سلسلة حلقات
( حروف المعاني )
من كتاب
( صرف العناية في كشف الكفاية )
( للإمام العلامة البيتوشي ت 1211هـ )
يكتبها لكم
د. خالد بن قاسم الجريان عضو المجمع
الحلقة الأولى:
التعريف بالبيتوشي:
مدخل
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ وخاتمِ المرسلين سيدِنَا ونبيِّنَا وحبيبِنَا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلم.. وبعد:
تُعَدُّ الأحساءُ منَ الأقاليمِ العريقةِ في تاريخِهَا العلمي والفكري والأدبي والثقافي، وقَدْ أنجبتْ منذُ فجرِ التاريخِ أدباءَ وحكماءَ وشعراءَ منهم طرفةُ بنُ العبدِ، والصلتانُ العبديُّ، والجارودُ ابنُ المُعَلَّى، وعليٌ ابنُ المُقَرَّبِ العيونيُّ وغيرُهم.
وإلى وقتٍ قريبٍ كانَ يقصدُها العلماءُ وطلابُ العلمِ من أنحاءِ العالمِ الإسلامي كافةً بسببِ كثرةِ العلماءُ فيها وكثرةُ الأسرِ العِلميَّةِ المتفقهةِ على المذاهبِ الأربعةِ.
وقَدْ شَهِدَ إقليمُ الأحساءِ في القرنِ الثانيَ عشرِ الهجريِّ ازدهارًا في الحركةِ العلميةِ لا نظيرَ لها في قرونٍ سالفةٍ، ومنَ العلومِ التي حَظِيَتْ بعنايةِ علماءِ الأحساءِ علومِ العربيةِ نحوًا وصرفًا ولغةً وبلاغةً.
كَمَا شَهِدَ ذلكَ القرنُ ظهورَ أسرٍ علميةٍ كثيرةٍ في مدينتي الهفوفِ والمبرزِ أمثالِ أسرةِ آلِ ملا، وآلِ مبارك، وآلِ عبدِاللطيف، وآلِ خطيب، وآلِ عرفج، وآلِ عبدِالقادرِ، وآلِ كثير، وآلِ غنام وآل موسى وغيرِهم، الأمرُ الذي أدى إلى إنشاءِ مدارسَ ومساجدَ وأربطةٍ علميةٍ، كَمَا حَدَا ذلكَ الازدهارُ إلى نزوحِ كثيرٍ منَ العلماءِ وطلابِ العلمِ إلى الأحساءِ، إِمَّا للتدريسِ أو لأخذِ العلمِ عنْ علمائِهَا.
وكانَ العلماءُ يُدَرِّسُونَ طلابَهم في المدارسِ العلميَّةِ المنتشرةِ بشكلٍ كبيرٍ في مدينتي الهفوفِ والمُبَرَّزِ كمدرسةِ القُبَّةِ، ومدرسةِ مصطفى باشا، ومدرسةِ آلِ كثيرٍ، ومدرسةِ الشَّلْهُوبِيَّةِ وغيرِها، أو يُدَرِّسُونهم في المساجدِ والأربطةِ العِلْمِيَّةِ كرباطِ آلِ مُلا في الكوتِ، ورباطِ آلِ عُمَيرٍ في الهفوفِ.
وَقَدْ أولى العلماءُ الأحسائيونَ ووالعلماءُ الوافدونَ علمَ النَّحوِ عنايةً فائقةَ النظيرِ، حتى اشتهرتْ بعضُ الأسرِ العلميَّةِ الأحسائيَّةِ بِهِ، وبالأخصِ في الإلمامِ بالمسائلِ النَّحويَّةِ، والوقوفِ على آراءِ العلماءِ السابقينَ واستيعابِها، واستحضارِ أقوالِ العلماءِ فيما يَعِنُّ لهم مِنْ مسائلَ خلافيَّةِ نافسُوا فيها علماءَ عصرِهم في أمصارٍ وأقاليمَ أُخرَى من بلدانِ العالمِ الإسلامي.
وكانَ منهجُ علماءِ الأحساءِ في تدريسِهم لعلمِ النَّحوِ يقومُ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ للمبتدئينَ، ثم للمتوسطينَ، ثم للمتقدمينَ.
وَقَدْ مَرَّ الدرسُ النَّحْوِّيُّ في إقليمِ الأحساءِ في القرنِ الثانيَ عَشَرَ بثلاثِ مراحلَ هي:
1- نسخُ الكتبِ النَّحويَّةِ.
2- نظمُ القواعدِ النَّحويَّةِ.
3- التأليفُ والشرحُ وَوَضْعُ الحواشي.
وحينَ نُقَلِّبُ صفحاتِ التراثِ النحويِّ المخطوطِ لعلماءِ الأحساءِ نجدُ فيهِ مجموعةً من العلماءِ الأفذاذِ الذين عُنُوا واشتَغَلُوا بالدَّرسِ النَّحويِّ من حيثُ النسخُ والتأليفُ والشرحُ والتدريسُ، حتى صارَ لهم فيِهِ أقوالٌ وآراءٌ مشهورةٌ واختياراتٌ متفردةٌ، و لكنَّ أغلبَ هذا التراثِ لم ينلْ نصيبَهُ من العنايةِ.
وممَّنْ عُرِفَ مِنْ أعلامِ الأحساءِ بتدريسِ النَّحْوِّ والمهارةِ فيه الشيخُ إبراهيمُ بنُ حسن، والشيخُ محمدٌ بنُ عبدِالرحمنِ العفالقُ، والشيخُ العلامةُ عيسى بنُ عبدِالرحمنِ بنِ مطلقٍ المالكيُّ، والشيخُ عبدُالعزيزِ بنُ صالحٍ العْلِجِيُّ، والشيخُ عبدُالعزيزِ بنُ مباركٍ بنِ غَنَّامٍ، والشيخُ القاضي محمدٌ العبدُالقادرِ، والشيخُ العلامةُ محمدٌ بنُ أبي بكرٍ المُلا.
والشيخُ عبدُاللهِ بنُ محمدٍ البِيْتُوشيُّ الكُرْدِيُّ الذي اشتُهِرَ بالنُّبُوغِ والبَراعةِ فيِهِ، وفي تدرِيْسِهِ، فَأجَادَ وأفَادَ، وقَرَّرَ وحرَّرَ، وكانَ متبحرًا في علومِ العربيةِ الأمرُ الذي دفَعَهُ إلى الإكثارِ منَ التآليفِ النَّحويَّةِ شرحًا، وتأليفًا، ونظمًا، ووَضَعَ حواشٍ على بعضِ المؤلفاتِ النَّحْوِيَّةِ التي بهرَ بها علماءَ عصرِهِ، فارتحلَ إليِهِ العلماءُ وطلابُ العلمِ لينهلوا من معينهِ في علومِ النحوِّ والصرفِ واللغةِ.
البيتوشي
اسمه ونسبه :
هو الإمام العلامة الشيخ الأديب أبو محمد عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن
عزالدين نزيل الأحساء.
الكردي البيتوشي الآلاني الخانخلي الشهرزوري الشافعي الأحسائي.
مولده :
ولد في قرية ( بيتوش ) من بلد كردستان العراق ، أما سنة ولادته فقد اختلف حولها المترجمون، فمنهم من ذهب إلى أنَّه ولد سنة ( 1160هـ )، ومنهم من حددها بسنة
( 1161هـ )، ومنهم من ذهب إلى أنَّ سنة ولادته بين عام ( 1130- 1140 ) ؛ وذهب عبدالكريم المدرس إلى أنَّه ولد سنة ( 1135هـ ) أو أقل من ذلك بقليل ، وجزم الشيخ محمد العبدالقادر في كتابيه الأول ( تحفة المستفيد ) ، والثاني ( مختارات آل عبدالقادر) أنَّ ولادته كانت سنة ( 1130هـ ) وإلى هذا التاريخ أميل .
وذهب الأستاذ الذرمان في كتابه ( من أعلام مدينة المبرز ) إلى أنَّ سنة ولادته هي (1140هـ) أي في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري .
نشأته :
لم تترك المصادر التي بين أيدينا عن حياة البيتوشي إلا نتفاً ضئيلة لا تحدد معالم تلك الحياة، ولا تكشف عن مراحل تطوره الفكري؛ إلا أنَّ هناك قليلاً مما دونَّه المترجمون عن نشأته ، وهي أنَّ البيتوشي نشأ بقريته، وترعرع فيها ، وعاش في أسرة دينية ، وفي بيت علم وفضل وتدريس ، وقد تولت جماعة من أهل بيته التدريس في مدرسة ( بيتوش ) البلدة التي كانت مقصدًا وموئلاً لطلاب العلم وأهله في ( كردستان ) شمال العراق ؛ يقول البيتوشي من قصيدة طويلة له يصف فيها الطبيعة الخلابة في كردستان :
إنَّنا نحنُ هنا في موطنٍ *** قد جرت أنهاره بالذهبِ
نادت النخلُ به باسقة *** شجرَ الجوزِ الضليلِ الطيِّبِ
أنا كردي من أم و أب *** غذياني حبَّ قومي بلبان الأدبِ
علماني حب قومي مثلما *** علماني حُبَّ قوم العربِ
إن تجد شيئًا خلاف الأدب *** فالطبع كردي وهذا عربي
كان والده الشيخ محمد – رحمه الله – عالمًا ومدرسًا بها ؛ فأول ما بدأ به البيتوشي أنَّه أتمَّ حفظ القرآن الكريم على يد والده ، ثم نهل علمًا غزيرًا من معين والده سواءً في العلوم الدينية كالتفسير والفقه والحديث ، أو العلوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة والعروض ، وكذلك أخذ عنه بعض علوم التصوف ، وحفظ أغلب المتون العلمية ، ولكن سرعان ما توفي عنه والده فتركه وهو في سن الخامسة عشرة من عمره.
وكان للبيتوشي أخٌ يكبره سنًا اسمه محمود كان عالمًا فاضلاً ، فكان البيتوشي يلازمه في حله وترحاله ، فأخذ عنه علومًا شتى في مطلع حياته وبالأخص العلوم العربية ومنها النحو والصرف ، وسافرا معًا لطلب العلم ؛ بالأخص بعد وفاة والدهما ، وذلك لكثرة الاضطرابات السياسية في بلدتهما ( بيتوش ) ، فلم يطب لهما العيش فيها ، فنزح الأخوان إلى قرية قريبة منهما يقال لها قرية ( سنجوي ) بقضاء سردشت أو ( بابان ) يعني علماء ( السليمانية ) فلقيا العلامة محمد ابن الحاج فتتلمذا على يده ثم اشتغلا عنده بتحصيل العلوم ولازماه مدة من الزمن إلى أن استويا على سوقهما في العلوم الشرعية والعربية أصولها وفروعها .
ثم رحل البيتوشي وأخوه محمود إلى قرية ( ماروان ) بلواء أربيل ، وأقاما بها ردحًا من الزمن ملازمين الشيخ الإمام العلامة صبغة الله أفندي بن إبراهيم الحيدري ، فأخذا منه العلوم العقلية والنقلية ، وبعد أن درسا عليه علومًا شتى عادا إلى ( بيتوش ) ، وأخذا عن أكابر علماء كردستان ، ونهلا من معينهم ، لكنهما لم يستقرا بها ، ولم يطب المقام فيها، وذلك لتردي الحالة الاقتصادية وكثرة الاضطرابات السياسية في أرض كردستان ، فلم تعد ( بيتوش ) متسعاً للبقاء والعيش فيها، وهما يطمحان إلى المزيد من العلم .
بعد هذه الأحداث قصد البيتوشي وأخوه محمود بغداد ثم الشام ، فلم يطب لهما المقام فيهما وإن التقيا ببعض العلماء فيهما ؛ يقول تلميذه عثمان بن سند : ( إنه – يعني البيتوشي - قد قرأ القرآن الكريم ومبادئ اللغة على والده ، وأخذ الفقه الشافعي والنحو والصرف عن أخيه الأكبر محمود البيتوشي ، ولم يكتفِ بذلك فارتحل هو وأخوه محمود إلى قرى كردستان ثم رحل وهو غلام مع أخيه إلى بغداد والشام للاستزادة في طلب العلم ، وارتفع له المقام بلقائه الأولياء والزهاد ، وروايته عن العلماء الأمجاد ، فاستفاد وأفاد ، وبحث وحقق ، وأبدع وأنق ) ، وذكر تلميذه ابن سند أنَّ شيخه البيتوشي قد ارتحل – أيضًا - إلى مكة والمدينة ، والكوفة والبصرة ؛ يقول : (وقد رحل إلى الحرمين فدُعي إمامهما، ودخل الكوفتين فَشَأَى( ) حَسَنَهُما
ومُعَظَّمَهما ) . إنَّ معظم المصادر التي وقفت عليها تشير إلى أنَّه في أول حياته نشأ في بيتوش ، وتتلمذ على علماء بلدته ، وأخذ من علماء لقيهم في سفره وترحاله ؛ وهذه المصادر والمراجع لم تحدد معالم حياته، ولم تكشف عن جوانبها ، وعن مراحل تطوره الفكري . وقد آتت تلك الكتب أُكلها .
وفادته إلى الأحساء
الوفادة الأولى:
تذكر بعض المراجع أنَّ البيتوشي وأخاه توجها بعد بغداد والشام نحو البصرة والكوفة والزبير، فلم يطب لهما العيش فيها جميعًا، رغم وجود العلماء بها ، لأنَّ ما وصل إليه البيتوشي لم يكن في نظره غاية التحصيل ، بل توجهت همته إلى التبحر في شتى العلوم والمعارف ، فارتحلا إلى ولاية الأحساء من هجر البحرين سنة ( 1170هـ )، وقيل : سنة ( 1171هـ ) ، وقيل سنة ( 1173هـ ) ، والأرجح أنها سنة ( 1171هـ )، ويؤكد ذلك أنَّ أقدم أثر تاريخي لهما نسخ البيتوشي لنفسه منظومة ابن رسلان في الأحساء في بلدة المبرز سنة ( 1171هـ ) وقال في آخرها : ( الحمد لله على إتمام هذه المنظومة الشريفة للشيخ العالم الزاهد المحقق المدقق ابن رسلان الدمشقي قدَّس الله سره ، وجزاه عنَّا خيرًا من يد الفقير عبدالله الكردي في ولاية الأحساء من هجر البحرين في بلد المبرز سنة ألف ومئة وإحدى وسبعين ) وحلا ضيفين على المستشار الشيخ العلامة أحمد بن عبدالله آل عبدالقادر في بلدة المبرز للحاكم (عَرْعَرْ بن دُجَين ) وكان عَرْعَرْ هذا سيدًا مطاعًا ، وحاكمًا معطاءً ، وكان شاعرًا ماهرًا ، وأديبًا واسع المعرفة ، فلمَّا رآهما على علم غزير ، أنزلهما منزلاً رفيعًا؛ وأمر بتنصيب الشيخ محمود مدرسًا في مدرسة علمية تابعة لأسرة آل عبدالقادر، وأمر بتعيين الشيخ عبدالله البيتوشي مدرسًا في مدرسة أخرى تدعى
( المدرسة الشمالية ) بالمبرز، ففرح الأخوان أيما فرح؛ لأنهما عثرا على ما تعلقت به نفساهما وهو العلم والعلماء، وطلبة العلم ، فمكثا في الأحساء حوالي ثماني سنوات ، حتَّى توثقت عُرى المحبة والصداقة والإخاء بينهم ، وكانت الأحساء في ذلك العهد أحد الأقاليم العلمية نظرًا لازدهار الحركة العلمية فيها ؛ ومن العلوم التي حظيت بعناية علماء الأحساء العلوم الشرعية والعلوم العربية واللغوية ، وعُنِيَ الشيخ عبدالله البيتوشي بالأدب واللغة ، فكان أديبًا غزيرًا ، ونحويًا بارعًا ، ولغويًا ضليعًا، لذلك يعد البيتوشي من أفاضل رجال اللغة ، وحسبنا أن نعرف أنَّ ذكاء البيتوشي الجم ، ونبوغه الفطري ، وعقليته الوثابة ، وحبه التجوال في الأقاليم الإسلامية ، وروح الاستطلاع ، كانت سببًا للنأي به عن محيطه الذي عاش فيه ، والاغتراب عن وطنه الذي نشأ به.
ومن الروايات المحلية التي تفسر سبب إقامته بالأحساء ما رواه الشيخ عبدالعزيز العكاس ونقله عنه صاحب مجلة المنهل عبدالقدوس الأنصاري بقوله : ( وقد حدثنا فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عكاس من علماء الأحساء المعاصرين وأحد أدبائه ورواته بأنَّ هذا الشيخ الشاعر قدم الأحساء في أواخر القرن الثاني عشر الهجري وأقام بها ، واتخذها موطنًا له، وتزوج بها ، وكان نزوله في مدينة ( المبرز ) ، وجاء إلى مسجدها وحينما فرغ الإمام من الصلاة بالناس ذات يوم ، وإذا الشيخ البيتوشي يلقي درسًا بالمسجد ، فأنصت له الجميع وفي طليعتهم قاضي ( المبرز ) إذ ذاك العلامة الشيخ أحمد بن عبدالله بن عبدالقادر الأنصاري الخزرجي فأكرم وفادته ، وأمر له بمنزل مؤثث ، فانتقل إلى هذا المنزل ، ولم يمض له أسبوع إلا وله بالأحساء زوج ، وبيت ، ومسجد ، ومدرسة يعلم فيها طلاب العلم ).
بعد هذه السنوات الثمان استأذن الشيخ محمود من الشيخ أحمد آل عبدالقادر بالرحيل إلى (بيتوش) ، أمَّا أخوه الشيخ عبدالله فمكث في الأحساء
مكث البيتوشي في الأحساء ردحًا من الزمن ؛ وقد ابتسم له الدهر من جديد ، وحسنت حاله ، واشتهر صيته ، وانقطع إلى التأليف، وأصبح أديبًا، شاعرًا، نحويًا، بل فقيهًا، حتى عُدَّ من كبار أدباء الأحساء وعلمائها ، وكان لاستيطانه الأحساء أثرٌ كبيرٌ على تكوين شخصيته الفذة .
ثم اشتد الشوق والحنين بالبيتوشي إلى أهله وذويه في ( بيتوش ) يتضح ذلك من قوله :
ولكن دعاني لاغترابي معشرٌ *** غياث إذا الأهوال ماج عبابها
فهاجرتها هجر الحسام قرابه *** على رغمها تبكي علي هضابها
على أنني أهتز مهما ذكرتها *** كما مال بالقوم السكارى شرابها
فعاد إلى ( بيتوش ) سنة ( 1178هـ ) ولقيهما حاكمها مرحبًا ومهللاً ، فتهافتت عليهما أهل المدن وعلماء الأقطار ، فأقاما فيها حتَّى سنة ( 1180هـ ) ، وفي سنة
( 1179هـ ) شرح البيتوشي منظومته في علم العروض والقوافي المسمى بـ ( الوافي بحل
الكافي ) ، وفي أوائل سنة ( 1180هـ ) كتب في ( بيتوش ) رسالته إلى شيخه ( ابن الحاج ) في ( هزارمرد ) .
وظلَّ البيتوشي وأخوه محمود في ( بيتوش ) ، فقام الشيخ محمود مقام والده معلمًا ومدرسًا ناشرًا ألوية العلم في بلده إلى حين وفاته ، أمَّا أخوه الشيخ عبدالله البيتوشي فولَّى وجهه شطر بلدة الأحساء مرة ثانية .
الوفادة الثانية:
بعد مكث لم يدم طويلاً ارتحل البيتوشي من قريته ( بيتوش ) مرة ثانية إلى الأحساء أوائل سنة ( 1180هـ ) ، والذي دعاه للعودة إلى الأحساء ثلاثة أمور :
الأول : كثرة الاضطرابات والقلاقل السياسية في بلدته ( بيتوش ) .
الثاني : اتصاله بالمستشار الشيخ أحمد بن عبدالله آل عبدالقادر الذي أحبَّه وأكرمه وقرَّبه ، ونصَّبه معلماً في المدرسة والمسجد التابعين لأسرة آل عبدالقادر ، فتوثقت عرى المحبة والصداقة أكثر من قبل .
الثالث : شهرة الأحساء بكثرة العلماء وطلبة العلم فيها، وتقدير أهل الأحساء للعلماء وطلبة العلم ، ثمَّ لكثرة الأسر العلمية ففي المبرز أسرة آل عبدالقادر ، وآل كثير ، وآل خطيب ، وآل موسى وغيرهم ، وفي الهفوف أسرة آل مبارك ، وآل ملا ، وآل عرفج ، وآل جعفري وغيرهم ، وكذلك كثرة المدارس العلمية ففي المبرز مثلاً نجد مدرسة آل عبدالقادر ، ومدرسة آل كثير ، ومدرسة آل فيروز ، ومدرسة الزواوي وغيرها ، وفي الهفوف مدرسة القبة بالكوت ، ومدرسة العمير ، ومدرسة الشلهوبية ، ومدرسة الشهارنة ، وأيضًا وجود الأربطة العلمية في عصره كرباط آل عمير.
فنزل بالبصرة أولاً وفيها تعرَّف على صديقه الشيخ درويش الكوازي آل عبدالسلام العباسي، ثمَّ ركب البحر متوجهًا إلى الأحساء ، يدل على ذلك قوله في آخر حاشيته التي كتبها على هامش كتاب ( البهجة المرضية في شرح الألفية ) : ( لكاتبه عبدالله في غاية ارتجاج الأمواج ، واضطراب البحر الهياج ، أنقذنا الله من ذلك ، وسائر المهالك سنة ( 1180هـ ) ) ، ويدلنا على ذلك – أيضًا - ما كتبه على آخر الجزء الثاني من تحفة المحتاج ، حيث يقول : ( بلغ المقابلة ثانيًا على عدة نسخ صحاح ، أوائل شهر ربيع الأول في الأحساء سنة 1180هـ ).
ولم يمكث البيتوشي طويلاً في الأحساء حتى عاوده الشوق والحنين مرة أخرى إلى بلدته
( بيتوش ) حيث حب الوطن والحنين إلى الأهل والأقارب والأساتذة والمشايخ والتلاميذ ، ويجذبه حب الأحساء حيث الأصدقاء والأحباب والحركة العلمية فيها .
لكن الحنين إلى بلده جعله يشدُّ رحاله إلى مسقط رأسه ( بيتوش ) سنة ( 1181هـ ) ، وفي عام ( 1186هـ ) ذهب من بيتوش إلى قرية ( هزارمرد ) لزيارة شيخه وأستاذه في
( سنجوي ) الإمام العلامة محمد ابن الحاج ، وهناك التقى بالشيخ معروف النودهي تلميذ ابن الحاج ، فعرَّف ابن الحاج النودهي بالبيتوشي ثم توثقت الصلة بينهما ، وأخذ النودهي يغرف من معين علم البيتوشي فأخذ عنه شتى العلوم التي برع فيها البيتوشي ، حتَّى الأدب والشعر بناءً على توصية أستاذه ابن الحاج وهذه تزكية علمية للبيتوشي من شيخه ، وهذا يدل على تبحر البيتوشي وطول باعه ونبوغه في علوم شتى .
وفي أواخر سنة ( 1188هـ ) ترك البِيتوشي موطنه كردستان وذهب إلى بغداد ، ومكث فيها قليلاً ، ثم ارتحل إلى البصرة ونزل ضيفًا على صديقه الشيخ درويش الكوازي
آل عبدالسلام ، الذي توطدت عرى المودة والمحبة بينهما ، وفيها عُيِّنَ مدرسًا بمدرسة
( السليمانية ) أو ( الرحمانية ) ، وقد أقام فيها ردحًا من الزمن بسبب استيلاء صادق خان الزندي على البصرة ، وفي تلك الآونة نظم منظومته ( حديقة السرائر في نظم الكبائر ) ، وفيها – أيضًا - كتب رسالته إلى سليمان بك الشاوي يستصرخه لتخليص مدينة البصرة من العدو صادق خان الفارسي وأتباعه .