سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثامنة والأربعون: الدكتورعبد العزيز المقالح - عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة من اليمن، ورأيه في اكتساب الطفل للغة:
يكتسب الطفل السوي لغته الأولى من أمه هذا الملاك الذي تتسرب كلماته المصحوبة بالمناجاة الحنون مع الحليب إلى روح الطفل وبدنه. ثم يأتي دور أفراد عائلته؛ ومن ثم أقرانه في الحارة والشارع. ويتجسد هذا التأثير عن طريق المحاكاة والاجتهاد في تقليد طريقة النطق. ويشير أحد الكُتَّاب المهتمين بلغة الطفل إلى أهمية دور المحاكاة في إجادة النطق واكتساب المفردات معتمدًا فيما ذهب إليه على بعض التجارب التي توصل إليها عدد من علماء اللغة الأجانب، مستظهرا على ذلك بما أورده في إحدى الفقرات من كتابه تقول: "وتشمل المحاكاة النشاطات اللغوية والحركية وكثيراً من سمات الشخصية. ويرى "بريبر" أن المحاكاة أهم عامل في تعلم اللغة عند الفرد وأنها المرحلة الحساسة في هذا التعلم. ويرى "اشترن": أنها العامل الأول الأكبر في تعلم اللغة. ويرى البعض أن المحاكاة تبدأ في الربع الأخير من السنة الأولى أو آخر السنة الأولى وأوائل السنة الثانية. أما "كاول بوهلر فيري" فيرى أننا لا نستطيع تمييز ظهور المحاكاة إلاَّ في منتصف السنة الأولى إلاّ أن البعض يرى أن المحاكاة قد تبدأ بعد الشهر التاسع.
وأيّـا كان الاختلاف الدائر بين علماء اللغة حول الفترة التي يبدأ معها الطفل السويّ في محاكاة الآخرين بوصفها خطوة أولى نحو اكتساب اللغة فإنه عندما يدخل إلى المدرسة يكون قد اختزن عدداً ليس بالهيّن به من المفردات تمكنه من فهم الدروس الأولية تلك التي يتلقاها التلاميذ في الحضانة أو الفصول الأولى من المدارس الابتدائية. وهكذا ما يكاد يتجاوز مرحلة الطفولة حتى يكون قد استوعب قدراً من المفردات تؤهله للتفاهم مع مجتمعه كأي واحد من أفراده الذين يتكلمون لغة واحدة ويعبِّرون بها عن احتياجاتهم اليومية وعن أحلامهم وأشواقهم، ومهما اختلفت العادات والتقاليد والثقافات فإن تلك-في تصوري-هي المعالم الرئيسة للمرحلة التي لابد للطفل من أن يجتازها في بداية حياته لاكتساب لغته القومية وامتلاك أول قواعدها بالتدريج عبر مراحل الطفولة التي يجتهد البعض إلى تقسيمها إلى أربع مراحل أو أطوار هي:
أولاً: مرحلة الميلاد.
ثانياً: مرحلة الطفولة المبكرة.
ثالثاً: مرحلة الطفولة المتوسطة.
رابعاً: مرحلة الطفولة المتأخرة.
وكثيرة هي الوسائل التي تساعد الطفل على اكتساب لغته وزيادة حصيلته من مفرداتها ومن أهم تلك الوسائل "الحكاية" سواءً منها ما يُروى أو ما يُقرأ، فالطفل كما يثبت الواقع وتؤكده الدراسات العلمية يقبل على الحكاية بشغف ويحاول أن يحتفظ بتعابيرها البسيطة وبمفرداتها التي ستزيد من مخزونه اللفظي، وتنمي ثروته اللغوية وقدرته التعبيرية مثل الحكاية، القصائد الشعرية والأناشيد التي يراعى في كتابتها سن الطفل ومستوى وعيه. وسنتوقف بداية عند تأثير الحكاية في لغة الطفل كونها غنية بالتشويق والإغراء على المتابعة. لقد امتلأت مكتبة الأطفال العربية بالكثير من الحكايات المؤلفة عربياً والمترجمة عن اللغات الأخرى. وقد كان المرحوم كامل كيلاني أول كاتب عربي أعطى لثقافة الطفل اهتماما خاصا وأمده بوفير من الحكايات المبسطة والمختارة من عيون الأدب العربي والغربي ووضع بين يديه ترجمات بالغة العذوبة لنماذج من المسرح الشكسبيري. ثم اقتدى به آخرون من الكتَّاب العرب الذين قدَّموا للطفل العربي مكتبة تزخر بالمؤلف والمُترجَم وفي طليعة هؤلاء الكاتب الراحل عبد التواب يوسف الذي وهب عمره كله للطفولة والأطفال ولسد النقص القائم في حياتنا إزاء الملايين من أطفالنا الذين حرمتهم ظروف التخلف المتلاحقة من أبسط وسائل المعرفة والتثقيف المبكر.
لقد تفوق كاتب الأطفال عبد التواب يوسف على نفسه وعلى غيره في عدد الكتب التي أصدرها عن الأطفال والطفولة، إذ بلغت في آخر إحصاء إلى ألف كتاب أغلبها من تأليفه والقليل منها فقط من ترجمته. وفيها الديني والتراثي والتاريخي والعلمي بالإضافة إلى الخيالي والخرافي. وأعطى اهتماما خاصا بحياة الأنبياء والسير الشعبية وقصص الحيوانات. كل ذلك لكي يتمسك الطفل العربي بتاريخه وليتمكن من إتقان لغته والانفتاح على موروثها العلمي والأدبي والفكري. بل إننا نجد هذا الكاتب في واحدة من أهم الدراسات تحت عنوان "خريطة أدب الأطفال" يرفع صوته صارخاً عن ضآلة ما يُنشر في الوطن العربي للطفل مقارنة بما ينشر في الدول الأخرى حيث يقول: "إنَّ كمَّ الكتب الأدبية الصادرة للأطفال ضئيل إلى حدٍ بعيد، ولا يكاد يذكر، وإن العناوين الجديدة قليلة إلى درجة مزعجة، وعدد النسخ المطبوعة من هذه العناوين ما بين 3000 و 5000 نسخة، على أن عدد الأطفال القراء يزيد على أربعين مليوناً، متناثرين في القرى والبوادي، قد لا يصلهم كتاب واحد... ولدينا من الإحصائيات ما يؤكد المجاعة الأدبية التي يعيشها طفلنا العربي، إذ يصدر في أمريكا قرابة خمسة آلاف كتاب سنويا، بينما الوطن العربي الذي لديه تقريبا عدد أطفال أمريكا فهو لا يصدر أكثر من 5% من هذا القدر. وأمّة لا تقرأ لا تستهلك من ورق الطباعة أصلاً إلاَّ 10% مما تستهلكه بلجيكا التي لا يزيد عدد سكانها عن 10% من الأمة العربية".
ويأتي الاهتمام بتوسيع مكتبة الطفل العربي من أهمية دورها في تأسيس المعرفة الشاملة وزيادة الحصيلة اللغوية ليس لدى الأطفال فحسب، وإنما لدى الكبار أيضاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أمة "اقرأ" تكاد لا تعرف القراءة قياسا بالأمم الأخرى كما لم يأخذ الكتاب مكانته بعد حتى في صفوف أولئك الذين نالوا تأهيلاً جيدا في الجامعات والمعاهد. والدليل على ذلك الإشارة في الفقرة السابقة التي تشير إلى أن ما يُطبع في الوطن العربي من كتب في مختلف المعارف لا يشكّل سوى نسبة ضئيلة بالقياس إلى عدد المؤهلين للقراءة والقادرين على متابعة كل ما يُنشر.
المصدر: عن لغة الطفل العربي المعاصر. د. عبد العزيز المقالح. بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة. مارس 2016م.
إعداد: مصطفى يوسف