الفرق بين: (ادخلي في عبادي) و(ادخلي مع عبادي)
أ.د أحمد محمود عبد القادر درويش
يقول ربنا في محكم التنزيل:
﴿فَادخُلي في عِباديوَادخُلي جَنَّتي﴾[الفجر: ٢٩-٣٠]
لعل هاتين الآيتين من أشهر الآيات التي نرددها في مناسبات خاصة ، وقد أثارت كلتاهما انتباهي ، فرأيت أنه يجوز أن نسأل ثلاثة أسئلة لمحاولة التدبر ، والإشعار بأن القرب من الله نهايته الاطمئنان والرضاء في جناب الله ...
الأول : هل ( في) بمعنى ( مع ) كما قال الكوفيون فيكون المعنى فادخلي مع عبادي ؟ ...
الثاني : لم قدم لقاء العباد على دخول الجنة " في عبادي وادخلي جنتي " بتقديم العباد على الجنة ؟ ...
الثالث : لمَ لمْ يأت حرف الجر في ( وادخلي جنتي) فيقال وادخلي في جنتي ؟ ...
أما الأول : فالحرف ( في ) ليس بمعنى ( مع ) ؛ لأن ( في عبادي) ، دال على احتفال خاص بهذه النفس المؤمنة ، فهي ليست في أي مكان وإنما مكانتها وسط الصالحين ، فهم ملتفون حولها ، مكرمون لها ، فكأنها واسطة العقد كرامة وحبا ، وهذا يعني أنا لو فسرنا ( في) بمعنى ( مع) فسيقتل إشعاع النظم ، وستكون مجرد نفس مع مجموعة نفوس ، ليس لها من تكريم مطلقا ...
أما الثاني : فالدخول في العباد قبل الجنة ؛ لإشعار هذي النفس الراضية بالأنس والصحبة ، فكأن الجميع ينتظرها ترحيبا وفرحا بقدومها ...فيتحقق لها ما وصفها الله به في قوله ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُارجِعي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]
فتحوز الرضاء التام والاطمئنان الزؤام بسبب ما قوبلت به من حفاوة نادرة ، وحب مسترسل عميق ، فلا وحشة ، ولا انفراد ، وإنما الصحبة الصحبة ...
أما الثالث : فعدم وجود ( في) في قوله ( ادخلي جنتي) واش بأن كل ركن من أركان الجنة وكل مكان متاح لهذي النفس ، فلا مكان يحصرها ، ولا مانع يمنعها ، وإنما لها أن تسرح وتمرح في كل الأركان ، وربما لو جاءت ( في ) هنا لدل على مكان محدد ... فخلو التركيب من ( في) وسع لها ، وأتاح لها كل مكان لتتنعم فيه ...
اللهم اجعلنا راضين مرضيين بجنابك وقربك يا رحمن يا رحيم...