[ 7 : تَعْريضُ الْبَطَلِ لِلِافْتِراسِ ]
[ 7 = 1 : صِفَةُ الْأَسَدِ ]
قالَ : وَكُنْتُ حاضِرَ أَمْرِهِمْ ذلِكَ الْيَوْمَ ، فَجيءَ بِالْأَسَدِ مِنْ قَصْرِ ابْنِه خُمارَوَيْهِ . وَكانَ خُمارَوَيْهِ هذا مَشْغوفًا بِالصَّيْدِ ، لا يَكادُ يَسْمَعُ بِسَبُعٍ في غَيْضَةٍ أَوْ بَطْنِ وادٍ إِلّا قَصَدَه وَمَعَه رِجالٌ عَلَيْهِمْ لُبودٌ ، فَيَدْخُلونَ إِلى الْأَسَدِ ، وَيَتَناوَلونَه بِأَيْديهِمْ مِنْ غابِه عَنْوَةً وَهُوَ سَليمٌ ، فَيَضَعونَه في أَقْفاصٍ مِنْ خَشَبٍ مُحْكَمَةِ الصَّنْعَةِ يَسَعُ الْواحِدُ مِنْها السَّبُعَ وَهُوَ قائِمٌ . وَكانَ الْأَسَدُ الَّذي اخْتاروهُ لِلشَّيْخِ ، أَغْلَظَ ما عِنْدَهُمْ ، جَسيمًا ، ضارِيًا ، عارِمَ الْوَحْشيَّةِ ، مُتَزَيِّلَ الْعَضَلِ ، شَديدَ عَصَبِ الْخَلْقِ ، هَرّاسًا ، فَرّاسًا ، أَهْرَتَ الشِّدْقِ ، يَلوحُ شِدْقُه مِنْ سَعَتِه وَرَوْعَتِه كَفَتْحَةِ الْقَبْرِ ، يُنْبِئُ أَنْ جَوْفَه مَقْبَرَةٌ ، وَيَظْهَرُ وَجْهُه خارِجًا مِنْ لِبْدَتِه ، يَهُمُّ أَنْ يَنْقَذِفَ عَلى مَنْ يَراهُ فَيَأْكُلَه !
[ 7 = 2 : هَجْمَةُ الْأَسَدِ ]
وَأَجْلَسوا الشَّيْخَ في قاعَةٍ ، وَأَشْرَفوا عَلَيْهِ يَنْظُرونَ ، ثُمَّ فَتَحوا بابَ الْقَفَصِ مِنْ أَعْلاهُ ، فَجَذَبوهُ ؛ فَارْتَفَعَ ، وَهَجْهَجوا بِالْأَسَدِ يَزْجُرونَه ؛ فَانْطَلَقَ يُزَمْجِرُ وَيَزْأَرُ زَئيرًا تَنْشَقُّ لَه الْمَرائِرُ ، وَيَتَوَهَّمُ مَنْ يَسْمَعُه أَنَّه الرَّعْدُ وَراءَه الصّاعِقَةُ ! ثُمَّ اجْتَمَعَ الْوَحْشُ في نَفْسِه ، وَاقْشَعَرَّ ، ثُمَّ تَمَطّى كَالْمَنْجَنيقِ يَقْذِفُ الصَّخْرَةَ ، فَما بَقِيَ مِنْ أَجَلِ الشَّيْخِ إِلّا طَرْفَةُ عَيْنٍ .
[ 7 = 3 : ذُهولُ الْأَسَدِ ]
وَرَأَيْناهُ عَلى ذلِكَ ساكِنًا مُطْرِقًا لا يَنْظُرُ إِلى الْأَسَدِ وَلا يَحْفِلُ بِه ، وَما مِنّا إِلّا مَنْ كادَ يَنْهَتِكُ حِجابُ قَلْبِه مِنَ الْفَزَعِ وَالرُّعْبِ وَالْإِشْفاقِ عَلى الرَّجُلِ ./1 وَلَمْ يَرُعْنا إِلّا ذُهولُ الْأَسَدِ عَنْ وَحْشيَّتِه :/2 فَأَقْعى عَلى ذَنَبِه ،/3 ثُمَّ لَصِقَ بِالْأَرْضِ هُنَيْهَةً يَفْتَرِشُ ذِراعَيْهِ ،/4 ثُمَّ نَهَضَ نَهْضَةً أُخْرى كَأَنَّه غَيْرُ الْأَسَدِ ،/5 فَمَشى مُتَرَفِّقًا ثَقيلَ الْخَطْوِ تُسْمَعُ لِمَفاصِلِه قَعْقَعَةٌ مِنْ شِدَّتِه وَجَسامَتِه ،/6 وَأَقْبَلَ عَلى الشَّيْخِ ،/7 وَطَفِقَ يَحْتَكُّ بِه وَيَلْحَظُه وَيَشَمُّه كَما يَصْنَعُ الْكَلْبُ مَعَ صاحِبِه الَّذي يَأْنَسُ بِه ، وَكَأَنَّه يُعْلِنُ أَنَّ هذِه لَيْسَتْ مُصاوَلَةً بَيْنَ الرَّجُلِ التَّقيِّ وَالْأَسَدِ ، وَلكِنَّها مُبارَزَةٌ بَيْنَ إِرادَةِ ابْنِ طولونَ وَإِرادَةِ اللّهِ !/8
[ 7 = 4 : يَقينُ الْبَطَلِ ]
وَضَرَبَتْهُ روحُ الشَّيْخِ ؛ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَه وَبَيْنَ الْآدَميِّ عَمَلٌ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِإِزاءِ لَحْمِ وَدَمٍ ، فَلَوْ أَكَلَ الضَّوْءَ وَالْهَواءَ وَالْحَجَرَ وَالْحَديدَ ، كانَ ذلِكَ أَقْرَبَ وَأَيْسَرَ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ هذا الرَّجُلَ الْمُتَمَثِّلَ في روحانيَّتِه ، لا يُحِسُّ لِصورَةِ الْأَسَدِ مَعْنًى مِنْ مَعانيها الْفاتِكَةِ ، وَلا يَرى فيه إِلّا حَياةً خاضِعَةً مُسَخَّرَةً لِلْقوَّةِ الْعُظْمى الَّتي هُوَ مُؤْمِنٌ بِها وَمُتَوَكِّلٌ عَلَيْها ، كَحَياةِ الدّودَةِ وَالنَّمْلَةِ وَما دونَها مِنَ الْهَوامِّ وَالذَّرِّ ! وَوَرَدَ النّورُ عَلى هذا الْقَلْبِ الْمُؤْمِنِ يَكْشِفُ لَه عَنْ قُرْبِ الْحَقِّ - سُبْحانَه ، وَتَعالى ! - : فَهُوَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيِ الْأَسَدِ وَلكِنَّه هُو وَالْأَسَدَ بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ . وَكانَ مُنْدَمِجًا في يَقينِ هذِه الْآيَةِ : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا } . وَرَأى الْأَسَدُ رَجُلًا هُوَ خَوْفُ اللّهِ ، فَخافَ مِنْهُ ، وَكَما خَرَجَ الشَّيْخُ مِنْ ذاتِه وَمَعانيها النّاقِصَةِ ، خَرَجَ الْوَحْشُ مِنْ ذاتِه وَمَعانيها الْوَحْشيَّةِ : فَلَيْسَ في الرَّجُلِ خَوْفٌ وَلا هَمٌّ وَلا جَزَعٌ وَلا تَعَلُّقٌ بِرَغْبَةٍ ، وَمِنْ ذلِكَ لَيْسَ في الْأَسَدِ فَتْكٌ وَلا ضَراوَةٌ وَلا جوعٌ وَلا تَعَلُّقٌ بِرَغْبَةٍ . وَنَسِيَ الشَّيْخُ نَفْسَه ، فَكَأَنَّما رآهُ الْأَسَدُ مَيِّتًا وَلَمْ يَجِدْ فيهِ ( أَنا ) الَّتي يَأْكُلُها ، وَلَوْ أَنَّ خَطْرَةً مِنْ هَمِّ الدُّنْيا خَطَرَتْ عَلى قَلْبِه في تِلْكَ السّاعَةِ أَوِ اخْتَلَجَتْ في نَفْسِه خالِجَةٌ مِنَ الشَّكِّ ، لَفاحَتْ رائِحَةُ لَحْمِه في خَياشيمِ الْأَسَدِ ؛ فَتَمَزَّقَ في أَنْيابِه وَمَخالِبِه .
[ 7 = 5 : دَهْشَةُ الشُّهودِ ]
قالَ : وَانْصَرَفْنا عَنِ النَّظَرِ في السَّبُعِ إِلى النَّظَرِ في وَجْهِ الشَّيْخِ ، فَإِذا هُوَ ساهِمٌ مُفَكِّرٌ . ثُمَّ رَفَعوه ، وَجَعَلَ كُلٌّ مِنّا يَظُنُّ ظَنًّا في تَفْكيرِه :
فَمِنْ قائِلٍ : إِنَّه الْخَوْفُ أَذْهَلَه عَنْ نَفْسِه !
وَقائِلٍ : إِنَّه الِانْصِرافُ بِعَقْلِه إِلى الْمَوْتِ .
وَثالِثٍ يَقولُ : إِنَّه سُكونُ الْفِكْرَةِ لِمَنْعِ الْحَرَكَةِ عَنِ الْجِسْمِ ؛ فَلا يَضْطَرِبُ .
وَزَعَمَ جَماعَةٌ أَنَّ هذِه حالَةٌ مِنَ الِاسْتِغْراقِ يَسْحَرُ بِها الْأَسَدَ !
وَأَكْثَرْنا في ذلِكَ وَتَجارَيْنا فيهِ ، حَتّى سَأَلَه ابْنُ طولونَ :
ما الَّذي كانَ في قَلْبِكَ ، وَفيمَ كُنْتَ تُفَكِّرُ ؟
فَقالَ الشَّيْخُ : لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ بَأْسٌ ، وَإِنَّما كُنْتُ أُفَكِّرُ في لُعابِ الْأَسَدِ : أَهُوَ طاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ " !
" الْحَقيقَةُ الْمُؤْمِنَةُ " ، لِشاكِرٍ :
[ 1 : مُصيبَةُ مَوْتِ شابٍّ نَبيلٍ ]
" قالَ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبيعَةَ : ... فَبادَرْتُ أَعْدو يَكادُ يَنْشَقُّ عَلَيَّ جِلْدي مِنْ شِدَّةِ الْعَدْوِ ؛ فَقَدْ أَكَلَتْ مِنّي السِّنُّ وَتَعَرَّقَتْني أَنْيابُ الْكِبَرِ ، فَما جاوَزْتُ رَوْضَةَ قَصْرِ أَميرِ الْمُؤْمِنينَ 36 ، حَتّى تَقَطَّعَتْ أَنْفاسي مِنَ الْجَهْدِ ، وَتَلَقّاني الْآذِنُ :
ما عَدا بِكَ يا أَبا الْخَطّابِ ؟
فَقُلْتُ : ائْذَنْ لي عَلى أَميرِ الْمُؤْمِنينَ ؛ فَقَدْ نَزَلَ بِنا ما لا رَدَّ لَه .
وَتَبِعْتُه وَاللّهِ إِنَّ فَرائِصي لَتُرْعَدُ وَكَأَنّي مَحْمومٌ قَدْ جَرَتْ عَلَيْه هَبَّةُ ريحٍ بارِدَةٍ ! وَغابَ الْآذِنُ ، فَما هُوَ إِلّا أَميرُ الْمُؤْمِنينَ يَسْتَقْبِلُني كَالْفَزِعِ ، وَقَدْ خَرَجَ إِلَيَّ ، فَقالَ :
أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ، يا ابْنَ أَبي رَبيعَةَ ؟
قُلْتُ : وَاللّهِ ما أَدْري - يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - فَما كانَ إِلّا وَمُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ تَحْتَ سَنابِكِها ، فَما زالَتْ تَضْرِبُه بِقَوائِمِها ، وَما أَدْرَكْناهُ إِلّا وَقَدْ تَهَشَّمَ وَجْهُه ، وَتَحَطَّمَتْ أَضْلاعُه !
وَكَأَنَّما فارَقَتْني الرّوحُ ، فَما أَشْعُرُ إِلّا وَأَميرُ الْمُؤْمِنينَ قائِمٌ عَلى رَأْسي يَنْضَحُ الْماءَ عَلى وَجْهي ، وَقَدْ قُرِّبَتْ إِلَيَّ مِجْمَرَةٌ يَسْطَعُ مِنْها ريحُ الْمَنْدَلِ الرَّطْبِ ، فَلَمّا أَفَقْتُ وَرَجَعَتْ إلَيَّ روحي سَأَلَني أَميرُ الْمُؤْمِنينَ أَنْ أَقُصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ .
[ 2 : صورَةُ مَوتِ الشّابِّ النَّبيلِ ]
قُلْتُ : خَرَجْنا أَنا وَمُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ وَهِشامٌ أَخوهُ نُريدُ مَنْزِلَنا مِنْ قَصْرِ أَميرِ الْمُؤْمِنينَ ، نَرْجو أَنْ نَتَخَفَّفَ مِنْ بَعْضِ ثِيابِنا ؛ فَقَدْ أَنْهَكَنا الْحَرُّ ، فَنَظَرَ مُحَمَّدٌ إِلى مِرْآةٍ مِنْ فِضَّةٍ مَجْلوَّةٍ مُعَلَّقَةٍ في الْبَيْتِ ، ثُمَّ قالَ :
أَتَذْكُرُ يا أَبا الْخَطّابِ حَجَّتَنا تِلْكَ ؟
قُلْتُ : أَيَّتَهُنَّ ؛ فَقَدْ أَكْثَرْتَ وَعَمَّكَ الْحَجَّ ؟
فَقالَ : سُرْعانَ ما نَسِيَ الشَّيْخُ ! لَقَدْ كَبِرْتَ ، وَاللّهِ ، يا أَبا الْخَطّابِ ! وَقَدْ حَدَّثَني أَبي بِالَّذي كانَ مِنْكَ ، فَقَدْ كُنْتَ تُسايِرُه وَتُحادِثُه ، فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ سَأَلْتَه :
وَأَيْنَ زَيْنُ الْمَواكِبِ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ ؟
فَقالَ لَكَ : أَمامَكَ .
فَأَرَدْتَ تَرْكُضُ راحِلَتَكَ تَطْلُبُني ، فَقالَ لَكَ :
يا أَبا الْخَطّابِ ، أَوَلَسْنا أَكْفاءً كِرامًا لِمُحادَثَتِكَ ، وَنَحْنُ أَوْلى أَنْ تُسايِرَنا !
فَقُلْتَ لَه : بَلى ، بِأَبي أَنْتَ وَأُمّي ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ ! وَلكِنّي مُغْرًى بِهذا الْجَمالِ ، أَتْبَعُه حَيْثُ كانَ !
ثُمَّ عَدَلْتَ بِراحِلَتِكَ ، وَضَرَبْتَها ، وَأَقْبَلْتَ إِلَيَّ ، وَجَعَلَ أَبي يَتَعَجَّبُ مِنْكَ وَيَضْحَكُ ، وَقَدْ اسْتَنارَ وَجْهُه ! إِحْدى سَوْآتِكَ هِيَ ، وَاللّهِ ، يا أَبا الْخَطّابِ !
فَضَحِكْتُ لِقَوْلِه ، وَتَناقَلْنا الْحَديثَ ، وَإِذا هُوَ ساكِنٌ ساجٍ كَأَنَّما غَشِيَتْهُ غاشِيَةُ هَمٍّ ، فَقُلْتُ :
ما بِكَ ؟
فَزَفَرَ - واللّهِ ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - زَفْرَةً كَأَنَّما انْشَقَّتْ لَها كَبِدي ، ثُمَّ قالَ :
أَرَأَيْتَ هذا الْجَمالَ الَّذي تَبِعْتَه ، يا أَبا الْخَطّابِ ، يوشِكُ أَنْ يَكونَ طَعامًا يَلْحَسُه تُرابُ الْقَبْرِ ؛ فَما تَرى إِلّا عَظْمًا أَغْبَرَ مِنْ جُمْجُمَةٍ تَقْذِفُ الرُّعْبَ مِنْ مَحْجِرَيْها !
لَقَدْ رَوَّعَني - وَاللّهِ ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - حَتّى تَطَيَّرْتُ وَما بِيَ الطِّيَرَةُ ؛ فَأَرَدْتُ أَنْ أَصْرِفَه عَنْ بَعْضِ وَهْمِه ، أَنْ يَكونَ الصَّيْفُ قَدْ أَوْقَدَ عَلَيْهِ حَرَّه ، فَحَيَّرَه ؛ فَانْطَلَقْنا جَميعًا إِلى سَطْحِ الْبَيْتِ نَسْتَظِلُّ بِظُلَّتِه ، وَنَسْتَرْوِحُ النَّسَماتِ ، وَأَقْبَلْنا نَضْحَكُ وَنَعْبَثُ وَنَلْهو مِنْ بَعْضِ اللَّهْوِ ، وَإِذا طائِرٌ يَحومُ يُصَفِّقُ بِجَناحَيْهِ ، ثُمَّ رَنَّقَ فَكَسَرَهُما مِنَ الْإِعْياءِ ، ثُمَّ سَقَطَ ، ثُمَّ دَرَجَ ، ثُمَّ اضْطَرَبَ قَدْ كادَ يَقْتُلُه الظَّمَأُ ؛ فَجَرى إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ لِيَأْخُذَه فَيَبُلَّ ظَمَأَه ؛ فَخَفَّ الطّائِرُ ؛ فَهَوى إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ لِيُدْرِكَه ؛ فَما نَرى - وَاللّهِ - مُحَمَّدًا : قَدِ اخْتَطَفَه أَجَلُه ، فَجَذَبَه ، فَهَوى بِه إِلى إِسْطَبْلِ الدّوابِّ ، فَيَقَعُ بَيْنَها ، فَيُثيرُها ، فَتَهيجُ ، وَإِذا زَيْنُ الْمَواكِبِ تَحْتَ سَنابِكِها تَضْرِبُه ، فَما أَدْرَكْناهُ - وَاللّهِ ، يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - إِلّا جُثَّةً قَدْ ذَهَبَ رَأْسُها ، وَما نَرى إِلّا الدَّمَ ! رَحْمَةُ اللّهِ عَلَيْهِ ! لَقَدْ ...
[ 3 : مُصيبَةُ فَسادِ رِجْلِ الْبَطَلِ أَبي الشّابِّ النَّبيلِ ]
قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ : إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ 37 ! إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ ! فَكَيْفَ نَحْتالُ لِهذا الْأَمْرِ ، يا ابْنَ أَبي رَبيعَةَ ؟
قُلْتُ : فيمَ الْحيلَةُ - يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - وَقَدْ ذَهَبَ الْقَدَرُ بِما يُحْتالُ لَه !
فَقالَ : أَها هُنا أَنْتَ ، يا عُمَرُ ! نِمْتَ وَسارَ الرَّكْبُ ! هذا أَبوهُ أَبو عَبْدِ اللّهِ شَيْخٌ كَبيرٌ يوشِكُ أَنْ يُصابَ في نَفْسِه !
قُلْتُ : يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ ، هذا مُصابُه في ابْنِه ، فَما مُصابُه في نَفْسِه ؟ إِلّا أَنْ يَكونَ الْخَبَرُ إِذا يَبْلُغُه ، وَسَأَحْتالُ لَه .
قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ : مَهْلًا يا عُمَرُ ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنْ أَبا عَبْدِ اللّهِ كانَ قَدِ اشْتَكى رِجْلَه ، وَما زالَ يَشْتَكي ؛ فَبَيْنا نَحْنُ السّاعَةَ جُلوسٌ ، إِذ دَخَلَ عَلَيْنا أَبو الْحَكَمِ الطَّبيبُ النَّصْرانيُّ ، فَاسْتَأْذَنْتُ أَبا عَبْدِ اللّهِ أَنْ يَدَعَ أَبا الْحَكَمِ حَتّى يَرى رِجْلَه ، فَما راعَنا إِلّا أَبو الْحَكَمِ يَقولُ إِنَّها الْأُكْلَةُ ، وَإِنَّها قَدِ ارْتَفَعَتْ تُريدُ الرُّكْبَةَ ، وَإِنَّها إِذا بَلَغَتِ الرُّكْبَةَ أَفْسَدَتْ عَلَيْهِ جَسَدَه كُلَّه فَقَتَلَتْهُ ، فَما بُدٌّ مِنْ أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُه السّاعَةَ خَشْيَةَ أَنْ تَدِبَّ الْأُكْلَةُ إِلى حَيْثُ لا يَنْفَعُ الْقَطْعُ وَلا الْبَتْرُ .
فَوَجَمْتُ وَاللّهِ لِهذا الْبَلاءِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ بِه الْقَدَرُ عَلى شَيْخٍ مِثْلِ أَبي عَبْدِ اللّهِ في إِدْبارٍ مِنَ الْعُمُرِ . وَأَخَذَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ بِيَدي ، وَقامَ ، فَدَخَلْنا مَجْلِسَ الْخِلافَةِ ، وَإِذا وُجوهُ النّاسِ قَدْ جَلَسوا إِلى عُرْوَةَ أَبي عَبْدِ اللّهِ يُواسونَه وَيُصَبِّرونَه وَيُذَكِّرونَه بِقَدَرِ اللّهِ خَيْرِه وَشَرِّه ، وَإِذا فيهِمْ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخو أَميرِ الْمُؤْمِنينَ ، وَعُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزيزِ ، وَالْقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ، وَقَدْ حَضَرَه وَلَدُه هِشامٌ ؛ فَأَرَمَّ قَدِ انْتُسِفَ لَوْنُه مِنَ الْحَزَنِ عَلى أَخيهِ وَالرَّحْمَةِ لِأَبيهِ . وَأَقْبَلَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ وَأَنا مَعَه عَلى عُرْوَةَ ، فَتَفَرَّقَ النّاسُ إِلى مَجالِسِهِمْ ، وَإِذا عُرْوَةُ كَأَنْ لَيْسَ بِه شَيْءٌ ، يَرِفُّ وَجْهُه كَأَنَّه فِلْقَةُ قَمَرٍ وَهُوَ يَضْحَكُ ، وَيَقولُ :
لَقَدْ كَرِهْتُ - يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - أَنْ يَقْطَعوا مِنّي عُضْوًا يَحُطُّ عَنّي بَعْضَ ذُنوبي ، فَقَدْ حُدِّثْنا أَنَّ أَبا بَكْرٍ قالَ :
يا رَسولَ اللّهِ كَيْفَ الصَّلاحُ بَعْدَ هذِه الْآيَةِ : { لَيْسَ بِأَمانيِّكُمْ وَلا أَمانيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سوءًا يُجْزَ بِه } ، فَكُلُّ سوءٍ عَمِلْناهُ جُزينا بِه ؟
فَقالَ رَسولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - : غَفَرَ اللّهُ لَكَ ، يا أَبا بَكْرٍ ! أَلَسْتَ تَمْرَضُ ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ ؟ أَلَسْتَ تُصيبُكَ اللَّأْواءُ ؟
قالَ : بَلى ، يا رَسولَ اللّهِ .
قالَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - : فَهُوَ ما تُجْزَوْنَ بِه ؛ فَإِنَّ ذاكَ بِذاكَ .
لَوَدِدْتُ - يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ - أَنَّها بَقِيَتْ بِدائِها ؛ فَهِيَ كَفّارَةٌ تَحُتُّ الذَّنْبَ .
قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ : غَفَرَ اللّهُ لَكَ ، غَفَرَ اللّهُ لَكَ ! وَما أَعْجَبُ لِصَبْرِكَ ؛ فَأُمُّكَ أَسْماءُ بِنْتُ أَبي بَكْرٍ الصِّدّيقِ ذاتُ النِّطاقَيْنِ ، وَأَبوكَ حَواريُّ رَسولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - وَابْنُ عَمَّتِه الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ ، فَرَضِيَ اللّهُ عَنْكَ ، وَأَرْضاكَ ، يا أَبا عَبْدِ اللّهِ !