سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

80-أ.د.علي مدكور، ورأيه في تحديات النهوض باللغة العربية:
يمكن إجمال تحديات النهوض باللغة العربية فيما يلي:
1-عدم إلمام الكثيرين منا بجوانب إشكالية اللغة؛ حيث يقتصر تناولها في أغلب الأحوال على الجوانب التعليمية والتعريبية، خوفًا من الخوض في دراسة علاقة اللغة العربية بالدين، والسياسة، والقومية، والوطنية، والمعلوماتية، والبيولوجيا الجزيئية.
2-قصور العتاد لمعظم منظِّرينا اللغويين، خاصة بعد أن أصبحت اللغة ساحة ساخنة للتداخل الفلسفي، والعلمي، والتربوي، والفني، والإعلامي والتقاني.
3-خطأ التشخيص لدائنا اللغوي؛ حيث يُوجَّه الاتهام إلى إدانة اللغة العربية ذاتها تحت زعم أن هذه اللغة الإنسانية العظيمة تحمل بداخلها كوامن التخلف الفكري والعجز عن تلبية مطالب العصر!
4-الابتعاد عن السبب الحقيقي وراء ذلك، وهو العولمة الاقتصادية، وانبهار الجماهير العربية بالثقافة الغربية ولغاتها، وتدهور اهتمامهم باللغة العربية، وضعف اعتزازهم بها، وإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة والجامعات الخاصة، التي تعلم باللغات الأجنبية، والافتخارُ بذلك واعتباره نوعًا من الوجاهة الاجتماعية، ودليلاً على التقدم الحضاري! وهنا تكون أزمة اللغة العربية دليلًا شاهدًا على الانتكاسة الثقافية للأمة في الوقت الحاضر.
5-غياب إرادة الإصلاح اللغوي؛ فحركات التعريب تواجه معارضة شديدة بعد أن سارت شوطًا لا بأس به من قبل، والحكومات عاجزة، أو فلنقل بصراحة-غيرُ راغبة في فرض تشريع مُلْزِم بعدم استعمال اللغات الأجنبية في التعليم، وفي لافتات المحلات، وغير راغبة في أن تقتدي حتى بإسرائيل التي تحرِّم استخدام المصطلح الأجنبي الذي يتم إقرار مقابل له باللغة العبرية!
6-عولمة تعليمنا، بحيث لا يعكس سياساته، ومفاهيمه، وسلوك مدرسيه، وأداء طلابه، ما للغة الأم من أهمية، فالاهتمام باللغة العربية لا يتم إلا من خلال المقرر الخاص بها! وأما المقررات الأخرى فحرة طليقة من قيود العربية والالتزام بها، وفي مقرر اللغة العربية ذاته، يتم اختزال النحو في إعراب أواخر الكلم!... وهكذا لم يثمر التعليم العربي- في الواقع- إلا مزيدًا من عزوف الطلبة عن مداومة تعلم لغتهم الأم، وتذوق مآثرها!
7-التعليم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العام والعالي، وبالرغم من الحقيقة العلمية التي أجمع عليها الباحثون واللغويون، وهي أن التعليم بغير اللغة الأم يغلق مفاتيح الفكر، ويعوق عملية الإبداع والابتكار لدى المتعلمين، فإن المخططين للسياسة التعليمية قد صموا آذانهم- رغم الاعتراضات المتكررة في كل الندوات والمؤتمرات- عن سماع ذلك، وسمحوا بإنشاء المدارس التي تعلِّم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العام، وهو الأمر المُحَرَّم لدى الدول المتقدمة، كما سمحوا بفتح الشُّعَب والأقسام التي تعلِّم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العالي حتى في الكليات النظرية!
8-الربط بين تعليم اللغات الأجنبية وأماني الدخول إلى "العالم المتحضِّر" والحصول على وظائف مميزة في المستقبل، بينما يرتبط تعليم اللغة العربية بالمجردات الغائبة كـ"الحفاظ على الهوية"، و"الالتزام الوطني"، و"الولاء والانتماء الثقافي"... وغير ذلك مما يغيب عن وعي التلاميذ وأولياء الأمور.
9-نجاح الاستعمار في تهميش اللغة العربية، وخلق اتجاه سلبي نحوها، وربطها بمظاهر التخلف، عن طريق محاولة طردها من المواقع المتقدمة في الحياة المعاصرة، وللأسف فإن الكثيرين من أبناء جلدتنا يحققون للاستعمار أهدافه في هذا السبيل، حتى أصبح الحراك الاجتماعي للأفراد مرتبطًا باللغات الأجنبية، وبخاصة الإنجليزية، التي أصبحت – وحدها- مناط المكانة الاجتماعية، والدور الثقافي...وهكذا حدث في ذهن كثير من المثقفين العرب تلازمٌ بين مفهوم التخلف الاجتماعي والتقاني وبين الثقافة العربية، وفي أساسها اللسان العربي.
10-النظر إلى اللغة العربية بوصفها "وعاء" أو "أداة" أو "وسيلة" للتعليم والاتصال بقطع النظر عن قيمة تعليم العربية لترقية القدرات العقلية، وتنمية مفاتيح الفكر وملكات التأمل والاكتشاف والإبداع.
المصدر: اللغة العربية وتحديات النهوض، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 120-122.
إعداد: د.مصطفى يوسف