بين أبي تمام والمتنبي
8
إذا تجاوزنا المديح والشكر قليلا وهما شطرا الحمد بعضُهما من بعض، وجدنا لكلا أبي تمام والمتنبي فصلين آخرين من أول قصيدتيهما: أما فصلا أبي تمام فالغزل ثم الفخر، وأما فصلا المتنبي فالأطلال ثم الغزل.
ربما لم يصادف انتقال المتنبي من حديث الأطلال إلى حديث الغزل من العجب مثلَ ما يصادفه انتقالُ أبي تمام من حديث الغزل إلى حديث الفخر؛ إذ الغزل بالحبيبة نفسها والوقوف إنما هو على أطلال ديار أهلها، وكفى بها بينهما وَشيجةً واشجةً -وإن كان الانتقال من حديث الأطلال إلى حديث الرحلة أظهر على الشعر العربي القديم- حتى إذا ما كررنا النظر انعكس ما بينهما!
لقد خص المتنبي فصل الأطلال من أول قصيدته بثلاثة أبيات مثلما خص أبو تمام فصل الغزل، ولكنه أَخلفَ توقعَنا إلى الدعاء عليها والسخرية منها -وهو ما ينبغي ألا يغفل علماء الشعر العربي القديم، عما فيه من شَوْب المديح اللاحق وعدم إخلاصه للممدوح!- ثم لم يكن ما انتقل إليه من غزل غير تَشَهٍّ فاضح!
أما أبو تمام فقد شغل فصل الغزل من أول قصيدته ببكاء صاحبته فراقه هو لها بديلا عن بكائه أطلال ديارها هي، وأفرط حتى منع طيفها أن يصل إليه، بما حَزَبه هو ورفاقَه الجنود المجاهدين.
وعلى رغم ذلك الافتراق بين شاعرينا، اجتمعا على أسلوب الانتقال من الفصل الأول إلى الفصل الثاني؛ فقد طرَّف أبو تمام في آخر الفصل الأول ذكر الطيف، ليستأنف عنه كلامه في أول الفصل الثاني. وطرَّف المتنبي في آخر الفصل الأول ذكر صاحبته "الخَوْد"، ليستأنف عنها كلامه في أول الفصل الثاني.
ومن ألطف ما افترقا فيه على بصيرةٍ نوعُ أولى الجمل المستأنفة؛ فلما لم يكن الطيف نفسه من همّ أبي تمام في فصله هذا الثاني استأنف كلامه عنه بجملة فعلية (ماض فغائب)، ليوجِّهه هو نفسه إلى فخره. ولما كانت الحبيبة من همّ المتنبي في فصله هذا الثاني استأنف كلامه عنها بجملة اسمية (غائبة محذوفة فنكرة)، لينقطع لتَشهّيها!