الحوارُ في مسألة اللغة العربيّة
لا شكّ في أنّ الحوارَ في مسألة اللغة العربيّة ، أصبحَ موضوعَ السّاعَة
عند المهتمّينَ بالشّأن اللّغوي ، والشّأن العلمي والمعرفيّ ، و بقضيّة
التّواصُل والتّفاعُل .
و لا شكّ في أنّ كثيراً من البلدان العربيّة التي تَميلُ إلى إشاعَة ثقافَة
الغربِ ولُغاتِه ، ليسَت لَها سياسَةٌ لغويّةٌ واضحةٌ أو تخطيطٌ لغويّ
محدّد ، تتوزّع فيه اللغاتُ الدّائرة في فَلَكه توزيعاً محدّداً بحسبِ
الأغراض والاختصاصاتِ ، كأن تكونَ له لغة وطنيّة خاصّة بالثّقافَة
و نموّ المعرِفَة ، و لغة أو لغاتٌ أجنبيّة تكون بمثابَة لغة الانفتاح
على الآخَر وعلومِه ، و التّواصُلِ مَعه ، ولغة يوميّة ليس لَها من الوظيفَة
إلاّ ما تتبوأه في الواقع .
فكثيرٌ من بُلدان المغرب العربيّ على سبيل المثال، ينأى بنفسِه
عن تقويم جهوده الثقافيّة واستكشافِ نموّه وتنميتِه ، وإنّما يُسندُ هذه
المهمّة إلى الغربِ ، فإذا رضيَ الأجنبيّ عن نتاجنا ومستوانا رَضينا و إذا
انتقصَ منه انتقصْنا ، و كأننا لا قدرَةَ لنا على محاسبةِ النفس ومتابَعَة قيمَة
العملِ ونقدِ الذّاتِ . التّواصُل والحوارُ الذي نتحدّث عنه في هذا الرّكن ، لا يتمّ
إلاّ باللغة وتواصُلُنا بلغةِ الذّاتِ وهي العربيّة، لا نعدّه تواصُلاً راقياً ، بل يظلّ
في نظرِنا حديثَ النّفسِ كالذي يُحدّثُ نفسَه و لا يسمعُه أحد ، و نطمَعُ أن
يكونَ الاتّصال باللغات الأجنبيّة وبالطّريقَة الغربيّة في تقويمِ الأشياءِ و رؤيَة
العالَم ، فاعتمدْنا لغةَ الغربِ أسلوباً للحوارِ
واعتماد اللغةِ الأجنبيّة في التّواصُل والحوارِ يُحقّقُ نسبةً كبيرَةً من الانفصامِ
و الانفصالِ عن الذّات لا الاتّصالِ ، والانقطاعِ عن التاريخ والجذورِ لا الاستئنافِ
والتأصيل
و ممّا قرأتُه للباحثِ اللّسانيّ المغربيّ الدّكتور عبد القادر الفاسي في هذا
الشأن قولُه : « نستأجرُ ثقافةَ الغربِ ولُغتَه وقِيَمَه ، فقدْنا القدرةَ على "القِراءَة"
لأننا غالباً أمّيونَ ، فأصبحَ الأجنبيّ يقرأ فينا ما يُريدُ ، يُنظّرُ في شؤونِ لُغتِنا ،
و نحن لا نرى إلاّ برؤيَةِ الآخَر ... » [1]
وبناء عليه ، فقبلَ أن نتحدّث عن اللغة العربية والحوارِ في شأنِها ، ينبغي أن
نتحدّثَ عن وضعيّة العربيّة في حياتِنا ، و مكانتِها في التنمية والارتقاءِ بالذّات ،
وعندما نصلح الشأن اللغوي ، ونؤسس ثقافَةً لغويّة أصيلَةً، نخطّط لسياسة
لغويّة واضحةِ المَعالم تأخذ الثوابِتَ بعين الاعتبارِ ، وتبني الفروعَ المستحدَثَة
على الجذورِ الراسية، نستطيع آنذاك أن نتحدّث عن الحوارِ في الشأن اللغويّ
ــــــــــــــــــ
[1] أزمة اللغة العربيّة في المغرِب بين اختلالات التّعدّديّة وتعثّرات "التّرجمة"
د.عبد القادر الفاسي الفهري، منشورات زاوية، مط. المعارف الجديدة
الرباط، 2005م