الفعل (دَشَّنَ) عربيٌّ أم مُعَرَّبٌ؟
د. مصطفى شعبان
يدور الفعل (دَشَّنَ) كثيرًا على ألسنة الإخباريين والإعلاميين، وفي مقالات الكُتَّاب والصَّحفيين، فهل له أصل عربيٌّ أم لا؟ وما أصل معناه في لغة العرب؟ وهل هو مُعَرَّبٌ؟
أسئلة تُجيب عنها هذه العُجالة البحثية حيث لفت نظري اتساع استخدامه نظرًا لانطوائه على إيجاز بليغ لعدد من المعاني التي يُعبر بهذا الفعل عنها، ففي "معج اللغة العربية المعاصرة"745/1:
"دشَّنَ يدشِّن، تدشينًا، فهو مُدشِّن، والمفعول مُدشَّن
• دشَّن الرَّئيسُ المَشْروعَ:
1 - افتَتَحه في حَفْلٍ عامٍّ "دَشَّن المصنعَ".
2 - أعطى الإشارة لتشغيله في حفل مشهود "دشَّن السفينةَ".
• دشَّن سياسةً أو نحوَها: شرع في العمل بها ونفَّذها "دشَّن قوانين تهيِّئ المناخ الملائم للاستثمار".
فـ(دَشَّن) يعني: افتتح جديدًا، أو أعطى إشارة البدء، أو شرع في العمل والتنفيذ.
فالفعل (دشَّن) إذًا في لفظه الواحد موجِزٌ لمعاني جُمَلٍ فعلية استُعيضَ عنها به لإيجازه.
لكن هل له أصل في لغة العرب؟
قال الخليل في العين 243/6: "دشن: داشن معرّب من الدَّشنِ، والدّاجنُ مثله وهو كلامٌ عراقيٌّ ليس من كلام البادية".
وقال الأزهري في التهذيب221/11: "دشن: قَالَ اللَّيْث: دَاشِنٌ مُعرَّب من الدَّشْنِ، وَهُوَ كلامَ عِراقِيّ لَيْسَ من كَلَام الْبَادِية.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: الدّاشِنُ والْبُرْكَةُ كِلَاهُمَا الدَّسْتَارَان، يُقَال بُرْكَةُ الطَّحَّان".
وقال الفيروزآبادي في قاموسه 1196: "دَشَنَ: أعْطَى.
وتَدَشَّنَ: أَخَذَ.
ودَاشانُ: د.
والدَّاشِنُ: مُعَرَّبُ الدَّشِنِ، يَعْنُونَ به الثَّوْبَ الجديدَ لم يُلْبَسْ، والدارَ الجديدةَ لم تُسْكَنْ".
وقال ابن منظور في لسان العرب155/13: "دشن: داشِنٌ: مُعَرَّبٌ، مِنَ الدَّشْن، وَهُوَ كَلَامٌ عِرَاقِيٍّ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهل الْبَادِيَةِ كأَنهم يَعْنُونَ بِهِ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ الَّذِي لَمْ يُلبس، أَو الدَّارَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي لَمْ تُسْكَنْ وَلَا اسْتُعْمِلَتْ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الداشِن والبُرْكة كِلَاهُمَا الدَّسْتارانُ، وَيُقَالُ: بُرْكة الطحان".
وقال الزبيدي في تاج العروس 35/13: "(دَشَنَ) دَشْنًا أهمله الْجَوْهَرِي، أَي أعْطى (وتدشن: أَخذ) (وداشان: د) (والدَّاشِنُ، مُعرب الدَّشْنِ) وَهُوَ كَلَام عراقي، وَلَيْسَ من كلام أهل الْبَادِيَة، لأَنهم (يعنون بِهِ: الثَّوْب الْجَدِيد) الَّذِي (لم يلبس) أَو الدَّار الجديدة) الَّتِي لم تسكن) وَلَا اسْتعْملت".
فالفعل (دَشَّن) -مما سبق- يمكن أن يكون مشتقًّا من الدَّشْنُ، وهو كما قال الخليل وتبعه المعجميون ليس من كلام البادية وهو مُعَرَّبٌ من كلام العراقيين، وفسره الفيروزآبادي بأنه الثَّوْبَ الجديدَ لم يُلْبَسْ، والدارَ الجديدةَ لم تُسْكَنْ.
تكاد المعاجم تتفق على هذا، ولم ينفرد عنها إلا القاموس المحيط الذي زاد من معاني الفعل (دَشَنَ): أعطى، و(تَدَشَّنَ): أخذ، ونقله عنه تاج العروس.
فكأنَّ الشيء الجديد الذي لم يستعمل من قبل يُقال له داشِنٌ، وعليه فـ(دَشَّنَ) مضاعف (دَشَنَ) يصلح أن يكون أصلًا لما يُستعمل اليوم بمعنى افتتح شيئًا جديدًا، أو أعطى إشارة البدء، أو شرع في العمل والتنفيذ لشيء جديد، والله أعلم.