَقيس في العربية بل على الأَثبت في الأَثر، والأَصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأَن القراءة سنة متبعة. هذا: ويجب أن نقرر (أولاً) أن موقف النحاة من القراءات ورميهم كثيرًا منها باللحن والغلط، والضرورة والشذوذ والخطأ واتهامهم القراء بالوهم تارة، والغفلة وعدم الدراية تارة أخرى، وإخضاعهم القراءات للمذاهب النحوية والأقيسة العقلية، هو الذي جرَّأ المستشرقين على الطعن في كثير من القراءات والنيل منها متسترين بلباس البحث العلمي حينًا وبالحقد الدفين والسهام المسمومة أحيانًا وهم في هذا وذاك قد تنكبوا الطريق السويّ وضلوا وأَضلوا في بعض ما كتبوا وما نقلوا.
وثانيًا: أن هذه المعارك الحامية بين الفريقين أَمدتنا بثراء في النحو العربي فتعددت مسائله، واختلفت الآراء حول كل جزئية منه: فتلاقت الآراء حينًا واختلفت أحيانًا، كما رأينا من خلال ذلك ألوانًا من التأليف جديدة تعتبر من أجل مصادر تراثنا المجيد، وكلها تدور في فلك القراءات والنحو– ناقدة ومعلِّلة، ومحتجة ومفاضِلة، وممحِّصة ومستشهِدة، وهي في جميع هذا تكشف عن آراء كل فريق والوجه الذي آثره واختاره – نقلاً وعقلاً، ورواية، ودراية.
ومن هذه المؤلفات: معاني القراءات لأبي زكريا الفراء، والحجة في علل القراءات السبع لأبي علي الفارسي، والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لأبي الفتح عثمان بن جني، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه، والكشف عن وجوه القراءات لمكي القيسي، وإعراب الشواذ للعكبري.
المصدر:
مجلة مجمع اللغة العربية – الجزء 33 – ص 159، 160.
إعداد:
مصطفى يوسف