الجواب:
بقلم
أ. د. صادق عبد الله أبو سليمان
عضو المجمع، وأستاذ العلوم اللغوية والعروض/ جامعة الأزهر- فلسطين
اختصني مجمع اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية- مكة/ السعودية للإجابة عن هذا السؤال، ونصه:" السلام عليكم ..أجد في شعر المتنبي قوة تضاهي قوة شعراء الأمويين فلماذا لا نستشهد بشعره في اللغة ؟"، أستعين الله العلّامَ العليم فأقول:
بدايةً أحبُّ أنْ أقول: إني من المؤمنين بأن اللغةَ لسانُ حالِ أهلها؛ فهي تلبي احتياجاتهم منها، وذلك بتعبيرها عن كل جوانبِ حيواتهم، وهذا يعني أنها في نموٍّ وتكاثرٍ يمكِّنها بهمةِ أهلها أن تُعبِّرَ عن كلِّ جديدٍ لأهلها حضارةً أو علماً أو مصطلحاً وما إلى ذلك.
وإذا كان المعجم هو الكنز الحافظ لِلُغةِ أهله فإنه- لكي يكون شاملاً وكاملاً متكاملاً يعبِّرُ عن مفرداتهم وتراكيبهم في مختلِفِ العصور- ينبغي له أنْ يُسجِّلَ كلَّ إنتاجِ أهلِ لغتهِ في مختلِفِ مجالاتِ الحياة، وهذا هو المنهجُ القويمُ المعقولُ الذي يجبُ اتباعُهُ في حِفْظِ أيِّ شيءٍ يريدُ الإنسانُ أنْ يحتفظَ به، وهذا منهجٌ قويمٌ يجبُ تطبيقُهُ في مجالاتِ حفظِ اللغةِ، سواءٌ حفظها في المعجمات المكتوبة أم المدونات أم الذخائر اللغوية المحوسبة.
وقد كان العالمُ المسلمُ ابنُ قتيبةَ مستنيراً حين خرجَ على فكْرِ علماءِ عصرهِ الذين وقفوا بجمع اللغةِ وأدبها، أو إن شئت فقل: وقفوا عند اعترافِهم بالفصاحةِ لغةَ وشعراً ونثراً وحديثاً نبوياً عند حدودٍ بل قيودٍ أو معاييرَ زمنيةٍ وعِرْقِيةٍ ومَكانيةٍ؛ فما انطبقت عليه هذه المعاييرُ اعترفوا له بالفصاحة، وما خالفها رفضوه وبهرجوه. قال ابن قتيبة في كتابه" الشعر والشعراء":" ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمنٍ دون زمن، ولا خَصَّ به قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهرٍ، وجعل كلَّ قديمٍ حديثاً في عصره"( 1).
ظلَّ التقيدُ بهذه المعاييرِ مهيمناً في مختلِفِ أماكنِ اللغةِ العربيةِ فَأَثَّرَ سلباً في مجالِ جمعِها وتصنيفِها وحفظِها معجمياً، وإنْ خرجَ عليهِ على استحياءٍ أو وجَلٍ قلةٌ قليلةٌ من علماءِ العربيةِ، حيثُ أثبتت في مصنفاتها بل استشهدت في سياقاتٍ منها بشيءٍ من جديدِ اللغةِ والأدب. ونما هذا الاتجاهُ المحدودُ- عند هذه القلةِ- باطّلاعِ علماءِ العربيةِ المُحْدَثين على مباحثِ علماءِ اللسانيات" Linguists " في نموِّ اللغةِ وتطورِها، وعنايتهم في معجماتهم ودراساتهم الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية بتسجيل تغيرات اللغة، وإضافةِ جديدِها في المفرداتِ والتراكيب والدلالات.
وجدنا في هذا السياقِ في العصر الحديث دعواتٍ مستنيرةً لفكِّ القيودِ، بالخروج على حدود الزمان والمكان والجنس، و وذلك من خلالِ ما تَقَدَّمَ به أصحاب هذه الدعواتِ من مناهجَ وآراءٍ وأفكارٍ ومقترحاتٍ دعَوا فيها إلى جمعٍ جديدٍ للغةِ العربية: قائمٍ على وصفِ اللغةِ قديمِها وحديثِها كما هي، واستقرائها وإحصاءِ استعمالاتِها الواقعيةِ الإحصاءَ العلميَّ الدقيق. وصدرت توصياتٌ ودعواتٌ لتقديمِ دراساتٍ علميةٍ في لغة الأدباء القدامي والمحدثين والمعاصرين تعضد هذا الهدفَ، وتصبُّ في خدمتِهِ، وذلك بما ستقدمُهُ له من معلوماتٍ تكشفُ عن خصائصِ حاضرِ اللغةِ بصفةٍ عامةٍ.
ستقدمُ لنا هذه الدراساتِ وَصفاً موضوعياً لخصائصِ اللغةِ الصوتيةِ والبنيويةِ والتركيبيةِ والدلاليةِ والأسلوبيةِ يكشفُ عمّا وافقَ خصائصَ اللغةِ التراثية، وما تَغَيَّرَ منها، أو جَدّ فيها من وضعٍ جديدٍ يوافقُ الخصائصَ النظاميةَ الموروثةَ أو يخالفها.
وجد هذا الاتجاه قبولاً عند جمهرةٍ من علماء اللغة العربية في الجامعات، ومجامع اللغة العربية والعلمية، ولاسيما مجمع اللغة العربية في مصر الذي اتخذ قراراً بقبول أوضاع المحدثين والسماع منهم، وطبقه في معجماته الكبير والوسيط والوجيز، واتخذ قراراتٍ وتوسعاتٍ لغويةً بناءً على ذيوعِ استعمالاتٍ لغويةٍ حديثةٍ ومعاصرةٍ وجدَ لها تأييداً في استعمالاتٍ سابقة.
جعل هذا المجمعُ العتيدُ من معجماته اللغوية- الكبير والوسيط والوجيز- مجالاً خصباً لتطبيق قراراتهِ بشأنِ مدِّ ثروة اللغة العربية بروافدَ عربيةٍ جديدةٍ، مثل: تكملة فروع المادة اللغوية والاشتقاق من الجامد والقياس وغير ذلك.
إن مجمع اللغة العربية( مصر) ينظر إلى اللغة نظرةً امتداديةً لا يفضل فيها عصراً على عصر، أو مكاناً على مكان؛ فاللغة عنده" كل متصل الأجزاء يرتبط حاضره بماضيه، وهما معاً يعدان لمستقبله، وللعربية قديمها الخالد، وحاضرها الحي، ومستقبلها الزاهر، ومن الظلم- كما يقول- أن نقف بها عند حدود زمنية معينة، وينبغي أن يعبر المعجم الحديث عن عصور اللغة جميعها، وأن يستشهد فيه بالقديم والحديث على السواء. وهكذا فإن مادة معجمات المجمع لا تقتصر على ما جاء في المعجمات القديمة فقط، وإنما وجدناها تضيف إليها ما وقع عليه المجمعيون من جديد استعمال الأدباء من القدماء والمحدثين على حد سواء، وكذلك أضافوا إليها المصطلحات والألفاظ الحضارية الجديدة التي أقروها.
في ضوءِ ما تقدم يسْهلُ علينا القول إن المتنبي شاعر العروبة الأول، وهو الذي وأسمع بإبداعه فيه من به صمم، ونظر الأعمى إلى شعره، وروى الدهر قصائده، وسار بشعره من لا يسير مشمرا، وغنى به من لا يغني مغرّدا ت شاعرٌ يمثل قمةَ الفصاحةِ العربية؛ لذا فإننا اليوم نستشهد بشعره في مصنفاتنا، ونستشهد بأحمد شوقي والبارودي وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود ومحمود درويش و" صادق أبو سليمان" و" أنت" إذا ما شهد البلغاء والمتخصصون بالجدارة اللغوية.
والله الموفق والمستعان
**** *** ****
(1)محمد عبدالله بن مسلم قتيبة: الشعر والشعراء أو طبقات الشعراء، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، ومراجعة: د. نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2/ 1985م/ ص19.