بين أبي تمام والمتنبي
7
لقد اجتمع أبو تمام والمتنبي على إفراد الشكر بفصل، دلالةً على شمول كرم الممدوحين لهما فيمن شمل، وتأملًا أن يدوم لهما ويزيد. وافترقا في تعقيب ابي تمام به على فصل كرمه الموصول الأبيات، واعتراض المتنبي به بين شطري فصل كرمه المفصول الابيات.
إن الاعتراض داخل في المعترَض، وإن التعقيب لاحق للمعقَّب، ولا ريب في أن علاقة المداخلة التي في اسلوب الاعتراض اوثق من علاقة الإلحاق التي في أسلوب التعقيب؛ إذ ليس أحرص على حفظ الشيء من جعله في ضمن الأشياء. ولكن علاقة الإلحاق اَلْفَتُ للمتلقي؛ إذ ليس أحرص على إظهار الشيء من جعله طرف الأشياء.
لقد اختفى شكر المتنبي بما فيه من تأمل الدوام والزيادة في طيات مدحه، حتى ربما غفل المتلقي عن استقلال أوائل جمله فجعلها من تمام نعوت "غَمَامٌ" في البيت 29 خبر المبتدأ ضمير غيبة الممدوح المحذوف، على أسلوب الشعر القديم في قَطْع الكلام مما سبق، واستئناف خبر للمبتدأ المحذوف، ثم تعديد نعوت هذا الخبر- أو غفل عن استقلال أواخر جمله فجعلها من النداء بين يدي الطلب "رُدَّ لَهُمْ مِنَ السَّلَبِ الْهُجُوعَا" الواقع بعجز البيت 34 على أسلوب عموم الكلام العربي القديم في الموالاة بين النداء والطلب.
وظهر شكر أبي تمام بما فيه من تأمل الدوام والزيادة على مدحه، ثم لم يكفه ظهوره حتى جعله منتبَهًا إليه بعد الفَوات -ومهما غفل المتلقي فلن يحوِّل أولى جملتيه عن الاستئناف، لاختلافها وما قبلها خبرا وإنشاء- في جواب سؤال سُئله، ولم تغنه سخريته من السائل بقوله: "كَأَنْ لَمْ يَشْفِهِ خَبَرُ الْقَصِيدِ"، الذي يدعي فيه أنه لولا سؤال هذا السائل الغافل لاكتفى بما سبق في قصيدته!