علم التصريف والحاجة إليه
من كتاب المنصف شرح التصريف لابن جني
وهذا القبيل من العلم -أعني التصريف- يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به, وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف؛ وذلك نحو قولهم: إن المضارع من فَعُل لا يجيء إلا على يَفْعُل بضم العين، ألا ترى أنك لو سمعت إنسانا يقول: كرُم يكرَم بفتح الراء من المضارع، لقضيت بأنه تارك لكلام العرب, سمعتهم يقولون: يكرم أو لم تسمعهم؛ لأنك إذا صح عندك أن العين مضمومة من الماضي قضيت بأنها مضمومة في المضارع أيضا قياسا على ما جاء. ولم تحتج إلى السماع في هذا ونحوه, وإن كان السماع أيضا مما يشهد بصحة قياسك. ومن ذلك أيضا قولهم: إن المصدر من الماضي إذا كان على مثال أَفْعَلَ يكون مفعلا -بضم الميم وفتح العين- نحو: أدخلته مُدْخَلا، وأخرجته مُخْرَجا، ألا ترى أنك لو أردت المصدر من أكرمته على هذا الحد لقلت: مُكْرَما قياسا، ولم تحتج فيه إلى السماع، وكذلك قولهم: كل اسم كانت في أوله ميم زائدة مما يُنقَل ويُعمَل به فهو مكسور الأول، نحو مِطْرَقة ومِرْوَحة، إلا ما استُثني من ذلك. فهذا لا يعرفه إلا من يعلم أن الميم زائدة، ولا يعلم ذلك إلا من طريق التصريف، فهذا ونحوه مما يستدرك من اللغة بالقياس.
ما لا يُؤخذ من اللغة إلا بالسماع:
ومنها ما لا يُؤخذ إلا بالسماع، ولا يُلتفت فيه إلى القياس، وهو الباب الأكثر نحو قولهم: رجل وحجر، فهذا مما لا يقدم عليه بقياس، بل يرجع فيه إلى السماع. فلهذه المعاني ونحوها ما كانت الحاجة بأهل علم العربية إلى التصريف ماسّة، وقليلا ما يعرفه أكثر أهل اللغة؛ لاشتغالهم بالسماع عن القياس.
تخليط أهل اللغة فيما سبيله القياس:
ولهذا ما لا تكاد تجد لكثير من مصنفي اللغة كتابا إلا وفيه سهو وخلل في التصريف، وترى كتابه أسد شيء فيما يحكيه، فإذا رجع إلى القياس وأخذ يصرف ويشتق اضطرب كلامه وخلّط. وإذا تأملت ذلك في كتبهم لم يكد يخلو منه كتاب إلى الفرد، ويتكرر هذا التخليط على حسب طول الكتاب وقصره، وليس هذا غضا من أسلافنا، ولا توهينا لعلمائنا، كيف وبعلومهم نقتدي، وعلى أمثلتهم نحتذي، وإنما أردت بذلك التنبيه على فضل هذا القبيل من علم العربية، وأنه من أشرفه وأنفسه، حتى إن أهله المُشْبِلين عليه والمنصرفين إليه، كثيرا ما يخطئون فيه ويخلطون، فكيف بمن هو عنه بمعزل، وبعلم سواه متشاغل.
ما بين التصريف والاشتقاق والنحو واللغة:
وينبغي أن يعلم أن بين التصريف والاشتقاق نسبا قريبا، واتصالا شديدا؛ لأن التصريف إنما هو أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتصرفها على وجوه شتى،مثال ذلك أن تأتي إلى "ضَرَبَ" فتبني منه مثل "جَعْفَر" فتقول: "ضَرْبَب", ومثل "قِمَطْر": "ضِرَبّ", ومثل "دِرْهَم": "ضِرْبَب"، ومثل "عَلِم": "ضَرِب"، ومثل "ظَرُف": "ضرُب"، أفلا ترى إلى تصريفك الكلمة على وجوه كثيرة. وكذلك الاشتقاق أيضا، ألا ترى أنك تجيء إلى الضرب الذي هو المصدر فتشتق منه الماضي فتقول: "ضَرَبَ"، ثم تشتق منه المضارع فتقول: "يضرب"، ثم تقول في اسم الفاعل: "ضارب"، وعلى هذا ما أشبه هذه الكلمة. أولا ترى إلى قول رؤبة في وصفه امرأة بكثرة الصخب والخصومة:
تشتق في الباطل منها المُمْتَذَق
وهذا كقولك: تتصرف في الباطل، أي: تأخذ في ضروبه وأفانينه. فمن هاهنا تقاربا واشتبكا, إلا أن التصريف وسيطة بين النحو واللغة يتجاذبانه، والاشتقاق أقعد في اللغة من التصريف. كما أن التصريف أقرب إلى النحو من الاشتقاق، يدلك على ذلك أنك لا تكاد تجد كتابا في النحو إلا والتصريف في آخره, والاشتقاق إنما يمر بك في كتب النحو, منه ألفاظ مشردة لا يكاد يعقد لها باب. فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة، والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة، ألا ترى أنك إذا قلت: "قام بكر، ورأيت بكرا، ومررت ببكر" فإنك إنما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل، ولم تعرض لباقي الكلمة, وإذا كان ذلك كذلك فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف؛ لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلا لمعرفة حاله المتنقلة، إلا أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصا صعبا بُدِئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بعد؛ ليكون الارتياض في النحو موطئا للدخول فيه، ومعينا على معرفة أغراضه ومعانيه, وعلى تصرف الحال. فمن أمدّه الله بصفاء القريحة، وأيده بمضاء الخاطر والروية، وواصل الدرس، وأجشم النفس، وهجر في العلم لَذَّاته، ووهب له أيام حياته؛ امتاز من الجمهور الأعظم، ولحق بالصدر المقدم، ولحظته العيون بالنفاسة، وأشارت إليه الأصابع بالرياسة، وكان موفقا لما يرفعه ويُعْليه، مسددا فيما يقصد له وينتحيه.