ثُمّ بعدَ ذلِك؛ يبدو أن القولَ بخلوّ اللغة من القَواعد ضربٌ من العَبَث لأنه نفيٌ
للعلم أصلاً : علم اللغة وعلم النحو في القَديم والحَديثِ، ومَن يُريدُ إثباتَ ظاهرةٍ
جزئيةٍ هي جزءٌ من كلّ، إنّما يُحاولُ عبثاً ويَتعامى عن التراكم المعرفيّ الذي
أثبَتَه العُلَماءُ قديماً وحَديثاً في الشرق والغربِ، وضربٌ من الهَذيان المعرفيّ
حتّى المَدارس التّداوليّة في اللسانيّات العربيّة والغربيّة على السّواءِ، تُقيّدُ
الوَظائفَ التّداوليّةَ بقيود تركبيّة ، فإذا اختلّت القواعد التّركيبيّة تعذّر بيانُ
المَعاني والمَقاصدِ والمَقاماتِ،
والأمرُ نفسُه يُقالُ عن اللسانيّات التّوليديّة في اتّجاهها الدّلاليّ الذي
يَذهبُ إلى مركزيّةِ الدّلالة واشتقاقِ التّركيبِ، لا يُتصوَّرُ قيامُ مَعانٍ دلاليّةٍ
خارجَ الإطارِ اللّغويّ المَضبوطِ بضَوابطَ تركيبيّة ، فكيفَ يَدّعي المُجادلُ وحدَه
دونَ غيرِه خلوَّ اللغة والاستعمالِ اللغويّ من القَواعدِ، فهَب أنّنا أسقطنا
الجانبَ التنظيميّ التّركيبيّ الذي يشدّ البنيانَ اللّغويّ من حيثُ الألفاظ
و تراكيبها وروابطها، فماذا سَيبْقى؟ بل مَعْنى ذلك أنّه سينهارُ كلّ شيء،
وسنلجأ إلى نظامٍ تواصليّ آخَر هو الإشارات أو غيرها