لغويَّات: رأي في إعراب "اللهُمَّ"
د. مصطفى الجوزو
الإعراب المعتمد في المؤسسات التعليمية لكلمة اللهمّ هو إعراب البصريين، أي اعتبار اللهُ منادى مبنيًّا على الضم في محل نصب، واعتبار الميم المشددة عوضاً أو بدلاً من يا التنبيه المحذوفة ( أي حرف النداء)، وذلك في الأصل قول سيبويه، في ما نقله عن الخليل موضحاً أن هذه حالة خاصة لم ترد في غير هذه اللفظة.
ولم يبد الكوفيون مقتنعين بهذا الإعراب، إذ استبعدوا أن تكون الميم عوضًا من يا التنبيه، مستدلين بأشعار لمجهولين فيها عبارة «يا اللهم»، مؤكدين أن المعوض منه (أي: يا) والعوض (الميم المشددة) لا يجتمعان، لكنهم لجأوا إلى إعراب أقل إقناعاً وهو أن الميم حرف من عبارة حذف سائرها لكثرة الاستعمال، وهي: يا اللهُ أُمَّنا بخير، وهو أمر لا دليل عليه، ومستبعد.
فتحفظ الكوفيين منطقي، لأنه لا يمكن في اللغة أن يكون حرف النداء أو ما يعوض منه خاصاً بكلمة واحدة، فمن طبيعة اللغة أن المستعمل يتكرر ولو في حالات معدودة، أحياناً، وليس في اللغة العربية حرف نداء يتصل بآخر الكلمة. وكل ما في الأمر أن الخليل ومن تبعه شعروا بمعنى النداء في اللهم ولم يجدوا حرفه بل قدروا أنهم إذا قسموا هذه الكلمة ظفروا بلفظ الجلالة وبميم مشددة، فقرروا بتصور آلي أن لفظ الجلالة هو المنادى وأن الميم بدل من يا النداء، صارفين النظر عن مخالفة هذا الأمر للعادات اللغوية العربية، وعن انتفاء ما يشبهه انتفاء كليًّا.
فما الإعراب الأكثر إقناعاً إذن؟
في العربية كلمات معرّبة كثيرة، ذكرها أهل اللغة، ومنها كلمات عرّبت عن العبرية مثل جهنم وإبراهيم وإسماعيل، والراجح أن منها كلمة اللهم التي استعملها الجاهليون قبل استعمال القرآن لها، إن صحت الأشعار التي تضمنت لفظها، وأصلها في العبرية أَلوهِيمْ אלוהים، ومعناها الله.
ويجب أن نلحظ أن هذه الكلمة المعرّبة لم تستعمل في النداء وحده، خلافاً لما أوهمه اللغويون القدماء، بل استعملت أيضاً في صيغتين أخريين أشار إليهما المعجم الوسيط والدكتور عباس حسن ومن تابعهما، وهما صيغة :«اللهمّ نَعَمْ» الدالة عند هذا المعجم على اليقين في الجواب وعند حسن على التقوية والتمكين، وكذلك عبارة «اللهمّ إلاّ» المؤذنة عندهما بندرة المستثنى، وفي ذلك عندنا نظر.
والحق أن عبارة: «اللهم نعم»، تأتي جوابًا عن استفهام، ولاسيما الاستفهام الإنكاري، كالذي جاء في الحديث النبوي :«قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ: آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ [النبيّ] :«اللَّهُمَّ نَعَمْ»، أو كالذي جاء في حديث آخر :« قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ» وهذا عندنا شبيه بالشهادة، وكأن المجيب يقول: أُشهد الله أنْ نعم، بدليل قول النبي في حديث ثالث :«اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، فهو يُشهد الله على تبليغه، فيُشهد السامعون الله على حصول هذا التبليغ، وهذا مختلف عما ذهب إليه الوسيط وحسن، لكنه ليس مناقضاً له، فإشهاد الله يراد منه توثيق الكلام وجعله يقيناً.
أما عبارة «اللهم إلا» في نحو عبارة: الكذب عيب، اللهم إلا في التحبب إلى الزوجة، فتدل اللهم فيها على ضرب من الاستدراك، وكأن المعنى: لكن يستثنى منه التحبب إلى الزوجة، ولا أرى في هنا ما يدل على الندرة خلافاً للمرجعين السابقين.
وقد زاد بعضهم عبارة :«اللهم لا»، ولم أظفر بشاهد عليها.
وواضح هنا إن اللهم في هاتين الحالتين بمثابة الزائدتين اللتين يمكن الاستغناء عنهما، والاكتفاء بعبارة نعم وبحرف الاستثناء إلا، فلا يؤثر ذلك في بناء الجملة نحوياً لكن ربما أفقدها دلالة زائدة. علماً أن الاستعمالين يكادان يكونان متروكين في أيامنا.
ويجب أن نلحظ أن اللهم شبيه باسم الفعل، ولاسيما هلمّ، وقد عامله العرب معاملة الجملة المحكية، فهو مبني على الفتح. وقد أشار سيبويه إلى أننا لو سمينا رجلاً بغلامهمْ أو غلامهما وبضَرَبا وضربوا، لتركنا العبارة من غير أي تغيير، وبنيناها على الحكاية. ونقيس اللهم على ذلك من حيث البناء على الحكاية، ونعربها بحسب موقعها في الجملة.
ففي الجملة الندائية، نحو: اللهم اعف عنا، نعرب كلمة اللهم هكذا: منادى مبني على الفتح لشبهه باسم الفعل، مستغن عن حرف النداء، في محل نصب.
أما في الحالتين الأخريين فنعربها اسماً مبنياً على الفتح زائداً للدلالة على إشهاد الذات الإلهية، أو على الاستدراك، ولا محل له من الإعراب.
المصدر