[ 4 : قَطْعُ رِجْلِ الْبَطَلِ ]
[ 4 = 1 : صِفَةُ الطَّبيبِ ]
فَما كِدْنا نَقومُ حَتّى أَقْبَلَ أَبو الْحَكَمِ . وَهُوَ شَيْخٌ نَصْرانيٌّ طَويلٌ فارِعٌ مَشْبوحُ الْعِظامِ ، قَدْ تَخَدَّدَ لَحْمُه ، أَحْمَرُ أَزْهَرُ أَصْلَعُ الرَّأْسِ إِلّا شَعَراتٍ بيضًا قَدْ بَقِيَتْ لَه ، كَثُّ اللِّحْيَةِ طَويلُها ، لَوْ ضَرَبَتْها الرّيحُ لَطارَتْ بِه .
[ 4 = 2 : يَقينُ الْبَطَلِ ]
وَدَخَلَ أَبو الْحَكَمِ وَراءَ لِحْيَتِه وَهِيَ تَسْعى بَيْنَ يَدَيْهِ ، حَتّى وَقَفَ عَلى عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقالَ :
لا بُدَّ مِمّا لَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ - يا أَبا عَبْدِ اللّهِ - وَإِنّي - وَاللّهِ - لَأَرْحَمُكَ ، وَأَخْشى أَنْ يَبْلُغَ مِنْكَ الْجَهْدُ ، فَما أَرى لَكَ إِلّا أَنْ نَسْقِيَكَ الْخَمْرَ حَتّى لا تَجِدَ بِها أَلَمَ الْقَطْعِ .
قالَ عُرْوَةُ : أَبْعَدَكَ اللّهُ مِنْ شَيْخٍ ! وَبِئْسَ - وَاللّهِ - ما رَأَيْتَ ! إِنّا - وَاللّهِ - ما نُحِبُّ أَنْ يَرانا اللّهُ بِحَيْثُ نَسْتَعينُ بِحَرامِه عَلى ما نَرْجو مِنْ عافِيَتِه !
قالَ أَبو الْحَكَمِ : فَنَسْقيكَ الْمُرْقِدَ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ ؟
قالَ عُرْوَةُ : ما أُحِبُّ أَنْ أُسْلَبَ عُضْوًا مِنْ أَعْضائي وَأَنا لا أَجِدُ أَلَمَ ذلِكَ فَأَحْتَسِبَه عِنْدَ اللّهِ .
قالَ أَبو الْحَكَمِ : وَقاكَ اللّهُ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ ! لَقَدْ أَلَنْتَ مِنّا قُلوبًا كانَتْ قاسِيَةً .
ثُمَّ الْتَفَتَ أَبو الْحَكَمِ إِلى رِجالٍ سودٍ غِلاظٍ شِدادٍ قَدْ وَقَفوا ناحِيَةً ، فَقالَ :
أَقْبِلوا .
فَأَقْبَلوا ؛ فَأَخَذَتْهُمْ عَيْنُ عُرْوَةَ ؛ فَأَنْكَرَهُمْ ، فَقالَ :
ما هؤُلاءِ ؟
فَقالَ أَبو الْحَكَمِ : يُمْسِكونَكَ ، فَإِنَّ الْأَلَمَ رُبَّما عَزَبَ مَعَه الصَّبْرُ .
قالَ عُرْوَةُ : أَما تُقْلِعُ - أَيُّها الشَّيْخُ - عَنْ باطِلِكَ ! انْصَرِفوا ، يَرْحَمْكُمُ اللّهُ ! وَإِنّي لَأَرْجو أَنْ أَكْفِيَكُمْ ذلِكَ مِنْ نَفْسي . وَلا - وَاللّهِ - ما يَسَعُني أَنَّ هذا الْحائِطَ وَقاني أَذاها ، فَاحْتَمَلَ عَنّي أَلَمَها . أَقْبِلْ يا - أَبا الْحَكَمِ - وَخُذْ فيما جِئْتَ لَه . { رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادي لِلْإيمانِ أَنْ آمِنوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْميعادَ } .
[ 4 = 3 : مَجْلِسُ الْقَطْعِ ]
فَرَأَيْتُ أَبا الْحَكَمِ وَقَدْ بَرَقَ وَجْهُه وَتَوَقَّدَ كَأَنَّما أَسْلَمَ بَعْدَ كُفْرٍ ، ثُمَّ نَشَرَ دُرْجًا كانَ في يَدِه ، وَأَخْرَجَ مِنْشارًا دَقيقًا طَويلًا صَقيلًا يَضْحَكُ فيهِ الشُّعاعُ ، وَوَضَعَ الطَّسْتَ ، وَمَدَّ أَبو عَبْدِ اللّهِ رِجْلَه عَلى الطَّسْتِ وَهُوَ يَقولُ :
بِاسْمِ اللّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ ، وَسُبْحانَ اللّهِ ، وَاللّهُ أَكْبَرُ ، وَلا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلّا بِاللّهِ ، { رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِه وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا } . تَقَدَّمْ - يا أَبا الْحَكَمِ - فَقَدِ احْتَسَبْتُها لِلّهِ .
فَما بَقِيَ - وَاللّهِ - أَحَدٌ في الْمَجْلِسِ إِلّا اسْتَدارَ ، وَدَفَنَ وَجْهَه في كَفَّيْهِ ، وَبَكى الْقَوْمُ ؛ فَعَلا نَشيجُهُمْ ، وَإِنَّ عُرْوَةَ لَساكِنٌ قارٌّ يَنْظُرُ إِلى ما يُرادُ بِه ، وَكَأَنَّما مَلَكٌ قَدْ جاءَ إِلى الْأَرْضِ يَسْتَقْبِلُ آلامَها بِروحٍ مِنَ السَّماءِ .
[ 4 = 4 : عَمَلُ الْقَطْعِ ]
وَوَضَعَ أَبو الْحَكَمِ مِنْشارَه في اللَّحْمِ إِلى الْعَظْمِ وَإِنَّ عُرْوَةَ لَصائِمٌ يَوْمَه ذاكَ ،/1 فَما تَضَوَّرَ وَجْهُه ،/2 وَلا تَقَبَّضَ وَالْمِنْشارُ يَأْكُلُ في عَظْمِه الْحَيِّ ،/3 وَما يَزيدُ عَلى أَنْ يُهَلِّلَ وَيُكَبِّرَ وَيُسَبِّحَ اللّهَ ، وَكَأَنَّ الدّارَ - وَاللّهِ -/5 قَدْ أَضاءَ جَوُّها كَأَنَّه شُعاعٌ يَنْسَكِبُ مِنْ تَهْليلِه وَتَكْبيرِه ./4 وَدَخَلَ رِجالٌ يَحْمِلونَ مَغارِفَ مِنْ حَديدٍ يَفورُ مِنْها ريحُ الزَّيْتِ وَقَدْ غَلى فيها عَلى النّارِ ،/6 وَدَنَوْا ،/7 فَما هُوَ إِلّا أَنْ فَرَغَ أَبو الْحَكَمِ وَقَدْ فارَ الدَّمُ مِنْها وَتَفَجَّرَ مِثْلَ الْيَنْبوعِ ، فَأَخَذَها أَبو الْحَكَمِ يَغْمِسُها في الزَّيْتِ ، فَيَسْمَعُ نَشيشَها فيهِ حَتّى حَسَمَ الدَّمَ ،/8 وَإِذا عُرْوَةُ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ ،/9 وَإِذا وَجْهُه قَدْ صَفِرَ مِنَ الدَّمِ ، وَقَدْ نَجِدَ ؛ فَنَضَحَ وَجْهُه بِالْعَرَقِ ، وَلكِنَّه بَقِيَ مُشْرِقًا نَيِّرًا يَرِفُّ كَأَنَّه عَرارَةٌ تَحْتَ النَّدى ./10
[ 4 = 5 : دَهْشَةُ الطَّبيبِ ]
قالَ أَبو الْحَكَمِ :
ما رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ ! إِنَّه رَجُلٌ ، وَإِنَّها الْحَقيقَةُ الْمُؤْمِنَةُ ، وَإِنَّ إيمانَه لَيَحوطُه ، وَيُثَبِّتُه ، وَيُسَكِّنُه ، وَيَنْفُضُ عَنْهُ الْجَزَعَ !
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلى عُرْوَةَ يَقولُ :
جَزاكَ اللّهُ خَيْرًا ، يا أَبا عَبْدِ اللّّهِ ! لَأَنْتَ - وَاللّهِ - تِمْثالُ الصَّبْرِ في إِهابِ رَجُلٍ .
[ 5 : انْتِباهُ الْبَطَلِ إِلى رِجْلِه الْمَقْطوعَةِ ]
وَما لَبِثْنا ، حَتّى إِذا أَفاقَ أَبو عَبْدِ اللّهِ جَلَسَ يَقولُ :
لا إِلهَ إِلّا اللّهُ ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ !
وَيَمْسَحُ عَنْ وَجْهِه النَّوْمَ وَالْعَرَقَ بِكَفَّيْهِ ، وَيَنْظُرُ ، فَيَرى قَدَمَه في يَدِ رَجُلٍ يَهُمُّ أَنْ يَخْرُجَ بِها ؛ فَيُنادِيهِ :
عَلى رِسْلِكَ ، أَيُّها الرَّجُلُ ! أَرِني ما تَحْمِلُ !
فَيَأْخُذُ قَدَمَه في يَدِه ، فَيَرْنو إِلَيْها وَقَدْ سَكَنَ وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، ثُمَّ يُقَلِّبُها في يَدَيْه ، ثُمَّ يَقولُ لَها :
أَما وَالَّذي حَمَلَني عَلَيْكِ ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنّي ما مَشَيْتُ بِكِ إِلى حَرامٍ وَلا مَعْصِيَةٍ . اللّهُمَّ ، هذِه نِعْمَةٌ أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ ، ثُمَّ سَلَبْتَنيها ، أَحْتَسِبُها عِنْدَكَ راضِيًا مُطْمَئِنًّا ؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفورُ الرَّحيمُ . خُذْها ، أَيَّها الرَّجُلُ .
ثُمَّ أَضاءَ وَجْهُه بِالْإيمانِ وَالصَّبْرِ عَنْ مِثْلِ الدُّرَّةِ في شُعاعِ الشَّمْسِ . قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ :
غَفَرَ اللّهُ لَكَ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ ! وَإِنَّ في النّاسِ لَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ بَلاءً مِنْكَ . يا عُمَرُ ، نادِ الرَّجُلَ مِنْ أَخْوالي .
فَيُقْبِلُ عُمَرُ وَمَعَه رَجُلٌ ضَريرٌ مَحْطومُ الْوَجْهِ لا تُرى إِلّا دَمامَتُه ، فَيَقولُ لَه أَميرُ الْمُؤْمِنينَ :
حَدِّثْ أَبا عَبْدِ اللّهِ بِخَبَرِكَ ، يا أَبا صَعْصَعَةَ .
[ 6 : تَخْفيفُ مُصيبَةِ الْبَطَلِ بِرِجْلِه ]
فَيَلْتَفِتُ الرَّجُلُ إِلى عُرْوَةَ ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ ، فَيَقولُ :
ابْنَ الزُّبَيْرِ ، قَدْ - وَاللّهِ - لَقيتُ الْبَلاءَ ، يا فَقيهَ الْمَدينَةِ وَابْنَ حَواريِّ رَسولِ اللّهِ ، صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! وَإِنّي - وَاللّهِ - مُحَدِّثُكَ عَنّي بِخَبَري ؛ عَسى أَنْ يَرْفَعَ عَنْكَ : فَقَدْ بِتُّ لَيْلَةً في بَطْنِ وادٍ ، وَلا أَعْلَمُ عَبْسيًّا في الْأَرْضِ يَزيدُ مالُه عَلى مالي ، فَطَرَقَنا سَيْلٌ جارِفٌ كَأَنَّه الطّوفانُ ، يَتَقاذَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْجًا كَالْجِبالِ ؛ فَذَهَبَ بِما كانَ لي مِنْ أَهْلٍ وَمالٍ وَوَلَدٍ ، إِلّا صَبيًّا مَوْلودًا وَبَعيرًا نِضْوًا ضَعيفًا . فَنَدَّ الْبَعيرُ يَوْمًا وَالصَّبيُّ مَعي ، فَوَضَعْتُه ، وَاتَّبَعْتُ الْبَعيرَ أَطْلُبُه ، فَما جاوَزْتُ ابْني قَليلًا إِلّا وَرَأْسُ الذِّئْبِ في بَطْنِه ، قَدْ بَعَجَها بِأَنْيابِه الْعُصْلِ ، فَاسْتَلَّ أَحْشاءَه ، وَإِنَّ الصَّغيرَ لَيَصْرُخُ ، وَيَرْكُضُ بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ ؛ فَكِدْتُ - وَاللّهِ - أَسوخُ في الْأَرْضِ مِمّا رَأَيْتُ ، وَلكِنّي ذَكَرْتُ اللّهَ ، وَاسْتَعَنْتُه ، وَاحْتَسَبْتُ الصَّغيرَ ، فَتَرَكْتُه لِقَدَرِ اللّهِ ، وَاتَّبَعْتُ الْبَعيرَ ، فَهَمَمْتُ آخُذُ بِذَنَبِه وَقَدْ أَدْرَكْتُه ، فَرَمَحَني رَمْحَةً حَطَمَ بِها وَجْهي وَأَذْهَبَ عَيْني ، فَأَصْبَحْتُ لا ذا مالٍ وَلا ذا وَلَدٍ وَلا ذا بَصَرٍ . وَإِنّي أَحْمَدُ اللّهَ إِلَيْكَ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ ، فَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ؛ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمورِ .
قالَ عُرْوَةُ : لَقَدْ أَفْضَلَ اللّهُ عَلَيْكَ ، يا أَبا صَعْصَعَةَ ، وَإِنّي لَأَرْجو لَكَ الْجَنَّةَ .
قالَ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبيعَةَ : وَأَلاحَ إِلَيَّ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ أَنْ أَقْبِلْ ، فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ :
إِنْ أَرَدْتَ الْحيلَةَ فَقَدْ أَمْكَنَتْكَ ، فَاذْهَبْ إِلى أَبي عَبْدِ اللّهِ ، فَانْعَ إِلَيْهِ وَلَدَه زَيْنَ الْمَواكِبِ .
قُلْتُ : هُوَ - وَاللّهِ - الرَّأْيُ ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ .
[ 7 : إِطْلاعُ الْبَطَلِ عَلى مُصيبَةِ مَوْتِ ابْنِه ]
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلى عُرْوَةَ وَقَدْ غَلَبَتْني عَيْناي بِالْبُكاءِ ، فَلَمّا قارَبْتُه قُلْتُ :
عَزاءَكَ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ !
فَقالَ عُرْوَةُ : فيمَ تُعَزّيني ، يا أَبا الْخَطّابِ ؟ إِنْ كُنْتَ تُعَزّيني بِرِجْلي فَقَدِ احْتَسَبْتُها لِلّهِ .
قُلْتُ : رَضِيَ اللّهُ عَنْكَ ، بِأَبي أَنْتَ وَأُمّي ، بَلْ أُعَزّيكَ بِزَيْنِ الْمَواكِبِ .
فَدُهِشَ ، وَتَلَفَّتَ ، وَلَمْ يَرَ إِلّا هِشامًا وَلَدَه ، فَرَأَيْتُ في وَجْهِه الْمَعْرِفَةَ ، ثُمَّ هَدَأَ ، فَقالَ :
ما لَه ، يا أَبا الْخَطّابِ ؟
فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، وَتَحَلَّقَ النّاسُ حَوالَيْنا ، وَتَكَنَّفونا ، وَأَخَذْتُ أُحَدِّثُه بِشَأْنِه ، وَوَاللّهِ ما يَزيدُ عَلى أَنْ يَقولَ :
لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلّا بِاللّهِ ، وَإِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ !
فَلَمّا فَرَغْتُ مِنْ خَبَري ما زادَ عَلى أَنْ قالَ :
وَكُنْتُ إِذا الْأَيّامُ أَحْدَثْنَ هالِكًا أَقولُ شَوًى ما لَمْ يُصِبْنَ حَميمي
ثُمَّ رَفَعَ وَجْهَه إِلى السَّماءِ وَقَدْ تَنَدَّتْ عَيْناهُ ، ثُمَّ قالَ :
اللّهُمَّ ، إِنَّه كانَ لي أَطْرافٌ أَرْبَعَةٌ ، فَأَخَذْتَ واحِدًا ، وَأَبْقَيْتَ لي ثَلاثَةً ؛ فَلَكَ الْحَمْدُ فيما أَخَذْتَ وَأَبْقَيْتَ - اللّهُمَّ - أَخَذْتَ عُضْوًا ، وَتَرَكْتَ أَعْضاءً ، وَأَخَذْتَ ابْنًا ، وَتَرَكْتَ أَبْناءً . وَايْمُ اللّهِ لَئِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ ، وَلَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَطالَما عافَيْتَ ؛ سُبحانَكَ - رَبَّنا - إِلَيْكَ الْمَصيرِ . قوموا إِلى جِهازِ أَخيكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللّهُ ، وَانْظُروا ، لا تَكونُ عَلَيْهِ نائِحَةٌ وَلا مُعْوِلَةٌ ؛ فَإِنَّ رَسولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - نَهى عَنِ النِّياحَةِ ، وَمُروهُنَّ بِالصَّبْرِ لِلصَّدْمَةِ ؛ فَإِنَّ رَسولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - أَتى عَلى امْرَأَةٍ تَبْكي صَبيًّا لَها ، فَقالَ لَها :
اتَّقي اللّهَ ، وَاصْبِري !
فَقالَتْ : وَما تُبالي بِمُصيبَتي !
فَلَمّا ذَهَبَ قيلَ لَها :
إِنَّه رَسولُ اللّهِ ، صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ !
فَأَخَذَها مِثْلُ الْمَوْتِ ؛ فَأَتَتْ بابَه ، فَلَمْ تَجِدْ عَلى بابِه بَوّابينَ ، فَقالَتْ :
يا رَسولَ اللّهِ ، لَمْ أَعْرِفْكَ ، فَقالَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - :
إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ .
وَجَزاكَ اللّهُ خَيْرًا عَنّي وَعَنْ وَلَدي ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ ! { فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمينَ وَلَه الْكِبْرياءُ في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيم } " .