وختمْتُ مُحاوَرتي لَه بالرّدّ على زَعمٍ زَعَمَه، قالَ فيه: «من المعروف أن اللغة العامية مستوى متدَنٍّ من اللغة العربية ،
إلا أن المتحدثين بها يتحدثون بها ويتفاهمون فيما بينهم عن طريقها مع افتقارها إلى القواعد وعلامات أمن اللبس...»
وأتى بكلامٍ ركيكٍ جداً ليُمثّلَ به على القُدرةِ السّريعةِ على التّفاهُم بالعامّيةِ، وعلّقَ على مثالِه المصنوعِ، بقولِه: «هذه
قصة [...] يقولها العامِّي ،وهو لا يعرف القواعد، وهي قصة تفتقر إلى القواعد وعلامات أمن اللبس، وهي قصة مفهومة
أوردتها لأبرهن على أن اللغة تقوم على الاحتياج المعنوي ،لا على القواعد.» هكذا ...
فأجبْتُه بما يَلي:
هذا الكَلامُ العامّيّ الطّويلُ الذي جئتَ به للتّمثيلِ على زعمِكَ كلامٌ عربيّ نالَه بعضُ التحريف التركيبي والصوتي، أي إن
خروجَه عن القَواعد ظاهرٌ، ولكنّه خروج محدودٌ، ولو جئتَ بجمل عاميةٍ أخرى ابتعَدَت عن القَواعد لرأيتَ أنّها لا يفهمُها إلاّ
المتكلمون بتلك العامّية، وكلّما اقتَرَبَت العاميةُ من الفصيحةِ اتّسَعَت قاعدَةُ الفاهمينَ الذي يتلقّونَ جُمَلَها بالقَبول، فالمقياسُ
في قَبول الكَلام الاقترابُ من الفصيحَة، أمّا البُعدُ عنها فيحصرُ اللهجةَ في متكلميها المَعْدودينَ المَحْدودين، فالعربيّةُ معيارٌ
ضابطٌ لأنّها لغةٌ مضبوطةٌ بالقَواعد، والنتيجَةُ أنّ ما كانَ مضبوطاً بالقَواعد تيسّرَ التواصُلُ به لأنّ اللغةَ المنظّمَةَ بالقَواعدِ ميثاقٌ
بين متكلِّميها ثمّ إنّكَ تنطلقُ في سؤالك أو في استنكارِك، من منطلقات خاطئة؛ إذ تجعَلُ العربيّةَ لغةً والعامياتِ لغاتٍ أجنبيّةً
عنها غريبة عنها كلّ الغَرابَة لا يربطها بها رابطٌ ، وكأنّ الناطقينَ بالعربيّة قومٌ والناطقين بالدّوارِج قومٌ أجانبُ، هذا هو الخطأ بعيْنه
لأنّ تنظرُ إلى الأمورِ نظرةً آليةً ميكانيكيّةً متصلّبةً ، والحقيقةُ أنّ الدّوارِجَ متفرّعةٌ عن العربيّة،أصابَها انحرافاتٌ صوتيّةُ وصرفيّةٌ وتركيبيّةٌ،
ولو كانـَت الدّوارِجُ والفَصيحةُ فصيلَتَيْن لغويتَيْن متباعدَتَيْن كلّ البُعد لَما فَهمَ العَوامّ نشراتِ الأخبارِ وخُطَبَ الجمعَة والأحاديثَ النبويّةَ