بسم الله الرحمن الرحيم
من نوازع الإيمان
ستكون مرحلة التعبير عما بداخلي من دلائل إيمانية حسبما يمليه عليَّ عقلي المؤمن بما يحفل به منها وأنا بكامل الإيمان بها ، مثلما يشكك من فرغ عقله من أي محتوى إيماني ، سواء سلباً أم إيجاباً ، وأقصد بالسلب والإيجاب هنا ما يحدثه الإيمان من أسباب الراحة والطمأنينة وما يحدثه التجرد والفراغ الروحي من القلق والتوتر ، ليعيش الإنسان حياته كيفما تأتَّى له ؛ بعيداً عن الإيمان المُطَمْئِن والتجرد المقلق ، فالإيمان ـ بأي إله ـ ليس بالضرورة زارعاً للطمأنينة ، بقدر ما هو سبب من أسبابها ، متى ما توفر على المقومات الكاملة لتغذيتها ، وليس التجرد من الإيمان التعبدي باعثاً للقلق ، بقدر ما هو خالق للحرية المطلقة في التفكير المتصارع مع النفس والذات التي نشأت في بيئة عاسفة معتسفة ، ولا شك أن البيئة التي يعيش فيها الفرد هي التي تفرض عليه الخنوع أو التمرد بقيودها غير المقنعة للعقول الانطلاقية الحرة ، مختارة أم مقودة !
والإنسان بطبعه باحث عن الحقيقة ساعٍ إلى معانيها بما يجده في عقله من اعتمال ودأبٍ على التفكير بما يحيط به ، ومن هنا جاءت الحكمة الإلهية باختيار الإنسان خليفة في الأرض ليكون فيها حيث أمر بعمرانها تحت ظل التعبد الفطري لفاطر الكون ومجري الحياة فيه .
إلا أن الإنسان ، الذي جبل على الظلم والافتراء لنفسه ولغيره ، لم يكن لينقاد لفطرته التي خلقه الله عليها حتى تأتيه الرسالة المؤطرة لهذه الفطرة والمحددة لمناحي العبادة الحقيقية فجاءت الأنبياء والرسل مخاطبة العقول البشرية لتذكي فيها روح الشقاق والنزاع فيشتد الأنبياء في دعواتهم ونرى على ما مضى من تاريخ تلك النبوات والدعوات الصادقة فيها ما يخرج على الفطرة السوية ليركب اللجج والجدل (وكان الإنسان أكثر شيئٍ جدلاً) على الرغم من قصوره العقلي أمام معجزات الكون وما يحيط به من مكوناته!
ولم أرَ أغرب من إصرار بعض الملاحدة الجهلة على التشبث بكلمة (لنا عقول ندرك بها ما حولنا ، ولو كان الحق موافقاً لعقولنا وتجلت حكمته لنا لآمنا به ، ولكننا نرى أن ما يجيء بطلب الإيمان المطلق غير متوافق مع وعينا وما نعقله) . والحق الذي لا يماري فيه إلا أولئك الجهلة ، وهو يغيب عنهم لما فيهم من خلل عقلي واضح ، أن الحكمة التي يستأثر بها الله ويكلفنا بالإيمان بها ، إنما تكون لقصور عقولنا عن الإحاطة بها ، ولو كنا سنصل إلى مستوى الذات الإلهية لناظرناه في المستوى مما يبطل أحقيته ـ تعالى الله عما يصفون ـ في العبادة لمماثلته لنا !
ولو تأمل بعض أولئك الأقوام في أفكارهم وعقولهم وما تنتجه من حاجات دنيوية ومدى مراحل اكتمالها واستوائها لأدركوا أنها لن تصل إلى درجة الكمال بدليل ما يلحقها من التطوير والتعديل الذي لا ينقطع ، ناهيك عن تعرضها للفناء وعدم مقاومتها لعوامل الطبيعة وما تحدثه في كل شيء على وجه الأرض ، ولينظروا بالمقابل إلى ما أوجده الخالق عز وجل ومناحي الكمال فيه .. قال تعالى : " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ، فارجع البصر هل ترى من فطور " الملك 3 .
ولتتأمل أيها الملحد فيما حولك !
في البداية علينا بالبحث في كيفية التأمل بما يحيط بنا من عناصر الحياة ومكوناتها ، سواء منها ما يقتضي منا التعامل معه والتكيف له ، وما كان مسخراً لنا نفعل به ما نشاء ، فما يقتضي منا تعاملاً .. قد يحدد نوعية التعامل هذه عقلي وعقله ، إن كان مما يعقل ، وقد يحدد نوعية التعامل عقلك أنت فقط ، ولتتضح لك الصورة أكثر ما تراه من حيوانات فتاكة أو ربما حشرات وزواحف قد لا تنتظر منها عقلاً يردعها عن أذاك ، فهنا يأتي عقلك أنت فقط ، وخذ أيضاً النار والهواء والماء ، فكل منها فاتك متى ما تسلط ، وعقلك يهديك إلى كيفية التعاطي معها ، وخذ أيضاً ما تنتجه الأرض ففيه النافع وفيه الضار ، وعقلك يهديك إلى التمييز والنجاء ، ولكن هناك عناصر سلمية لا يمكن أن تمَسَّك بأذى فهذه لا تقتضي منك سوى الاستثمار بما هو مفيد فقط ...
ثم تعال إلى عنصر مهم جداً في هذه الحياة وهو ما يقتضي منك تعاملاً بعقل متبادل وهذا أس الحياة ومحركها ، إنه الإنسان الذي يعمر الأرض ويسعى بها إصلاحاً أو تدميراً ، فيطوع ما يشاء ويتطوع لما يشاء !
هذا الإنسان هو أنت وأنا ...
لنتأمل ما حولنا ..
ومن حولنا ..
إننا سنجد أن الإنسان بما يتوفر عليه من عقل وفكر ووعي قد أفاد من مكونات الطبيعة التي تحيط به فاكتشف وألف وركب وأوجد أشياء من أشياء ، ولكن كل ما أوجده الإنسان هو موجود قبله ومهمته تجلت في الاستكشاف والاكتشاف ؛ فاكتشف الطاقة والذرة والنواة واستطاع أن يسخرها لخدمته ولكنه لم يستطع اتقاء شرها ولم يتوصل إلى ما يقيه مخاطرها أكثر من الاحتراز منها بالحيلولة دون وصولها إليه فقط أو وصوله إليها!
ما اكتشفه الإنسان كله كان في علم الغيب ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ) الأعراف 96 ، ( قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) هود 61 ، ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ ) الحج 65 ، ( أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) النمل 25 ، والخبء الكنوز والسر ، (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ) فاطر 40 .
ثم يكتشف ويطور ويأتي بالعجب العجاب ولكنه ينبهر من الأشياء التي يتوصل إليها ، وهو من يتوصل ، ويستغرب من اشتمال الطبيعة على كل تلك الأشياء التي فقط تريد من ينتشلها من عالم المجهول إلى عالم المعلوم ومن حالة الخمول إلى حالة الاستثمار !
الاكتشافات منها ما هو حسي معلوم بالعين المجردة والإدراك المشاهد ، ومنها ما هو حاضر نراه ونعيشه بين أظهرنا ، ومنها ما هو مدرك بالأجهزة العلمية المتطورة الدقيقة والحساسة ، وهي بحكم ثباتها التطبيقي أثبتت صحتها وصدقها مخبرياً ...
ومن الاكتشافات ما هو ميتافيزيقي تقول به النظريات الحديثة أو تنسبه الأساطير التي قد لا يمكن التحقق منها مثل ما يتعلق بالخلق وأعمار بعض الكائنات وإرجاع الحياة إلى ملايين السنين السحيقة ، ويعتقد العلماء ، الذين يقولون بها ، صحتَها ، ويثقون بما وصلوا إليه ثقة قد تصل إلى حد الإفراط اليقيني القاطع ، ونحن لا نملك الدليل المفحم والحد الملجم ، ومع ذلك نجد من يؤمن بهؤلاء ويدافع عنهم عقلاً ، ولو عرضناه على المعايير العلمية لاهتز وهوى !
يقولون عمر الشمس كذا وكذا ، ودرجة حرارتها ، كذا وبعدها عنا كذا ، ولو حدث كذا لكان كذا ، ونجد من يصدقهم وينجر وراءهم مبهوراً بما يوردونه من الأدلة ، وهذا هو الإيمان الغيبي !
الملحد يؤمن بما يقوله الفلاسفة والملاحدة أمثاله إيماناً غيبياً ويعزو ذلك إلى البراهين العلمية التي لم يرها هو نفسه أو يقف عليها وقوف الفاحص المتأمل ، ولكنه وثق بهم واطمأن إليهم فآمن طائعاً مختاراً على ضعف الحجة !
وبالمقابل حينما نأتيهم بحججنا وبراهيننا التي رواها رجالنا وأوائلنا السابقون الصادقون رواية مشاهدة وعيان ينفرون وينكرون ويفزعون إلى من يعوذون بهم من الجن والإنس ليردوهم على أعقابهم خاسرين .
إننا نأتيهم ببراهين إيماننا الذي تناقلناه أباً عن جد ، ورواه لنا ثقاة فرغ لتوثيقهم رجال ألهمهم الله الحجة تلو الحجة لينقحوا لنا ويخلصوا ديننا وتراثنا من كل شائبة ، فيشككون فيه ويسخرون منا ويستهزئون بنا وينتقصوننا ويبطلون حججنا زوراً وبهتاناً ، ويحاولون النيل منا بالطعن بنبينا وكتابنا مع العلم أن ما بين أيدينا لو عرضناه على مقاييسهم ومعاييرهم لثبت بالبرهان الناصع صحته ويقينه ، وشهادة جلهم تثبت ذلك !
إن التأمل مفتاح سحري للإيمان !
فلحظة نقضيها في تأمل سر الماء الذي تشربه الأرض فينبت شجراً وينتج ثمراً مختلفاً ألوانه وأطعامه ، وهو واحد لوناً وطعماً ، ولماذا نخرجه من باطنها لنرده إليها مرة أخرى ، ولولا ذلك ما كان ليُنْبِت فما الذي جعله ينفع خارجاً والجاً ، ولا ينفع وهو في جوفها ، أي لماذا لا يشرب منه النبات وهو في الأسفل ؟!
ثم ما نقضيه في تأمل النور وما يبعث في الكائنات من الحيوية والإشراق كالنبات والحيوان والإنسان ، فكل هذا مكون متكامل لكل تلك العناصر التي تعج بها الحياة ، وتساؤلٌ يسيرٌ حول هذه القضايا ومن أوجد هذا التكامل بينها وجعل سر حياتها مرتبطاً بما تحويه من أنماط متنوعة يخدم بعضها بعضاً بل يعتمد بعضها على بعض في الحياة ، فلا يكون ما يكون إلا بما هو كائن ؟!
يقول جل وعلا : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ) الأنعام 102 . ويقول الحق تبارك وتعالى : ( هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ) لقمان 12 .
إن السر في الإيمان ولذته ومتعته في احتجاب المعبود عن العابد !
فلو رآه لألفه فابتذله (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)!
والسر كل السر في عظمة آياته وآثاره في الآفاق التي تدل على وجوده .. ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فصلت 53 .
وموسى عليه السلام حينما طلب من ربه أن ينظر إليه خر مغشياً عليه من أثر الآية التي رآها من آيات ربه فما بالك لو تحقق له النظر لخالقه العظيم ؟!
( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) الأعراف 143 .
هناك سر خطير في المكتشفات العلمية باح به بعض العلماء وتصرف بعرضه آخرون ..
إنه سر الفرق بين الاكتشاف والاختراع ، ومن يتأمل فيه جيداً سيجد لذة ذات نكهة خاصة في التعاطي الإيماني ...
الاختراع مصطلح علمي لكل منتج بشري يكون منه الآلة التي قوامها بعض عناصر الطبيعة ، مثل الأجهزة الكهربائية والمحركات والسيارات والقطارات والطائرات وما تحتاجه تقنياً لتحقق خدماتها الأساسية والتقنية والترفيهية ، باستغلال تلك العناصر ... إلخ ..
أما الاكتشاف فهو التوصل إلى عنصر من عناصر الحياة على الأرض مثل الكهرباء ، ولكنه لم يكن مكتشفاً من قبل ، فالهواء والنار والماء هذه عناصر أساسية وجدها الإنسان مع وجوده جنباً إلى جنب ، فاستغلها بدائياً إلى أن ضاعف استغلالها بما فتح الله عليه من تطوير لمنافعها ، ولكن الطبيعة لم تكن فقط قائمة على تلك العناصر ، فالكهرباء التي اكتشفت قبل منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تضاف إلى عناصر الطاقة في الطبيعة لتؤتي أكلها فنراها متنوعة الخدمات لتصبح شريان الحياة الحضارية في عصرنا الحديث ..
ولنقس عليها كل ما توصل إليه الإنسان من مكتشفات وما استغله من مكونات الطبيعة ليخلق منه آلة تقدم له خدمة توفر اليد العاملة جهداً ومالاً !
يبقى لنا أن نقول إن كل ما نراه هنا على هذه الأرض لا يمكن أن نعزو سره الوجودي والحركي إلى العدم والمجهول أو إلى نفسه أو حتى إلى الطبيعة !
فلو صح لنا ذلك لوقفنا عند الأرواح التي تقوم عليها حياة الكائنات الحية ذوات الأرواح ولتمكن الإنسان بما أوتي من وعي وعقل من التوصل إلى سر هذه الروح ولأبقى عليها مدة أطول في جسم أخيه الإنسان ، أو في أجسام الحيوانات التي يستفيد منها في حياته العامة ليستثمرها كالبهائم والطيور وغيرها ، ولكننا نوقن يقيناً حاسماً أن مدبر الكون ومديره هو الحي الذي لا يموت وهو ما ورد القرآن الكريم بصفاته وآياته الدالة على وجوده ففاض بأسمى معاني الإيمان وأرشد إلى أرقى معالم العبادة من لدن فاتحته إلى آخر آية اشتملت عليها سورة الناس ذات الصفات الأكمل والأجل .
وختاماً أود أن أركز على نقطة مهمة في الناحية التعبدية التي ربما تجد فيها ما يخفف عنك نوازع الشك القلق ، وهي قراءة القرآن الكريم وإتباعه بشي من تفسيره المبين ، وليكن وقوفك عند تفسير الإمام القرطبي فهو من أجل التفاسير وأيسرها حيث يجمع لك بين النواحي الشرعية والبلاغية بطريقة سهلة مفهومة .
وآخر عبارة أطرز بها طرحي هذا :
( أخي المؤمن : لا تأخذ إيمانك من مؤمن مثلك ، ولا تحكم على الإيمان من سلوك بشر يمشي على الأرض مرحاً ، فما تراه من أناس نصبوا أنفسهم أوصياء علينا ، فهؤلاء لا يمثلون الله بقدر ما يمثلون أنفسهم الناقصة بالضلال والغي ) .
صالح بن إبراهيم العوض .
الرس .