سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

الحلقة الرابعة:
الشاعر والإعلامي الأستاذ فاروق شوشة- الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة والرئيس الأسبق للإذاعة المصرية، ورأيه في:
1- هل اللغة العربية في أزمة؟ وكيف نستطيع النهوض بها؟
اللغة العربية في أزمة؛ لأن الإنسان العربي في أزمة, أحوال اللغة لا تنفصل عن الإنسان, إذا وجدنا إنسانًا أميًّا لم يتعلم؛ اللغة العربية في هذه الحالة ليست في أزمة ولكنها ميتة, إذا وجدنا إنسانًا لا يُحْسِن تعلم لغته؛ لأن المدرسة لا تعلِّم والجامعة لا تعلِّم؛ سنقول هذا الإنسان هو المسئول عن المستوى اللغوي الهابط الذي يمارسه عندما يتكلم أو عندما يكتب, إذا وجدنا لغة لا يحترمها قومها: في المدرسة, في الجامعة, في الإعلام, في الصحافة, في أي منبر تُستخدم فيه اللغة. انظر إلى الصحافة الآن التي أصبحت تُكتب بالعامية, وإلى برامج الإذاعة والتليفزيون والفضائيات بالعامية القبيحة, العامية الساقطة, وليس مجرد العامية التي كنا نجدها قديمًا في الأفلام المصرية؛ فنجد الاحترام وأدب الحوار واللغة السليمة, وإن كانت عامية. أما الآن فالشتائم والتعابير البذيئة موجودة في الأغاني, موجودة في الأفلام, موجودة في المسرحيات. إن المساحة المُعْطاة للغة الصحيحة في كل أجهزة الدولة مساحة قليلة جدًّا تتمثل في نشرات الأخبار أو في القراءات القرآنية أو في بعض البرامج التراثية والعلمية والثقافية. لكن الكثرة الكاثرة مما يقدمه المجتمع يقدمه بعامية هي عامية قاع المجتمع؛ لذلك تكثر فيها البذاءة, وتكثر فيها السوقية.. لا إصلاح للغة إلا بإصلاح المتعلم, أن نتعلمها في المدرسة ومنذ النشأة تعلمًا صحيحًا؛ لنحبها وليس لنكرهها كما هو الحادث الآن.
2- وهل هناك فجوة بين الأجيال؟ وكيف يمكن تحقيق التواصل بين الشباب بطاقاتهم وحماسهم والشيوخ بخبرتهم وعلمهم؟
قديمًا كانت الأسرة هي المجتمع الصغير, وكان الأبناء يربيهم الكبار؛ تعليمات الأم والأب هي الدستور والقانون. الآن أصبحت أجيال الأولاد والبنات يتأثرون بالشِّلَّة أكثر مما يتأثرون بالبيت, ويتأثرون بالتليفزيون والفضائيات والأغاني والتجمعات أكثر مما يتأثرون بالبيت. لم يعد للبيت دور في تنشئة الأبناء إلا فيما ندر؛ أما في معظم الأحوال تجد الأب طوال اليوم مشغولاً في عدد من الأعمال, وتجد الأم المشغولة هي الأخرى بالعمل تركت أولادها للمربية أو لكذا أو لكذا, وانتهت العلاقة الحميمة التي كان ينبغي أن تكون. إذن نحن نربي أطفالاً بدون قدوة من الأب أو الأم, وفي غيبة من هذين العنصرين, ونترك الأطفال يقعون في واقع العلاقات الاجتماعية التي يمارسونها في النادي أو في الحفلات أو في الأنشطة المتاحة!....إلخ. هذا خلق الفجوة بين الأجيال, أنا أذكر في جيلي أني لم أكن أبتعد عن أبي إلا خطوات قليلة؛ لأني طيلة الوقت أنظر إليه, أقلِّده, أحاكيه, أنتبه إلى ملاحظاته, أحاول ألا أُغضبه أو أُسخطه. الجيل الذي جاء بعدي الآن ماذا يفعل؟ يخرج على كل هذه الشرعية, ويمارس حياته بكل حرية.
في عصر التقنية العلمية الحديثة وعصر السرعة وعصر السماوات المفتوحة.. هل تراجع الاهتمام بالشعر والأدب؟ ولماذا؟
نعم تراجع الاهتمام بالشعر أو بالأدب، الشعر لكي ينتشر محتاج إلى قارئ, قارئ الشعر لابد أن يكون مُحْكِمًا للغته, يستطيع أن يقرأ القصيدة أولاً قراءة صحيحة, ثم يتسلل إلى زوايا وأعماق هذه القصيدة. الآن خريج الجامعة لا يستطيع أن يقرأ نصًّا شعريًّا؛ بل إن بعض أساتذته لا يُحسنون تدريس هذه النصوص الشعرية. كيف أطمع في وجود قارئ للشعر ولغته مُهَلْهَلة, غير متماسكة, لم يتعلمها التعلم الصحيح؟! النشء عمومًا يستطيع أن يقرأ قصة وأن يقرأ رواية؛ لأنه يحوِّلها إلى حدوتة. أما النص الشعري فيتطلب إدراكًا للغة التي كُتب بها الشعر, وهذا هو التحدي الصعب.
نقاش وحوار:
مصطفى يوسف