على الكاتب أن يتجَّنَبْ ما حكم النحاة بِشذوذه أو نُدرته ومُخالفته لِلقياس .
ومما ذُكر في هذا الشأنِ : ما وقع فيه أبو نواس ؛ حيث يقول في مدح الأمين :
يا خيرَ من كانَ ومن يكون *** إلا النبيُّ الطاهرُ الميمون
فرفع المستثنى في موجب الكلامِ ، والنصبُ في هذا واجب (1) .
ولو قُلْنَا : (سافرتُ إلى جدة - المدينة - الطائف) , على تقدير : (إلى المدينة إلى الطائف) ؛ فهذا ضعيف جداً ؛ لأنه لا يجوز حذفُ حرف الجر وبقاءُ الاسم المجرور مجروراً بعده , إلا على وجه مِن الشذوذ ؛ كقول رؤبة بن العجاج حين سُئل :كيف أصبحتَ ؟ فأجاب : (خيرٍ عفاك الله) ؛ أي : على خير , وقد حكم النحاة على هذا بأنه شاذ لا يجوز القياس عليه , والصواب : أن نستعمل حرفَ الجر قبل كل مدينة في مِثل ذلك .
ولا داعي لِلقول : (إن هذا مِن بدل الغلط والنسيان) ؛ فالمتكلم واعٍ فطن لِمَا يقول .
نعمْ ؛ ربما مُراده مِن رَسْمِ الشَّرْطَةِ (-) هو : (وإلى المدينة وإلى الطائف) ؛ أي حذف الواو مَع (إلى) ؛ لدلالة الشرطة (-) عليهما ، لكن هذا ليس مِن طرائق كلام العرب ؛ لأن فيه حذف حرف العطف مع الجار مع بقاء الاسم المجرور مجروراً ، أما لو ذهبت إلى أن التقدير هو حذف حرف العطف (الواو) فقط ؛ فذلك جائز ؛ أي : (سافرتُ إلى جدة والمدينة والطائف) .
ـ ومِن ذلك : قولُنا : (لم يكُ الحقُّ معك) بِحذف نون (يكُن) , والمعروف أنه يجوز حذفها بِشرط أن لا يليها ساكن , أما (أل) فهي ساكنة ، والهمزة حاجز غير حصين ، فكأنه ليس موجوداً .
ـ ومِن ذلك : قولنا مادِحين بعضَ الجنود : (إنكم أسيفٌ مِن سيوف الله) , و(سيفٌ) يُجمع على (سيوفٍ) و(أسياف) , أما أسيفٌ فليس بقياس , ومِن ذلك قولنا : (عندنا أفراخ طازجة) ، والقياس : (فراخ أو أفرخ) , ومِن ذلك قولُنا : (هؤلاء الوجهاء لهم بُوقات عند العوام) , والقياس : (أبواق) (2) .
_________________________________________
(1) بغية الإيضاح ، للصعيدي (15) (الهامش) .
(2) انظر جواهر البلاغة للهاشمي (21) و علوم البلاغة للمراغي (17 ـ 21) وقواعد اللغة العربية لحفني ناصف وزملائه (289) .