العربية الوسيطة
تشير العربية الوسيطة ٳلى ذلك الضرب من اللغة الذي يجمع بين نمطين لغويين مزدوجين ٬ تشكلت من خلالهما وحدة قائمة مستقلة بذاتها عن كل من العربية الفصحى و اللهجات العامية المولدة . تحتل العربية الوسيطة منزلة بين العامية و الفصحى نظرا لوجود فارق كبير بين اللغة المكتوبة و لغة الكلام . و لعل وعي الناس بٳمكانات الفصحى نتج عنه تحويلات مختلفة على الجمل و العبارات أفرزت لغة وسيطة جديدة . لكن ذلك الوعي غالبا ما تعثر في تقدير صلاحية أو استحالة بعض التركيبات بفعل الازدواجية اللغوية .
لا يقتصر ظهور العربية الوسيطة على المسلمين فقط ٬ بل يشمل حتى اليهود و المسيحيين اللذين غالبا ما استخدموا كلمات دارجة في لغتهم المكتوبة نتيجة ضعف تأثرهم بالقرآن الكريم .
فمصطلح العربية الوسيطة أصبح يرادف النصوص التي ضمت في كتاباتها كل من النموذج العربي الكلاسيكي و النموذج العامي. وقد اعتمدها الباحثون فيما بعد لتفسير نشأة اللهجات في تاريخ العربية .
و تتضمن العربية الوسيطة عند المسلمين كلا من نصوص البرديات و نصوص الألف ليلة و ليلة و القصص العربي . تحتوي هذه النصوص خليطا متجانسا من الفصحى و سمات العامية المرتبطة أساسا بوظيفة تلك النصوص الأدبية والقصصية.كما لم تخلو الرسائل العلمية لصفوة المثقفين من بعض السمات العامية التي كانت تطفو لاشعوريا بدرجة ما . في هذا الصدد نسوق كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ .
أما العربية الوسيطة ذات الصبغة اليهودية فتسمى عربية اليهود . يرجع تاريخ هذه الأخيرة ٳلى مجموعة من الوثائق المكتشفة في القرن 9 م ٬سميت بوثائق الجيزة . تضم هذه الوثائق مجموعة من النصوص تحتوي السمات العامية . و تتميز عربية اليهود بكونها كتبت بخط عبري يحتوي على قدر كبير من الكلمات العبرية الأصل. و تعزى أسباب هذه الظاهرة ٳلى وضعية اليهود داخل الٳمبراطوية الٳسلامية ٬ و كذلك الرغبة في ٳسناد نص الكتاب ٳلى مؤلفه اليهودي.
بينما تشكل منطقة جنوب فلسطين معقل نصوص العربية الوسيطة المسيحية ٬ امتزجت فيها كل من الترجمات اليونانية و السريانية يصعب من خلالها التفرقة بين العناصر الدخيلة من اللغة الدارجة و تلك العناصر الناتجة عن الترجمة .
تجدر الٳشارة ٳلى العربية الوسيطة المعاصرة التي تعمد توظيف الدارجة بشكل واع داخل الأدب المعاصر . و لعل المقصد الأساسي الكامن وراء توظيف الكتاب لذلك ٬ ٳضفاء صبغة محلية على نصوصهم .لكن رغم محاولاتهم تضمين النصوص صفة العامية ٬فمن العسير اعتبار لغتهم مثلا على العامية الصرف ٬ٳذ ظلوا حبيسي سطوة العربية الفصحى .
نشوء الفصحى المعاصرة
توغلت الثقافة الأوروبية بعد حملة نابليون لمصر ٬ و تجلى ذلك في أفكار التنوير التي أصبحت جزءا من الثقافة المصرية ٬ قابلها موقف متحفظ من هذه الأفكار و مدى صلاحيته لتقاليد الأمة الٳسلامية .
لقد لعبت اللغة العربية دور الوسيط في نقل حمولة الفكر الغربي السياسي ٬ فظهرت مصطلحات جديدة ترادف مثيلاتها في الفكر الأوروبي نخص منها : الحكومة الدستورية ٬ و البرلمان ٬ و المواطنة ٬ و الاشتراكية ٬ و الشيوعية ...كما اقترضت الٳمبراطورية العثمانية --الحاكمة في تلك الفترة جل الأقطار العربية- مصطلحات عربية .
أما بخصوص الأفكار الغربية ٬ فقد كانت جل ردات الفعل تجاهها تتسم بالقبول في البداية ٬ تجلى ذلك في الكتابات التي حملت مظاهر الٳصلاح و التحديث . لكن تزايد هيمنة الغرب دفع باتجاه نبذ الأفكار الدخيلة و الدعوة ٳلى حركة نحو الخلف ٬ ٳحياء لقيم السلف الصالح .
أدى هذا الدور الجديد للغة العربية ٳلى الرفع من مكانتها ٬ صاحبه بروز الحركة القومية التي ركزت على الرباط الوثيق بين الهوية العربية و لغتها .و قد أعطى المجمع العربي المنعقد عام 1913 م بباريس دفعة قوية للعربية . تجسد ذلك في استخدام اللغة العربية في التعليم و في الشؤون القضائية والقانونية .
كان الوضع مختلفا في بلاد الشام ٬ مادامت هذه المنطقة تعج بالمسحيين اللذين لا تتعارض أفكارهم و أفكار الغرب مع دعوتهم ٳلى الفصل بين اللغة و الٳسلام .
و شكلت الصحافة العربية المكتوبة نقطة تقدم مهمة رافقتها عملية تحديث في المعجم العربي ٬ التي تأرجحت بين القبول و الرفض . كان للمعاجم اللغوية ( مجمع اللغة العربية فيما بعد ) دور مهم تجلى في الحفاظ على وحدة اللغة العربية وفق مقتضيات العصر .
ففي العصر الحديث ٬ حاولت المجامع اللغوية تحديد الاشتقاق اللغوي للكلمات الأجنبية في المجالات العلمية. لكن البعض ظل يتقلب بين رفض عملية الاقتراض و بين اعتبار عملية التعريب هي الحل الوحيد للحفاظ على تماسك اللغة العربية .
لقد استفادت الفصحى المعاصرة من نحت الكلمات الجديدة و الاختلافات اللغوية الٳقليمية ٬ ٳلى جانب لغة الٳعلام المتأثرة لغويا بالغرب . لكن البعض ينزع نحو المطابقة بين الفصحى المعاصرة و الكلاسيكية .
أما بخصوص النثر ٬لا نجد تمايزا ملحوظا بين الفصحى الكلاسيكية و المعاصرة . و يرجع ذلك ٳلى رغبة الكتاب في التماهي مع الفصحى الكلاسيكية في كل من النحو و المعجم . ٳلا أن الثراء و التنوع المعجمي للفصحى المعاصرة يخلق تباينا في كتابات العرب بشكل يسهل معه التمييز بين نص مغربي و نص مصري أو خليجي . و السبب في ذلك الاختلافات المحلية في صياغة المفردات ٬بالٳضافة ٳلى الٳرث الاستعماري الذي يضرب بجذوره عميقا.
المصدر
المصادر المعتمدة
- فرستيغ كيس :( اللغة العربية : تاريخها و مستوياتها و تأثيرها ) . ترجمة محمد الشرقاوي ٬المشروع القومي للترجمة 443. المجلس الأعلى للثقافة 2003.
- Blachère Régis (1961) : (Elément de l’arabe classique).Paris Maisonneuve ( Edn 1985).
-Caubet Dominique : (L’arabe marocain .1 . phonologie et morphosyntaxe.2.syntaxe et catégories grammaticales) ****es, Paris and Louvens : Peeters.1993
-Cohen David (Le dialecte arabe hassaniya de Mauritanie- parler de la Gabla-).Paris :Klincksieck.1964.
-Fassi Fehri, Abdelkader : (Linguistique arabe : forme et interprétation).Rabat : Faculté des lettres et des sciences humains .1982.
-Garbini Giovanni : (La position du sémitique dans le chamito-sémitique.) In actes du premier congrès international de linguistique sémitique et chamito-sémitiques).Paris 16-19 juillet 1969, ed.André Caquot and David Cohen. The Hague and Paris : Mouton.
- Marçais Philipe (Le parler arabe Djedjelli , nord constantinois ,Algérie ) .Publication de l’institut d’études orientales d’Alger .Paris : Librairie d’Amérique et d’Orient Adrien-Maisonneuve.n.d 1956.