5- مِن شروطِ إبداعِ الشّعرِ الجيّد الصّادقِ أن يَكونَ نابِعاً من الوجدان، مِن الذّاتِ؛ لأنّ الشِّعرَ في أصلِه ذاتٌ ووجدانٌ وقطعةٌ من الشّاعرِ يُصوّرُ به رؤيَتَه للعالَم وإحساسَه بِالوجود؛ قالَ الشّاعرُ الأديبُ عبدُ الرّحمن شُكري - رائدُ مَدرسةِ الدّيوانِ في مِصْرَ، معَ زَميلَيْه عَبّاس مَحْمود العَقّاد وعَبد القادِر المازنِيّ - :
ألا يا طائرَ الفِردو سِ قَلْبي لك بستانُ
ففيه الزهـرُ والماءُ وفيه الغُصن فينانُ
وفيهِ منكَ أنغــامٌ وفيه منكَ ألحـانُ
وللأشجــارِ أوتارٌ وناياتٌ وعيـدانُ
ألا يا طائرَ الفردوسِ إنّ الشعرَ وجدانُ
وفي شَدْوِكَ شعرُ النفس لا زورٌ وبهتانُ
فلا تقتــدِ بالناسِ فما في الخلقِ إنسانُ
وجُدْ لي منكَ بالشعرِ فإنَّا فيه إخــوانُ
ألا يا طائرَ الفردو س قلبي منك ولهـانُ
فهل تأنفُ منْ روضي وما في الروض ثعبانُ؟
وهل تنفرُ من جوِّي وما في الجوِّ عقبــانُ؟
وهل تنَفـــرُ من قلبي كأنَّ القلبَ خوّانُ
فما لي مِنْكَ إسعـادٌ ولا لي منكَ لقيــانُ
وللأقـدارِ أحكامٌ وللمخلـوقِ إذعـانُ
أرى الأحداثَ إسراراً ستُمسي وهي إعلانُ
ويهفو بكَ ريبُ الدّهـرِ إنَّ الدّهرَ طعّـانُ
فلا حسـنٌ ولا شدوٌ ولا زهـرٌ وأَغْصـانُ
سيبقى لـكَ في قلبي مـــودّاتٌ وتَحنانُ
فإنْ ملّك أحبــابٌ وإن عقّك إخــوانُ
وإنْ رابَكَ مـن عَيْشـِكَ لوعاتٌ وأحزانُ
فجرّبْ عنـدَها قلبي فقلبي منكَ مـلآنُ
وأسمعنْي من الشعرِ فإنَّا فيهِ خــــلاّنُ
وهــل تفهمُ ما أعْني وهل للطيرِ أذهانُ؟!
وأضيف في هذا السياقِ رأياً لشاعر المهجَر جَبران خَليل جَبران في الشّعرِ والشّاعِر: «الشعرُ عاطفةٌ تتشوّقُ إلى القَصِيِّ غيرِ المَعْروف فتجعلُه قريباً مَعْروفاً، وفكرةٌ تُناجي الخَفيَّ غيرَ المُدْرَكِ، فتُحوِّلُه إلى شَيءٍ ظاهرٍ مَفْهومٍ. أمّا الشّاعرُ فهو مخلوقٌ غَريبٌ ذو عَيْنٍ ثالثةٍ معنويّةٍ تَرى في الطّبيعةِ ما لا تَراه العُيونُ، وأذنٌ باطنيّةٌ تسمعُ مِن هَمْسِ الأيّامِ واللّيالي ما لا تَعيه الآذانُ.
ينظرُ الشاعرُ إلى وَرْدَةٍ ذابلةٍ فيَرى فيها مأساةَ الدّهورِ، ويُشاهدُ طفلاً راكضاً وراءَ الفَراشةِ فَيَرى فيه أسرارَ الكَونِ، ويَسيرُ في الحَقْلِ فيسْمَع أغانيَ البَلابِلِ والشّحاريرِ، وليسَ هُناك شَحاريرُ ولا بَلابلُ، ويَمشي في العاصفةِ فيَخوضُ غِمارَ معرَكَةٍ هَوْجاءَ بينَ جيوشِ الأرضِ وفَيالقِ السّماءِ» (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمَة جبران خليل جبران لديوان إيليا أبي ماضي الأوّل «تذكار الماضي»، والتي نشَرَها بعدَ ذلِكَ الدكتور سامي الدهان في طبعَة دار العودة ببيروت، انظر مقدة جبران في هذه الطبعَة الأخيرة، ص:92.