مقدمة في كتاب
كتاب الممتع في التصريف لابن عصفور
ذكر شرف علم التصريف وبيان مرتبته في علم العربية
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.
لتصريف أشرف شطري العربية وأغمضهما:
فالذي يبين شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية، من نحوي ولغوي، إليه أيما حاجة؛ لأنه ميزان العربية؛ ألا ترى أنه قد يؤخذ جزء كبير من اللغة بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف، نحو قولهم: "كل اسم في أوله ميم زائدة مما يعمل به وينقل فهو مكسور الأول، نحو: مطرقة ومروحة، إلا ما استثني من ذلك". فهذا لا يعرفه إلا من يعلم أن الميم زائدة، ولا يعلم ذلك إلا من جهة التصريف. ونحو قولهم: "إن المصدر من الماضي، إذا كان على وزن أفعل، يكون مفعلًا بضم الميم وفتح العين. نحو: أدخلته مدخلا"؛ ألا ترى أنك لو أردت المصدر من "أكرمته"، على هذا الحد، لقلت: "مكرمًا" قياسًا، ولم تحتج فيه إلى السماع، إذا علمت أن "أكرم": "أفعل"؟ ألا ترى أن ذلك كله لا يُعرف إلا بالتصريف؟ وأشباه ذلك كثير.
ومما يبين شرفه أيضًا أنه لا يوصل إلى معرفة الاستقاق إلا به؛ ألا ترى أن جماعة من المتكلمين امتنعوا من وصف الله -سبحانه- بـ "حنان"، أنه من الحنين، والحنة من صفات البشر الخاصة بهم، تعالى الله عن ذلك؟ وكذلك امتنعوا أيضًا من وصفه بـ "سخي"، لأن أصله من الأرض السخاوية وهي الرخوة. بل وصفوه بـ "جواد"؛ لأنه أوسع في معنى العطاء، وأدخل في صفة العلاء. وامتنعوا أيضًا من وصفه ب"الدَّاري"، وإن كان من العلم، لأن أصله من الدَّرِيَّة. وهي شيء يضعه الصائد لضرب من الحِيلة والخديعة. فكأن ما يقدمه الذي يريد أن يتوصل إلى علم شيء، من الأدلة بمنزلة الدرية التي يتوصل إلى ختل الصيد وخدعه. فأما قول بعضهم:
لا هُمَّ لا أدري وأنت الداري
فغير معرَّج عليه ولا مأخوذ به. ووجهه أنه أجراه مجرى "عالم"، ولم يلتفت إلى أصله. ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات، في حق الله تعالى4.
والذي يدل على غموضه كثرة ما يوجد من السقطات فيه لجلة العلماء؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد، من أنه قال في مندوحة من قولك "مالي عنه مندوحة" أي متسع: إنها مشتقة من انداح؟ وذلك فاسد لأن انداح: "انفعل" ونونه زائدة. ومندوحة: "مفعولة" ونونه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكانت "منفعلة". وهو بناء لم يثبت في كلامهم. فهو، على هذا، مشتق من الندح، وهو جانب الجبل وطرفه، وهو إلى السعة.
ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب، من أنه جعل أُسكُفَّة الباب من "استكف" أي: اجتمع. وذلك فاسد، لأن استكف: "استفعل" وسينه زائدة، وأسكفة: "أُفْعُلَّة" وسينه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه "أُسفُعْلَة"، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم.
وكذلك أيضًا حكي عنه أنه قال في تَنُّور: إن وزنه "تَفْعُول" من النار. وذلك باطل؛ إذ لو كان كذلك لكان تَنْوُورًا. والصواب أنه "فَعُّول" من تركيب تاء ونون وراء، نحو: تَنرَ، وإن لم ينطق به.
وقد حكي عن غيرهما، من رؤساء النحويين واللغويين، من السقطات نحوٌ مما ذكرنا. إلا أني قصدت إلى الاختصار، وفي هذا القدر الذي أوردناه كفاية.
وقد كان ينبغي أن يقدَّم علم التصريف على غيره من علوم العربية، إذ هو معرفة ذوات الكلم في أنفسها من غير تركيب. ومعرفة الشيء في نفسه، قبل أن يتركب، ينبغي أن تكون مقدمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب. إلا أنه أُخِّر للطفه ودقته، فجعل ما قدم عليه من ذكر العوامل توطئة له، حتى لا يصل إليه الطالب، إلا وهو قد تدرب وارتاض للقياس.